The news is by your side.

كان آية الله العظمى الفاضل اللنكراني يرى وجوب صون استقلال الحوزة العلمية

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع وكالة “جماران”: كان آية الله العظمى الفاضل اللنكراني يرى وجوب صون استقلال الحوزة العلمية

كان آية الله العظمى الفاضل اللنكراني من المدافعين الصلبين عن الثورة والقيادة، لكنه التزم التزاماً حازماً بحفظ استقلال الحوزة العلمية مالياً وإدارياً.يتعين على الحوزة العلمية -أساتذة وطلاباً- دراسة أفكار الإمام الخميني التجديدية بعمق، لا سيما نظريتي “تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد” و”الخطابات القانونية”.

أكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم، في حوار خاص مع مراسل وكالة أنباء “جماران”، الأبعاد الروحية والأخلاقية والمكانة العلمية الفذة لخاله الكريم، المرجع الديني الراحل آية الله العظمى الشيخ محمد الفاضل اللنكراني (قدس سره)، مبيناً أنه كان نموذجاً للمرجع الشعبي المخلص الذي يجمع بين الدفاع الصلب عن الثورة والقيادة وبين الصيانة الحازمة لاستقلال الحوزة العلمية، مستعرضاً جهوده الكبرى وتأثيره في ترويج فكر الإمام الخميني الفقهي والأصولي في الحوزة.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

خصال التواضع والشمائل الأخلاقية للمرجع الراحل

جماران: تزامناً مع حلول ذكرى رحيل المغفور له آية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قده) -وهو خالكم الكريم- نود الاستماع من سماحتكم إلى مقامه المعنوي والأخلاقي وسيرته العملية، لنعرج بعد ذلك على علاقته بالإمام الخميني الراحل ومدى تعلقه ببحوثه ودروسه الشريفة.

الأستاذ نورمفيدي: وأنا بدوري أتقدم بالشكر الجزيل لكم لتخصيصكم برامج لتكريم وإجلال الشخصيات العلمية والثورية الكبرى للبلاد والحوزة العلمية؛ فالإشادة بجهود هؤلاء الأعاظم وتكريمهم ليس تكريماً لأشخاصهم بمفردهم، بل هو إجلال للفضائل السامية ومقام العلم والأخلاق؛ وهو بلا شك جهد قيم ويستحق التقدير.

وفيما يتعلق بآية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قدس سره الشريف)، فقد كان متميزاً جداً ومحط اهتمام الأوساط العلمية نظراً لأصالته ونسبه العائلي العريق -لا سيما من جهة والدته الفاضلة-. وقد نشأ وتربى في محيط علمي وروحي يفيض بالحب الشديد والمطلق لأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، وارتبط برباط المصاهرة والقرابة العائلية مع كبرى بيوتات وعائلات قم الحوزوية التي شكلت أركاناً للحوزة العلمية.

لقد كانت جديته وسعيه الدؤوب في تحصيل العلوم الحوزوية منذ عهد طفولته وصغره محط ثناء وإعجاب الجميع، وحافظ على هذه الجدية والمواظبة حتى الرمق الأخير من عمره المبارك. وإذا أردت الإشارة إلى فضيلة أخلاقية بارزة امتاز بها -وقلما نجد لها نظيراً لدى الآخرين- فهي صميميته وتواضعه الفذ والمنقطع النظير في تعاطيه مع شتى فئات وشرائح المجتمع على اختلاف مستويات وعيهم وفهمهم المعرفي؛ إذ كان يستقبل الجميع بقلب مفتوح وبشاشة وصميمية فائقة تجعل كل زائر يشعر في قرارة نفسه بأنه الشخص الأقرب والأحب إلى قلبه.

لقد كانت هذه الميزة الأخلاقية نموذجاً يتجلى في تعاطيه مع الجميع؛ فالفلاح البسيط القادم من القرى النائية كان يشعر بمنتهى الراحة والصميمية عند لقائه، وكان الإمام اللنكراني يحدثه بأسلوب يناسب شواغله وتطلعاته المحدودة. وفي المقابل، كان المجتهد البارز وعالم الدين المرموق يستشعر هذه الصميمية ذاتها عند لقائه؛ وهو الشعور ذاته الذي يلامس الأكاديمي، أو التاجر، أو عامة الناس. وقد تعرفت شخصياً على الكثير من الأفراد الذين كانوا يعتقدون جازمين بأنهم الأكثر قرباً وصميمية معه مقارنة بالآخرين.

