لا خيار أمامنا سوى التلاحم والوحدة الوطنية
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع وكالة “جماران”: لا خيار أمامنا سوى التلاحم والوحدة الوطنية
يتعين على القوى والمشارب الفكرية المختلفة الاعتراف ببعضها البعض، وفتح باب الحوار، واختيار المسارات الأكثر نفعاً للمواطنين والمنسجمة مع قيمهم الدينية والثقافية.إقصاء الطاقات والاستبعاد السياسي يعطل مسيرة إعمار البلاد وحل مشكلاتها المعيشية؛ والثقة الحقيقية تُبنى بالسلوك والممارسات الميدانية لا بالشعارات.
أكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم، في حوار خاص مع مراسل وكالة أنباء “جماران”، الأهمية البالغة والمصيرية لترسيخ ركائز “الوحدة والاتحاد الوطني” تلبيةً للتوجيهات الحكيمة والبيانات البليغة الصادرة مؤخراً عن سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم، مبيناً أن التلاحم والتعايش البناء يمثل ضرورة حتمية لا بديل عنها لعلاج المشاكل المعيشية والاقتصادية وصيانة منعة واقتدار البلاد بوجه تحالف الأعداء والمتربصين بالوطن.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الأسس الفلسفية والقرآنية لمبدأ الوحدة في الإسلام
جماران: من القضايا التي ركز عليها سماحة القائد في خطاباته الأخيرة، مسألة “الوحدة الوطنية”، مستخدماً مضامين وتعبيرات بليغة في هذا الصدد. نود الاستماع إلى وجهة نظر سماحتكم حول الوحدة الوطنية، والوقوف على المرتكزات والأسس التي تبنى عليها هذه الوحدة.
الأستاذ نورمفيدي: إذا أردنا الوقوف بدقة على شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأملنا في سلوكه وسيرته الشريفة، فسنجد بلا شك أن التلاحم، والتعاطف، والتعاون لتقوية بنية المجتمع، وتفتيت مؤامرات الأعداء وإحباطها، يمثل واحداً من أسمى تجليات سلوكه وأبرز معالم تعاليمه وتوجيهاته المباركة.
إن القضية التي تفضلتم بطرحها ترتبط برباط وثيق بذكرى البعثة النبوية الشريفة؛ فقضية الاتحاد والتلاحم لا تقتصر أهميتها على نظام التشريع فحسب، بل تمثل ركيزة أساسية في نظام التكوين أيضاً. وقد بادر ثلة من كبار علماء الإسلام بعقد مقارنة علمية بين نظامي التشريع والتكوين لاستلهام بعض القواعد والمعارف؛ ومنها مسألة الانسجام والتعاون والتحرك المشترك الحاكم على أجزاء هذا الكون الفسيح، وبدونه لاختل نظام العالم وتفتت وجوده.
وبناءً على هذا، فإن شالودة نظام التكوين وبنيانه يرتكز على حركة أجزاء الكون سوياً نحو غاية وهدف محدد. وفي نظام التشريع أيضاً، وفي كافة الرسالات والشرائع السماوية والصحف الإلهية ووصايا الأنبياء والرسل، بقيت مسألة الوحدة عنصراً ثابتاً غير قابل للتغيير أو التبدل. وفي الشريعة الإسلامية، تضرب جذور الوحدة في صلب القرآن الكريم؛ وحين نقول إن جذور الوحدة تكمن في القرآن، فمعنى ذلك أنها تمثل حكماً ثابتاً واستراتيجية دائمة لا تكتيكاً آنياً أو مصلحة عابرة.
وقد حفلت الأحاديث والروايات الواردة عن النبي الأكرم والأئمة المعصومين (عليهم السلام) بالحث الأكيد على الوحدة، وتبيين الآثار الوخيمة للتشتت، والفرقة، والتناحر، ومن أبرزها: الضعف، والفشل، وانهيار الكيان الاجتماعي للأمة.
وهذا أمر يدركه العقل البشري بداهة؛ بل يمكننا القول إن الحث على الوحدة يندرج تحت باب الإرشاد لحكم العقل؛ لكون العقل والفطرة يقرانه صراحة. وحين تبلغ قضية هذا المستوى من الأهمية والمحورية، فلا يسوغ لاتباع ذلك النبي العظيم والسالكين في نهجه إهمالها وبخسها حقها، ومن يعمل بخلافها فإنه يبتعد يقيناً عن تدينه واتباعه للرسول الأكرم؛ فالوحدة ركن من أركان التدين وقوام المجتمع.
