بيان الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي حول مفهوم “الإنصاف
بيان الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي خلال درس الخارج تعليقاً على القضايا المثارة مؤخراً في الفضاء المجازي (شبكات التواصل)
ن أعظم السير جوراً أن يطالب المرء الناس بالإنصاف ولا يعاملهم به؛ والتحيز الفئوي والأهواء يجب ألا تخرجنا عن جادة الإنصاف.
رُوي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:«ثَلَاثٌ لَا تُطِيقُهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ: الْمُوَاسَاةُ لِلْأَخِ فِي مَالِهِ، وَإِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ، وَذِكْرُ اللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
يخاطب النبي (ص) أمته بهذه الكلمات الواضحة؛ متى قال هذا الكلام؟ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام. يضع النبي يده الشريفة على ثلاث نقاط ضعف أساسية تعاني منها أمته ويصعب عليها تحملها والالتزام بها. وعندما يتأمل الإنسان في هذه الكلمات، يشعر وكأن النبي (ص) قد صاغها لواقعنا المعاصر اليوم بالذات؛ لأن بعض هذه المعضلات والمشاكل البشرية ليست وليدة هذا العصر بل تمتد طوال القرون والأعصار.
الأولى: «الْمُوَاسَاةُ لِلْأَخِ فِي مَالِهِ»؛ أي إشراك الأخ الديني في مال المرء ومواساته به. والفرق بين “المواساة” و”الإحسان” يكمن في أن الإحسان يعني تقديم الخير والنفع للآخرين، بينما المواساة تعني إشراك الآخرين في مالك الخاص وجعلهم شركاء لك فيه. وصحيح أننا لا نعاني اليوم من مشكلة حقيقية في حقل الإحسان في الجملة (وإن لم يكن الجميع على السواء فيه)؛ إذ يغلب على مجتمعنا حب البر والخير ومساعدة المحتاجين. ولكن المواساة تمثل مرتبة أسمى بكثير؛ وهي إشراك الآخرين في أموالك، بغض النظر عن حجم هذا المال ومقداره، بل يشرك أخاه فيما يملك؛ وبديهي أن هذا السلوك يمثل أرقى المراحل الأخلاقية في المجتمع؛ وهو الأمر الذي سيتحقق بالكامل في عصر ظهور القائم (عج) وفي ظل المجتمع المهدوي المبارك.
والثانية: «إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ»؛ أي أن يتعامل المرء مع الناس بالإنصاف والعدل من نفسه.
والثالثة: «ذِكْرُ اللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»؛ فالذكر الدائم لله عز وجل لا يثبت في القلوب بسهولة؛ نظراً لكثرة المغريات وأسباب الغفلة والنسيان المحيطة بالبشر.
إن الناس جميعاً يواجهون هذه التحديات؛ فالإنصاف قليل أو منعدم، والمواساة شحيحة، ولهذا يوضح النبي (ص) أن أمته تواجه مشكلة حقيقية في هذه الخصال الثلاث ويصعب عليها التزامها.
حقيقة الإنصاف وتمايزه عن التعصب والحزبية
وأود التركيز والحديث أكثر هنا حول مسألة “الإنصاف”. والواقع أننا في علاقاتنا الفردية، والعائلية، وفي بيئات عملنا، وفي مختلف تفاعلاتنا الاجتماعية، قد ابتعدنا كثيراً عن هذا المبدأ الإسلامي الأصيل الذي شكل ركيزة الأخلاق الاجتماعية للنبي (ص) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام). إن الإنصاف مبنى لا يعرف التمييز بين الصديق والعدو؛ ويتعين علينا التعامل بإنصاف مع كل إنسان مهما كانت جنسيته أو عقيدته أو مذهبه.
والإنصاف يختلف عن “العدالة”، بالرغم من الارتباط الوثيق والعميق بينهما؛ فنقيض العدالة هو “الظلم”، بينما نقيض الإنصاف هو “العصبية والتعصب”. والتعصب يعني أن يغض الإنسان الطرف عن الحقائق ويدبر عنها منطلقاً من تبعيته الفكرية، أو الحزبية، أو ارتباطاته العاطفية؛ أي أن يتكلم، ويتخذ المواقف، ويتصرف بناءً على التعصب والانتماء الفئوي لا الحق. لقد كان الإنصاف ركيزة وفضيلة بارزة جداً في الوجود المبارك لخاتم الأنبياء (ص) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ كانوا يتعاملون بالإنصاف مع الصديق والعدو على حد سواء، ولم يخرجوا عن جادة الإنصاف أبداً حتى في مواجهة أشد أعدائهم؛ لأن الخروج عن هذا المسار يمثل عيناً من عيون الظلم.