وهذه السجية هي في الحقيقة تجسيد للأخلاق النبوية الشريفة؛ فقد كان الرسول الخاتم (ص) يتعامل مع الناس بمنتهى الصميمية وبشاشة الوجه والود واللين وبلا كلفة وتصنع. وكان هذا الدفء العائلي يتجلى أيضاً داخل محيط الأسرة ومع صغار السن؛ فكان صميماً معهم جميعاً، وهو خلق قلما تجده مجتمعاً في شخص بمفرده.

وفي تقديري، كان آية الله اللنكراني مرجعاً تقليدياً شعبياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لأنه إلى جانب هذه الفضائل الأخلاقية البارزة، كان يحمل هموم المجتمع وآلام الناس في قلبه، ويتابع معالجتها في شتى الظروف؛ فكان يبذل قصارى جهده لحل المشاكل الفردية والشخصية للمواطنين، تزامناً مع متابعته الحثيثة للمشاكل العامة للبلاد ولمدينة قم المقدسة، وهو تعاطٍ فذ يجتذب قلوب الجماهير إليه. إن جاذبية ومكانة مراجع التقليد في قلوب الناس ترتكز على مقومات متعددة، ويأتي في طليعتها حسن الخلق والتواضع الجم في تعاملهم مع المواطنين. وكان سماحته ينتهز كل فرصة سانحة لحل هذه المشاكل والأزمات.

كما تميز سماحته بتعلق وولاء مطلق لا يوصف للعترة الطاهرة وأهل البيت (عليهم السلام)، مواظباً مواظبة شديدة على إقامة مجالس العزاء وإحياء ذكرهم؛ إذ لا تزال المجالس الفاطمية التي أسسها والده المغفور له تُعقد في بيته منذ قرابة ثمانين أو تسعين عاماً وحتى يومنا هذا. وكان غيوراً جداً في الدفاع عن حياض الولاية ومقام أهل البيت (ع)، ويسارع للرد الحاسم على الشبهات والتشكيكات المثارة في هذا الصدد؛ ويمثل كتاباه القيمان “حماة الوحي” و”الوجوه المشرقة” خير شاهد على هذه الغيرة والالتزام العقائدي الرصين.

والمعطى الآخر البالغ الأهمية في شخصيته هو “الخلوص والإخلاص”؛ فقد كان يعيش الإخلاص في سلوكه ومواقفه دفاعاً عن مدرسة أهل البيت (ع)، وعن الإمام الخميني والنهضة والثورة والنظام الإسلامي. وحين بادر لتأليف شرحه الاستدلالي على تحرير الوسيلة المعنون بـ «تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة»، لم تكن الثورة قد انتصرت بعد، ولم يكن يتوقع أحد أن يتبوأ الإمام الخميني هذا المقام القيادي العظيم في البلاد، بل كان تأليف هذا الكتاب محفوفاً بالمخاطر والمضايقات الشديدة من قِبل جهاز السافاك البهلوي لنظرتهم الحساسة تجاه اسم الإمام الخميني؛ ورغم ذلك شرع آية الله اللنكراني في هذا الجهد العلمي الكبير إبان فترة نفيه، ووفق طوال حياته الشريفة لتأليف 28 مجلداً ضخماً منه، ويعكف اليوم نجله العالم الفاضل آية الله الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني على إكمال بقية أجزاء هذا الشرح المبارك.

الريادة والبراعة البيانية في التدريس وإغاثة المحتاجين من الفضلاء

جماران: كيف كانت سيرة سماحته وسلوكه الأخلاقي داخل الحوزة العلمية تجاه الأساتذة، والفضلاء، وطلاب العلوم الدينية؟

الأستاذ نورمفيدي: كان سماحته يتابع شؤون الطلاب الدراسية، والأخلاقية، والمعيشية بيقظة وحرص شديدين، سواء بصفته أستاذاً مبرزاً في الحوزة أم بصفته ركناً أساسياً في مجلس إدارة الحوزة العلمية بقم (شورای مدیریت). ودرسه الحوزوي كان متميزاً ونافعاً جداً للطلاب، وكان يُعد بحق من المدرسين والأساتذة من الدرجة الأولى في تاريخ الحوزة. وقد حظيت بشرف حضور دروسه الفقهية والأصولية لسنوات طوال؛ وحين كان يلقي محاضراته الفقهية والأصولية، كان المستمع يستشعر بأن المسائل والمطالب طيعة ولينة بين يديه كالشمع؛ لشدة إحاطته وتضلعه العلمي وسلاسة بيانه وعذوبته.