وإذا ما غضضنا الطرف عن تاريخ صدر الإسلام، وتأملنا في العقود الأخيرة، سنجد أن انتصار الثورة الإسلامية وثمار جهود الإمام الراحل والجماهير لم يتحقق إلا بالارتكاز على ركيزة “الوحدة”؛ وبدونها لم يكن لينجز هذا النصر التاريخي. فقد مثل الإمام، والشعب، والوحدة الأركان الثلاثة الكبرى لانتصار الثورة. وتكرر هذا التلاحم في السنوات الأولى لتأسيس النظام وفي مرحلة الدفاع المقدس؛ فكلما قويت الوحدة وتماسك الصف، تحققت منجزات ونجاحات باهرة، وكلما حل التشتت والتناحر والتخاصم بدلاً منها، لحقت بنا الهزائم والنواقص.
وطوال العقود الماضية، مررنا بمنعطفات ومراحل بالغة الحساسية تطلع فيها الأعداء لنيل مآربهم الخبيثة من بلدنا، غير أن تماسك الشعب ووحدته بددت مؤامراتهم وأحبطت مخططاتهم على الدوام. فالوحدة ليست حاجة راهنة فحسب، بل هي حاجة مستمرة للبشرية، والمجتمعات، والأديان، والإسلام في كافة العصور والعهود، وهو أمر في غاية الوضوح.
ومن جهة أخرى، يتطلب تبلور الوحدة توفر مقدمات وأرضيات يرتكز جزء منها على الجانب المعرفي والنظري (المعرفة العميقة)، ويرتكز الجزء الآخر على الجانب العملي والتطبيقي؛ وعليه يتحتم الالتفات للوحدة في كلا البعدين النظري والعملي.
والتأكيد المستمر لسماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم على الوحدة لا ينحصر في هذه البرهة الراهنة فحسب؛ بل لطالما كان سماحته يحث على تماسك الأمة الإسلامية وتلاحمها بوجه الأعداء الظاهرين والمستترين، ومواجهة دعاة التحجر والتكفير، وحقيقةً قد تحققت خطوات جليلة وإنجازات باهظة القيمة في حقل تقريب المذاهب وتماسك الأمة الإسلامية.
والوحدة لا تعني أبداً صهر المعتقدات أو تخلي المذاهب عن معتقداتها وركائزها الفقهية؛ ولم يكن مقصود المصلحين يوماً أن يتحول الشيعي سنياً أو السني شيعياً. بل إن جوهر الوحدة يكمن في أن تعترف المذاهب ببعضها البعض، وتحدد المشتركات الكبرى فيما بينها لتعمل على تقويتها وتعزيزها، تزامناً مع حصر الخلافات في الأروقة والمباحث العلمية التخصصية التي لا تفسد للود قضية ولا تعيق مسار التعايش.
لقد واظب سماحة القائد طوال سنوات قيادته على صيانة هذا المبدأ، وصان البلاد بفضل توجيهاته من الكثير من العقبات والفتن.
تجليات الوحدة الوطنية داخل الجغرافيا الإيرانية وحفظ المشتركات
جماران: من منظور سماحتكم، كيف يجب أن تتجلى “الوحدة الوطنية” داخل الحدود الجغرافية لإيران؟
الأستاذ نورمفيدي: يمثل التلاحم والاتحاد الوطني داخل البلاد مصداقاً جلياً للوحدة التي أشرت إليها؛ لكون الوحدة تنطوي على تجليات وصور متعددة. فبدءاً من الأسرة بوصفها أصغر لبنة اجتماعية وصولاً إلى الكيانات الكبرى كالمجتمع الإيراني، أو العراقي، أو الأمة الإسلامية قاطبة؛ لا يمكن إحراز أي نجاح أو رفعة بغير الوحدة. ففي الأسرة التي يسودها النزاع والخلاف المستمر، تتبدد طاقاتها وتضيع رساميلها وتُهدر كفاءاتها واستعداداتها بغير طائل، فلا يبلغ أفرادها ولا كيانها الأسري أي أفق مشرق أو قمة سامية.