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«أَجْوَرُ السِّيرَةِ أَنْ تَنْتَصِفَ مِنَ النَّاسِ وَلَا تُعَامِلَهُمْ بِهِ»
ومعنى ذلك أن أظلم وأجبر السير هي أن تطالب الناس بالإنصاف تجاهك، بينما ترفض أنت معاملتهم بالإنصاف من نفسك.
إن الرسول الذي يدعو الناس للإنصاف لا يمكنه ألا يعامل الناس بالإنصاف؛ وحين نطالب الآخرين بالإنصاف، لا يسعنا عقلاً وشرعاً إهمال معاملتهم به، فهذا السلوك يندرج تحت السير الأكثر جوراً وظلماً. ومما يؤسف له، أن مجتمعنا اليوم يعاني بشدة وفي كافة الصعد من غياب الإنصاف؛ إذ أحاطت بنا الأهواء والأحقاد والخصومات لدرجة جعلتنا نتنكر للإنصاف في تعاملنا. فنحن نغض الطرف عن المحاسن والحسنات ونركز فقط على السيئات والمساوي، أو بالعكس؛ نغض الطرف عن المساوي والعيوب ونركز فقط على الحسنات والمحاسن بناءً على الهوى والتحيز.
لقد سيطر علينا الحب والبغض والتحيز الفئوي لدرجة أننا نغلق أعيننا أحياناً عن محاسن الآخرين، وأحياناً عن مساوئهم؛ فإذا صدرت الإساءة أو الخطأ من صديق نملك معه ارتباطاً عاطفياً، غضضنا الطرف عنه وصمتنا؛ وإذا صدر الإحسان والخير من خصم أو منافس، تنكرنا له ولم نره بدافع المنافسة والخصومة. وإن هذه الظاهرة تمثل اليوم إحدى المعضلات والمشاكل الكبرى في مجتمعنا؛ حيث أُقصي الإنصاف في الأوساط العلمية والعملية، وبلغ غيابه الذروة في الأوساط السياسية. ولا سيما علماء الدين والروحانيين؛ فالذين يدعون الناس إلى الإنصاف يجب أن يكونوا هم أول من يلتزم به ويعامل الناس بالإنصاف من أنفسهم.
مناقشة علمية للمواقف المثارة في الفضاء المجازي
والمصاديق في هذا الباب كثيرة جداً، ولا أريد الدخول في التفاصيل وتسمية الأشخاص؛ فاليسار واليمين، والأصوليون والإصلاحيون، يواجهون جميعاً هذا الابتلاء الصعب، ولا فرق بينهم؛ فمن يخرج عن جادة الإنصاف لا عذر له. ولا سيما الذين يُعرفون ويشتهرون بكونهم رموزاً للأخلاق والوعظ؛ إذ يتعين عليهم مراعاة الإنصاف والالتزام به أكثر من غيرهم.
ومؤخراً، طُرحت بعض المطالب والتصريحات من قِبل أحد السادة في الفضاء المجازي (شبكات التواصل الاجتماعي) وحظيت بأصداء واسعة جداً في الداخل والخارج؛ والواقع أن هذه التصريحات انطوت على “عدم إنصاف” صارخ من عدة جهات:
-
أولاً: إن إلقاء جميع المشاكل والأزمات على عاتق قائد الثورة المعظم، وطرح مطالب وتخرصات تتنافى تماماً مع الواقع والحقيقة، يمثل غياباً تاماً للإنصاف والواقعية العلمية.
-
ثانياً: إن الدفاع عن بعض الأشخاص الذين ثبتت جرائمهم ومخالفاتهم بالأدلة القاطعة والواضحة من قِبل الأجهزة القضائية، ومحاولة إضفاء صفة “الشهادة” عليهم، يمثل غياباً آخر للإنصاف وتشويهاً للحقائق وتجاوزاً للقانون.