جماران: كم عاماً حضرتم دروس سماحته؟

الأستاذ نورمفيدي: حضرت دروسه الأصولية لما يقرب من عشر سنوات، ودروسه الفقهية في عدة أبواب وكتب فقهية لقرابة سبع أو ثماني سنوات. وكان متفرداً وممتازاً جداً في بيانه العلمي، وأنا أعده قليل النظير في جودة الإلقاء والبيان؛ إذ كان يعرض المطالب العلمية العميقة بأسلوب منسجم، ومنظم، وعميق، وخالٍ تماماً من التعقيد اللفظي والبياني. وكما عبر أحد الأفاضل واصفاً بيان سماحته: “إن المرحوم الفاضل اللنكراني يوضح مطالب كتاب الكفاية ويبينها بأسلوب يفوق بيان صاحب الكفاية (الآخوند الخراساني) نفسه، ويبدد الغموض والإبهام الكامن في عبارات الكفاية بأسلوب علمي مبسط”. وكان وروده وخروجه من المباحث والمطالب الفقهية والأصولية غاية في الانسجام والترتيب العقلاني؛ مما يبرهن على أن المسائل كانت واضحة ومنقحة بالكامل في ذهنه الشريف؛ لكون العجز عن الإيضاح ينبع أحياناً من عدم جلاء المسألة ووضوحها لدى المتكلم نفسه، وهو ما تخلص منه سماحته بفضل عمقه العلمي الفذ.

وإلى جانب هذا التميز العلمي، كان يحمل هماً كبيراً تجاه المعيشة والظروف الحياتية للأساتذة والطلاب؛ وأنا أعلم الكثير من الحالات التي بادر بنفسه لتقديم مساعدات جمة لحل مشكلات الطلاب وصعابهم المالية. وفي سنوات مطلع الثورة تزامناً مع هيمنة الأجواء والمشاعر الانفعالية، واجه بعض كبار الأساتذة والشخصيات المعمرة في الحوزة نوعاً من الإهمال والغفلة المعيشية؛ فما كان من سماحته إلا أن يستعين بشخص الإمام الخميني للحصول على مساعدات مالية خاصة وتوصيلها لهؤلاء العلماء الأجلاء صيانةً لكرامتهم وتثميناً لجهودهم وتدريسهم الطويل في الحوزة، دون أن يعلم بهذا الأمر أحد؛ بل كان ما يهمه هو حفظ مكانة أستاذ الحوزة وصيانة كرامته.

الرعاية الأبوية لطلاب العلوم وتشجيع مسيرة التبليغ والتدريس

جماران: هل كان سماحته يحثكم ويشجعكم شخصياً على الولوج والدراسة في الحوزة العلمية؟

الأستاذ نورمفيدي: نعم، وأنا هنا من باب أداء التكليف والاعتراف بالجميل وشكر النعمة، أؤكد صراحة أن تشجيعاته وتوجيهاته القيمة -سواء قبيل دخولي الحوزة أم طوال سنوات تحصيلي العلمي- كانت بالغة الأثر والبناء والفاعلية في مسيرتي العلمية. وحين وفدت إلى قم واستقررت في مدرسة “الخان” العلمية، كان سماحته يتابع باستمرار ودقة بالغة أوضاعي الدراسية والعلمية، ويرشدني برعاية دافئة وأبوية مخلصة؛ وكأن قلبه كان يمتلئ بالسرور والبهجة حين يشاهد طالباً يجتهد ويسعى للرقي العلمي والأخلاقي في هذا الكسوة الشريفة.

وفي مضمار التدريس والتعليم الحوزوي أيضاً، حثني سماحته منذ العام الأول لدراستي على البدء بالتدريس؛ وأذكر جيداً أنني بدأت تدريس كتاب “جامع المقدمات” تزامناً مع دراستي له في العام الأول لطلبي العلم، وكان آية الله الفاضل اللنكراني هو المشجع والداعم الأساس لي في افتتاح هذا المسار التعليمي وتعميقه طوال السنوات اللاحقة؛ فكان يرشدني أحياناً في اختيار المواد والكتب الدراسية وكيفية إلقاء المحاضرات وتوزيع الدروس. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاهتمام والرعاية الأبوية كانت تصدر منه بالرغم من كثرة أعبائه ومسؤولياته الجسام في مطلع الثورة، وتعدد مهامه ومشاغله داخل الحوزة وخارجها؛ فكان بحق مرياً ومرشداً دؤوباً لطلاب العلوم الدينية، وبذل جهوداً باهرة لتربيتهم وصياغتهم علمياً وأخلاقياً ليكون درسه مجسداً لصياغة المجتهدين، مستنداً ومستفيداً من دروس ومباني أستاذيه الكبيرين الإمام الخميني وآية الله البروجردي.