وعلى المستوى الوطني، فإن الاتحاد الوطني يتطلب تشخيص وتثبيت المشتركات الجامعة لأبناء الشعب الإيراني كافة؛ ومنها على سبيل المثال: الوطن، الإسلام، الدفاع عن تمامية وسيادة الأراضي والتراب الوطني، الرشد والتقدم، قطع أيدي الأجانب وصد تغلغلهم في شؤوننا، وصيانة الاستقلال والسيادة؛ فهذه كلها مصاديق بارزة للمشتركات الوطنية.
إن نظام الجمهورية الإسلامية الحاصل على ثقة وتصويت غالبية الشعب يمثل بلا شك واحداً من أبرز ركائز ومكونات الاتحاد الوطني؛ لكون هذه الثورة قد انبثقت من وجدان وإرادة الجماهير. وصحيح أن الأداء التنفيذي للدولة والحكومة قد تعتريه بعض الإشكالات والنواقص التي تجب معالجتها ونقدها، غير أن أصل الاتحاد والتلاحم يجب صيانته في القضايا البنيوية. والأهم من ذلك كله هو معرفة الغاية والمنتهى الذي نسير نحوه، والعمل على تجديد وتعبئة كافة الطاقات والكفاءات والجهود لتحقيق هذه الغايات بالرغم من وجود اختلافات في وجهات النظر والتوجهات والأذواق.
ولا أظن أن داعياً للوحدة يرتجي صهر عقول الناس ليفكر الجميع بأسلوب واحد ونمط متطابق؛ فهذا أمر محال تكويناً وعقلاً، ولا يمكن تحقيقه حتى داخل الأسرة الصغيرة الواحدة. بل إن المهم يكمن في وجود معيار وقانون يحكم سلوك الأفراد وتفاعلاتهم البينية؛ فإذا برز اختلاف في وجهات النظر، يُعالج عبر الحوار الصادق الودي والتعاطي الأخلاقي، ليكون القانون هو الحكم والمحك الحاسم لتنظيم السلوكيات.
ومن هنا، تبرز الخطوة الأولى في معرفة وإدراك مكونات وركائز الوحدة الوطنية، وتبرز الخطوة الثانية في الاعتراف المتبادل وقبول التنوع وتعدد الآراء والأفكار، وتجنب أساليب الإساءة والاهانة والتسقيط والتكفير.
وحين نقول “الاعتراف المتبادل”، فإننا نقصد بذلك احترام الرأي الآخر للشخص الذي يفكر بأسلوب مغاير لأسلوبنا. وبطبيعة الحال، أنا هنا أعزل وأستثني أولئك الذين انقطعت صلتهم ورباطهم بالإسلام وتراب هذا الوطن وأهدافه؛ فمن يرفع شعاراً يرتضي تقسيم البلاد وتجزئتها، فهذا لا حوار معه وصفه معزول عن صف الشعب الأبي. أو من يعتقد -لا قدر الله- أن الإسلام يمثل عقبة أمام تقدم البلاد ورقيها، فهذا صفه معزول عن الشعب. لأن الغالبية الساحقة من أبناء هذا الشعب هم مسلمون ملتزمون، يعشقون أهل البيت (عليهم السلام)، ويؤمنون بتمامية الأراضي وصيانتها، ويحترقون شوقاً وحرصاً على مستقبل بلدهم الحبيب.
فعلى القوى والمشارب المختلفة الاعتراف ببعضها البعض، وفتح باب الحوار البناء، واختيار المسارات الأكثر نفعاً للمواطنين والمنسجمة مع قيمهم الدينية والوطنية والثقافية؛ فالحقيقة والواقع يفرضان علينا ألا خيار أمامنا سوى التلاحم والوحدة الوطنية. وإن الاتحاد الوطني في هذه الظروف المعاصرة يمثل ضرورة حتمية لا بديل عنها، وإذا واجه هذا الملف -لا سمح الله- التقصير والإهمال، فإننا نخشى وقوع مشاكل وأزمات للبلاد تلومنا عليها الأجيال القادمة.