-
ثالثاً: إن طرح هذه الادعاءات والمطالب في هذا المناخ والظرف الدقيق الذي يتربص بنا فيه الأعداء من كل حدب وصوب ويبحثون عن أي ثغرة أو ذريعة لضرب البلاد والثورة، يمثل وجهاً ثالثاً لعدم الإنصاف والمسؤولية الوطنية.
وحقيقة، مهما أمعنت النظر في هذا الأسلوب واللغة المستخدمة، لا سيما من قِبل من يرتدي هذا الزي واللباس الديني ويجلس في مسند الوعظ والتذكير والإرشاد والأخلاق وحب الخير، أجد تناقضاً عميقاً لا يمكن الجمع بينه؛ فهذا المقام والزي لا ينسجم بتاتاً مع هذه التصريحات المنحرفة عن الحق؛ فكيف ندعي دعوة الناس للعدالة والإنصاف بينما نسلك نحن السير الأكثر جوراً وظلماً؟
العواقب المعنوية لغياب الإنصاف والآثار الوضعية للصدق
ومثلما تشير الرواية الشريفة، فإن غياب الإنصاف يعد من الابتلاءات العامة والشائعة (عام البلوى) في أمة النبي (ص)، وقلما يلتفت إليه أحد بالرغم من كونه من أعظم مصائب الأمة الإسلامية وبلدنا. ويؤكد أمير المؤمنين (ع) أن أظلم السير هي أن تطالب الآخرين بالإنصاف بينما لا تعاملهم أنت به؛ فالمطالبة بالإنصاف عبر أساليب غير منصفة هي أمر مرفوض وغير مقبول بتاتاً؛ فكيف تدعو إلى العدالة بينما تفتقر أنت للإنصاف؟
ولو التزمنا جميعاً وفي كافة المستويات بهذه الركائز والأسس الأخلاقية التي جسدها أهل البيت (عليهم السلام) قولاً وعملاً، لتلاشت الكثير من مشاكلنا وتحدياتنا. ويجب ألا تقودنا الأهواء، والأحقاد الباطنية، والارتباطات العاطفية الفئوية إلى الخروج عن جادة الإنصاف؛ لكيلا نتنكر للمحاسن والحسنات في مواضع وجوب رؤيتها وثنائها، ولكيلا نتغاضى عن العيوب والمساوي في مواضع وجوب إصلاحها وتقويمها، أو نحاول إظهار المساوي في قالب الحسنات أو تشويه الحسنات وتصويرها كسيئات.
والواقع أن الباري جل وعلا لا يترك هذا السلوك الأخلاقي دون جزاء، وله أثر وضعي وتكويني في حياة الإنسان؛ فمن يعامل الناس بالإنصاف يمنّ الله عليه بالعزة والرفعة، كما يوضح أمير المؤمنين (ع) بقوله:
«أَلَا إِنَّهُ مَنْ يُنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا عِزّاً»
وقد يترتب على الإنصاف تكبد بعض الأثمان أو التكاليف الظاهرية في البداية، ولكن المنصف يجتذب قلوب الناس إليه ويحافظ على احترامه ومكانته وعزته في وجدانهم. ومما يؤسف له، أننا مبتلون بغياب هذه الخصلة النبيلة.
وكما يعبر أمير المؤمنين (ع) ببلاغة وعمق:
«قَلَّمَا يُنْصِفُ اللِّسَانُ فِي نَشْرِ قَبِيحٍ أَوْ إِحْسَانٍ»
فقلما يلتزم اللسان بالعدل والإنصاف عند إشاعة سيئات شخص أو حسناته؛ فحين يريد اللسان ذكر مساوئ شخص وعيوبه يبالغ ويتجاوز حدود الإنصاف، وحين يريد ذكر حسنات وإحسان شخص يبخسه حقه ويتنكر له. ونحن نعاني حقاً من هذه المعضلة؛ فلا نحن ننصف في بيان المحاسن والحسنات، ولا ننصف في تبيين المساوي والسيئات.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا جميعاً بالتوفيق للسير والعمل وفقاً لجادة الإنصاف ومعاييره في كافة شؤوننا ومستويات حياتنا.