صيانة استقلال الحوزة وأثره في تعزيز دعم الثورة والدولة

جماران: ما هي رؤيته وتطلعاته حيال القضايا والمباحث العامة المرتبطة بمستقبل الحوزة العلمية؟

الأستاذ نورمفيدي: كان سماحته يحمل دغدغات ومخاوف بالغة الأهمية حيال القضايا الكبرى للحوزة العلمية ومستقبلها، وكانت لديه استشرافات وتنبؤات للمسائل قبل حدوثها؛ مما يثبت شامتّه وقراءته العميقة وذكاءه الفذ؛ إذ كان يستبين الأمور في الخشت الخام قبل أن يراها الآخرون في المرآة الخاتمة؛ ولي في هذا الصدد نماذج وشواهد كثيرة يضيق المجال عن ذكرها بالتفصيل.

لقد بذل جهوداً جبارة لتنظيم هيكلية الحوزة وإرساء النظم في شؤونها ومناهجها منذ مطلع الثورة الإسلامية، فكان ركناً أساسياً ومحورياً في تأسيس مجلس إدارة الحوزة العلمية بقم (شورای مدیریت)، وأدار شؤون الحوزة رفقة آية الله المحقق الداماد وحشد قليل من الأفاضل في أقسى الظروف.

والنقطة البالغة الأهمية التي تجب الإشارة إليها هي أنه بالرغم من كونه من المدافعين الصلبين والأوفياء للثورة والنظام الإسلامي وقائده المعظم على الدوام، إلا أنه كان يؤمن إيماناً حازماً بوجوب “حفظ صيانة واستقلال الحوزة العلمية”؛ ويرى أن الحوزة المستقلة القوية قادرة على تقديم دعم ومساندة أكثر فاعلية ونفعاً للنظام والثورة. ولا أزال أذكر كلمته العميقة التي كان يرددها: “إن الباري جل وعلا لم يقسم يميناً بحفظ وصيانة هذه الثورة تحت أي ظرف كان؛ بل إن بقاءها واستمرارها منوط بنوع سلوكنا وممارساتنا، ومدى صحة أعمالنا وتلاحمنا وعلاجنا لنقاط ضعفنا وثغراتنا”.

تفقد أحوال الناس ورصد الصعاب المعيشية

جماران: فيما يتعلق باهتمامه البالغ بشؤون المواطنين ومعيشتهم وإدارة المجتمع، نرجو تسليط الضوء على هذه الروحية الإنسانية لديه.

الأستاذ نورمفيدي: كان سماحته يواجه المسؤولين في الدولة -سواء في اللقاءات والمجالس الخاصة أم العامة- بتوجيهات ونصائح وتنبيهات حازمة، وكان يعيش حالة من الغضب والاضطراب حيال وقوع بعض الحوادث؛ فمثلاً إبان وقوع حادثة طيران مفجعة راح ضحيتها حشد من الأبرياء، أبدى غضباً عارماً حيال تقصير وإهمال بعض المسؤولين لعدم اتخاذهم الإجراءات والتدابير الوقائية الكفيلة بتجنب وقوع هذه الكوارث، وكان يخاطب بعضهم في الجلسات الخاصة بعتاب حاد صيانة لمصالح الناس.

وفي الشأن المعيشي للمواطنين، ونظراً لارتباطه الوثيق بشتى فئات المجتمع ووقوفه على تفاصيل معيشة الطبقات البسيطة والفقيرة، كان يوجه رسائل وتنبيهات عاجلة وحازمة للمسؤولين -سواء عبر المراسلات المباشرة أم عبر إرسال الوفود- معرباً عن قلقه البالغ ومطالباً بتخفيف الأعباء عن المواطنين. وكان يؤمن إيماناً جازماً بوجوب “رؤية وحضور الجماهير” في كافة الساحات وصيانة كرامتهم؛ ويرى أن ارتكاب أي ممارسة تؤدي لإحباط الناس ودحر أملهم وتفريقهم عن الثورة والنظام يمثل ذنباً وإثماً لا يغتفر شرعاً. وكان يؤكد على تفعيل وتعزيز حضور الجماهير في شتى الساحات -الانتخابية، والثقافية، والاقتصادية- لتتفتق الاستعدادات والكفاءات الشعبية وتخف الأعباء والمسؤوليات عن كاهل الدولة والحكومة.