مخاطر عقلية الإقصاء وحتمية الاستعانة بكافة الكفاءات
جماران: من منظور سماحتكم، ما هي التداعيات السلبية المترتبة على زعزعة الثقة وإثارة الخلافات والشقاق بين التيارات والقوى السياسية على أمل ومستقبل إيران؟
الأستاذ نورمفيدي: لقد أشار سماحة القائد في توجيهاته القيمة إلى أن الاختلاف في وجهات النظر، والمباحثة، والمناظرة العلمية والسياسية في القضايا المختلفة هو أمر حسن ومطلوب جداً ويسهم في النمو والازدهار. فالتقدم العلمي والرقي الفكري في شتى الفروع المعرفية هو نتاج للمناظرات، والمباحثات، والنقد البناء. ومن رحم النقد ومواطن الإشكال تولد الأفكار والنظريات التجديدية دوماً؛ ولو خلا العالم من النقد العلمي لظل البشر يراوحون في مراحل العلم البدائية الأولى. وهذا المبدأ ينسحب بالكامل على شؤون التخطيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وكافة الملفات المرتبطة بمعيشة المواطنين وقوتهم.
وبناءً على هذا، فإن تأكيد سماحة قائد الثورة الإسلامية على أهمية المباحثة والمناظرة ينطلق من تجارب تاريخية عظمى ومستظهر بإدراك العقل البشري وقوانينه.
وإذا جرى الحوار والمناظرة في مناخ تسوده الأخلاق، والصميمية، والود والموضوعية، فإنه سيثمر نتائج باهرة للبلاد. ولكن إذا انزلقت الأمور نحو التخاصم، والتناحر، وادعاء احتكار الحقيقة والقول بإننا نمثل الحق المطلق والآخرون يمثلون الباطل المحض؛ أو توهم البعض واهماً أن بإمكانه قيادة البلاد وإدارة شؤوننا عبر سياسة الإقصاء والاستبعاد للآخرين، فإن هذا مسار خاطئ بالكامل ومحكوم بالفشل.
وممّا لا شك فيه أننا نعاني من نقاط ضعف ومشاكل وصعاب، وثمة جروح وندوب واضحة في جسد مجتمعنا لا يمكن كتمانها وتقتضي العلاج الحاسم والتقويم. وبالمقابل، بادر أعداء الأمة لتسخير كافة طاقاتهم وإمكاناتهم لمواجهة الشعب والنظام الإسلامي؛ وهذا أمر واقع وواضح. وصحيح أن قدرات وإمكانات الدولة اليوم تضاعفت وتعاظمت بمراتب كثيرة مقارنة بمطلع الثورة مما أثار هلع وخوف الأعداء، غير أننا نواجه جروحاً ونقاط ضعف عميقة، وهذه المعضلات لا يمكن علاجها والعبور منها بغير التعاون والتكاتف والتكامل والتعاطف والاستفادة من الطاقات الوطنية الكفاءات كافة.
إن الظروف الراهنة تقتضي تجنيد وحشد كافة الكفاءات والطاقات والتوجهات في مسار واحد للوصول ببلادنا إلى قمم الرقي والتكامل المعنوي والمادي. وفي هذه الظروف الاستثنائية، يعد توهم شخص أو فئة أو فصيل سياسي بأنه يملك بمفرده القدرة على تحقيق هذا الهدف وإقصاء الآخرين، فكراً طفولياً وضيق أفق يستحيل تطبيقه على أرض الواقع؛ فقد يتمكن من تمشية الشؤون لبضعة أيام، ولكنه سيبوء بالفشل والخيبة على المدى البعيد.
لذا يتعين علينا القبول والاعتراف بأن الأفكار والرؤى المختلفة قادرة على تقديم حلول وصياغات علمية وعملية لعلاج المشاكل؛ مما يفرض احترام وتثمين وجهات النظر المغايرة وتهيئة الأرضية لمشاركة كافة الكفاءات والطاقات الوطنية. وتجدر الإشارة إلى أن كسب ثقة الجمهور لا يتحقق بالشعارات والكلمات الجوفاء، بل يبنى عملياً من خلال الممارسات والسلوك على أرض الواقع. وإذا تخلصنا من عقلية الإقصاء والإلغاء للآخر، وآثرنا الصدق والصميمية والمودة، وعملنا على الاستفادة من كافة الآراء والدراسات المخلصة وعقول أبناء الوطن لحل المعضلات، فلن يقوى أي عدو على إلحاق الأذى ببلدنا الحبيب.