التعلق المعنوي بالإمام الخميني وأبعاده الفقهية والعملية

جماران: تفضلوا ببيان مدى حبه وتعلقه بالإمام الخميني الراحل ومقامه المعلم.

الأستاذ نورمفيدي: نعم، لقد ارتبط سماحته بعلاقة زمالة ودراسة وثيقة جداً منذ عهد صباه مع نجل الإمام الراحل الشهيد السيد مصطفى الخميني (قده)، ومن هنا نشأت صلة قريبة وعميقة بينه وبين بيت الإمام وشخصه الشريف. وتعاظمت هذه الصلة لاحقاً حين تلمذ على يد الإمام في دروس الخارج الفقهية والأصولية، فبرز سماحته كأبرز المقررين والطلاب الأذكياء الذين يعتمد عليهم الإمام؛ وعمقت مواكبته للإمام منذ فجر انطلاق النهضة الإسلامية المباركة هذا الارتباط الروحي والعلمي الفذ.

وتحول هذا الارتباط لاحقاً إلى علاقة مريد ومراد حقيقية وعميقة جداً؛ فكان معتقداً بالكامل بالعمق والمقام العلمي الشامخ للإمام الخميني، ويردد دائماً بأسف: “إن الإمام الخميني قد ظُلم علمياً ولم ينل حقه ومكانته العلمية المستحقة في الحوزة”. وحين كان يقارن بين الإمام وبين بعض مراجع عصره الأفاضل، كان يقول صراحة وبلا أدنى تحيز فئوي: “إن الإمام الخميني من الناحية العلمية -سواء في عمق نظرياته وآرائه، أم في شمولية فكره، أم في إبداعه الفقهي والأصولي وابتكاره التجديدي- لا يمكن مقارنته بالآخرين مطلقاً؛ لكونه متميزاً وفريداً”.

وكانت شخصية الإمام الخميني تملك جاذبية ملكوتية بالغة في روحه لا تفي بتأصيلها الكلمات والألفاظ. وبادر سماحته بكل شجاعة للدفاع عن الإمام ونهجه المبارك قبل الثورة وبعدها، وكان يضطرب لغضبه وتصيبه حالة من الألم حيال توجيه أي إساءة أو هجمة لمقام الإمام الشامخ؛ واصفاً الإمام الخميني بأنه “محيي الإسلام ومذهب التشيع في القرن العشرين”، مؤكداً أنه لولا نهوض الإمام وثورته المباركة لبات مصير المعارف الإسلامية في خبر تفرقة وضياع.

وأذكر تماماً يوم رحيل الإمام الخميني؛ ففي مطلع فجر ذلك اليوم الأسيف وحين تأكد نبأ وفاته قبل إعلان الراديو الرسمي له، كنا نستقل سيارة متوجهين إلى طهران مع سماحته وكان برفقتنا نجله آية الله الشيخ جواد الفاضل اللنكراني؛ فكنا نلوذ بالمقاعد الخلفية للسيارة وكان سماحته يعيش حزناً وألماً بليغاً وصامتاً؛ غير أنه بمجرد أن صدح الراديو في تمام الساعة السابعة صباحاً معلناً نبأ الوفاة الكارثية للإمام الراحل، خلع سماحته عمامته الشريفة وبدأ يضرب وجهه ورأسه منتحباً ومنهمراً بالبكاء اللاإرادي؛ في مشهد يعكس بصدق عمق عشقه وولائه المطلق لمراده ومعلمه الكبير الإمام الخميني.

وكان سماحته معتقداً بالمنزلة الفقهية الفريدة للإمام ويؤكد على وجوب تعريف جيل الطلاب المعاصر بآثار الإمام ومبانيه الفقهية التجديدية؛ وبناءً على هذا الأساس كان أول أستاذ ومدرس في الحوزة العلمية يبادر لتدريس بحوث الفقه الاستدلالي بناءً على كتاب “تحرير الوسيلة” للإمام الخميني، لتتحول خطوته هذه لاحقاً إلى سنة ومسار اتبعه بقية أساتذة ومدرسي دروس الخارج في الحوزة، وتكرر هذا الدعم الفكري في حقل مباحث علم الأصول أيضاً. وصحيح أن للإمام الخميني تلامذة كبار كثر وكلهم يمثلون مفاخر وأركاناً علمية أسهموا بأساليب متعددة في ترويج فكر الإمام، غير أن آية الله الفاضل اللنكراني كان يمثل وزناً وثقلاً علمياً وجغرافياً كبيراً في الحوزة ثبت ورسخ الشخصية والمكانة العلمية الفذة للإمام الراحل ووجه عقول الطلاب لدراسة آرائه الفقهية والتزامها.

صيانة مكانة بيت الإمام الخميني الراحل

جماران: كيف كانت طبيعة علاقته ببيت الإمام الخميني الراحل بعد وفاته؟

الأستاذ نورمفيدي: التزم سماحته بمنتهى الأدب، والاحترام، والمحبة العميقة والصميمية تجاه بيت الإمام بعد وفاته؛ وكنت أشاهد عياناً تعاطيه المفعم بالمودة والتقدير مع المغفور له السيد أحمد الخميني (قده)، وتكررت هذه الرعاية والمحبة الصادقة تجاه نجله آية الله السيد حسن الخميني؛ فكان يحمل لبيت الإمام احتراماً وتكريماً خاصاً ويحث الآخرين دائماً على وجوب حفظ كرامة هذا البيت وصيانته ورعايته، منطلقاً من مبانٍ دينية وأخلاقية أصيلة.

ضرورة بسط وتأصيل النظريات الفقهية والعقدية للإمام الخميني

جماران: نشكركم جزيلاً على هذا الحديث الشامل والقيم. تفضلوا بكلمتكم الختامية في هذا الحوار.

الأستاذ نورمفيدي: في الختام، أود التأكيد على أنه يتحتم على الحوزة العلمية -أساتذة، وفضلاء، وطلاباً- تركيز اهتمامهم ودراساتهم المعمقة على الأفكار والآراء والمنظومة العلمية للإمام الخميني الراحل. إن بعض آراء ونظريات الإمام لا تُمثّل مجرد وجهة نظر أو فتوى فقهية معزولة داخل الأروقة العلمية؛ بل هي بمثابة مفاتيح ومسارات كفيلة بحل وحسم الانسدادات المعاصرة التي تواجه مسيرة حياة البشر في العصر الراهن.

بمعنى أننا إذا أردنا صيانة الحوزة العلمية وعلمائها وضمان ريادتهم وبقائهم وتأثيرهم في العالم المعاصر وقبولهم لدى الأجيال الجديدة، فبلا شك يتحقق هذا الخيار بالتمسك بآراء الإمام الخميني التجديدية وتفعيلها؛ فعلى سبيل المثال، نظرية “تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد” ليست بالمسألة الهامشية أو البسیطة، ولم تُدرس أبعادها وزواياها بالدقة العلمية المطلوبة حتى الآن. وقد يفسرها البعض خطأً وتسطيحاً بالقول: “إن موضوع الحكم إذا تبدل، يتغير الحكم بطبيعة الحال”، وهو تفسير بسيط طُرح قديماً من قبل العديد من الفقهاء قبل عهد الإمام؛ وثمة تفسيرات أخرى ابتعدت كثيراً عن غاية الإمام ورؤيته التجديدية العميقة؛ بينما لو حظيت هذه النظرية بالدراسة العلمية الموسعة في كُتب ورسائل ودروس الحوزة العلمية المعاصرة، لتبوأ الفقه الشيعي مكانة ممتازة وريادية على مستوى العالم في معالجة القضايا المعاصرة؛ ولكن هذا الملف يتطلب عملاً علمياً دؤوباً ونقاشاً مستمراً.

ونظير هذا التميز ينطبق على نظريته الشامخة في “الخطابات القانونية”، وآرائه العرفانية والأخلاقية العميقة -سواء في حقل العرفان العملي أم العرفان النظري- والتي تملك جاذبية بالغة وقدرة فائقة على جذب عقول وقلوب جيل الشباب المعاصر لصدقها وعمقها. ومما يؤسف له حقاً، أننا نرى في الآونة الأخيرة تراكم غبار الغفلة ووقوع بعض الجور والظلم على هذه الشخصية الفذة مما يعتصر القلب غماً وحزناً.

آمل أن تُدرس هذه الآراء والأفكار والنظريات بدراسة بنيوية وتأسيسية تليق بمرتبتها العلمية الشامخة، لتُعرّف الشخصية الفريدة للإمام الخميني على وجهها الصحيح والصائب للأجيال المتعاقبة.