مواقف الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي إثر الإساءة الوقحة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
مواقف الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي إثر الإساءة الوقحة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
إن الجهل غير معذور شرعاً وعقلاً، والإساءة لرمز الرحمة الإنسانية تتنافى مع العقل ومواثيق حقوق الإنسان.
تبركاً وتيمناً، نستهل حديثنا برواية شريفة عن الوجود المقدس للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، سائلين المولى القدير أن يمنّ علينا بتوفيق فهم وإدراك حقيقة هذه المعارف النورانية والربانية.
رُوي عنه (ص) أنه قال:
«قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ كَبَيْتٍ خَرِبٍ، فَتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا وَتَفَقَّهُوا، وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا فَإِنَّ اللهَ لَا يَعْذُرُ عَلَى الْجَهْلِ».[1]
يشير الوجود المقدس لنبي الإسلام الأكرم (ص) في هذه الرواية الشريفة إلى مطلب في غاية الأهمية والمحورية؛ إذ يقول: «وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا فَإِنَّ اللهَ لَا يَعْذُرُ عَلَى الْجَهْلِ». وقد يتعارض هذا المضمون مع الفهم السائد بين عامة المسلمين؛ إذ ينصب جل اهتمام غالبية المسلمين على الإتيان بالعبادات الظاهرية كالصلاة والصيام والخمس والزكاة (هذا إن التزم الجميع بها)، في حين أنهم لا يولون كبير أهمية لواجب تحصيل العلم والمعرفة والوعي واليقظة.
وحين يصدح النبي بالقول: لا تموتوا جهالاً، وإذا متم جهالاً فإن الله تعالى لا يقبل منكم عذراً ولا تبريراً لجهلكم، يتضح جلياً أن كسب المعرفة والوعي هو تكليف شرعي واجب. وكون الله تبارك وتعالى لا يقبل العذر في الجهل يعني أن العباد سيُسألون ويُحاسبون يوم القيامة على جهلهم ونقص معرفتهم. وتارة يكون الجهل جهلاً مطلقاً، وتارة يكون جهلاً في بعض المراتب والدون؛ ولا فرق في ذلك؛ إذ بمقتضى هذه الرواية الشريفة لا يُقبل العذر في مطلق الجهل. فهل نجد بياناً أبلغ وأكثر حزماً من هذا البيان النبوي لتبيين أهمية العلم والوعي وتأثيره الحتمي في حياة الإنسان بعد الموت، والمسؤولية والمؤاخذة المترتبة على ترك التعلم وإهمال كسب المعرفة واليقظة؟
حقيقة الحكمة والتوحيد العملي
يقول النبي (ص): إن القلب الذي يخلو من الحكمة؛ والحكمة هنا تشير إلى معنى خاص ولا تعني مطلق العلم التراكمي. إن القلب الخالي من الحكمة يشبه البيت الخرب والخرابة. إن العلم والوعي والمعرفة، ولا سيما العلم الإلهي وعلم التوحيد، تُعد في واقع الأمر من العلوم العملية؛ بل إن علم التوحيد نفسه يندرج تحت العلوم العملية. ذلك لأن التوحيد مشتق من باب “التفعيل”؛ ويعني إيجاد هذا المعنى وتحقيقه، أي انتقال الإنسان وتساميه من الكثرة المادية المحيطة به إلى كنف الوحدة الحقّة.
وهذا الأمر لا يتحقق بمجرد تكديس المفاهيم والقضايا الذهنية وحفظ المصطلحات؛ بل يتحتم على الإنسان السير نحو هذا أفق في مقام العمل والاعتقاد واليقين القلبي. والقلب الخالي من هذا العلم والوعي هو كالخرابة والبيت المتهدم؛ ولهذا يحثنا النبي بقوله: «فَتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا».
ثم يعقب بقوله: «وَتَفَقَّهُوا»؛ أي افهموا، وأدركوا؛ إذ لا يكفي مجرد تراكم المحفوظات في الذاكرة والمرور عليها مرور الكرام. وبناءً على هذه الرواية، فإن ملاك المحاسبة والمؤاخذة الإلهية هو المعرفة والعلم في مقابل الجهل. ومهما بذلنا من جهود هنا لتقوية جنبتنا الإثباتية أمام الناس ليتوهم الآخرون أننا نملك حظاً وافراً من العلم، فإن ذلك لن يغير من حقيقة الواقع شيئاً. يقول النبي (ص): «وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا»؛ ولو صرخت هنا ألف مرة وحاولت إثبات نفسي للآخرين وقدمت نفسي على أنني عالم، لكني في الواقع أتحلى بالجهل، فلن أكون سوى ذلك المصداق الذي حذر منه النبي (ص). وفي نهاية المطاف، فإن حساباتنا وتقييماتنا الدنيوية قد تختلف وتتباين أحياناً مع تلك الحقائق والمقاييس والواقعيات التي يستقبل الله تبارك وتعالى بها عباده يوم القيامة.
وقفة محاسبة لطلاب العلوم الدينية
فقد أقوم هنا بإلقاء الدروس، وإلقاء المحاضرات، وكتابة المصنفات والكتب، وأقدم نفسي للآخرين كعالم ومفكر بارز، ويعرفني الجميع بهذا العنوان البراق؛ لكني قد لا أبذل الجهود اللازمة والحقيقية لرفع الجهل عن نفسي. بمعنى أنني أملك القدرة على معرفة أمور ومسائل أكثر بكثير، لكني أتكاسل وأسير في سياق السهو والتقصير؛ ويكفيني ويسعدني لمجرد أن يصفني الآخرون بأنني أستاذ قدير أو طالب علم فاضل. نعم، يمكن للمرء في هذه الدنيا العبور من هذه الأمور والاكتفاء بالظواهر، ولكن حين يرحل الإنسان ويحين موعد السفر، عليه أن ينظر ماذا يحمل معه في جرابه. وإذا كنت أقوم بالتدريس، فهل أدرس لمجرد أن يثني الآخرون على أسلوبي ومهارتي في إلقاء الدرس، بينما المسائل العلمية لم تُحل وتتضح في نفسي وعقلي بعد؟ أو حين أتباحث مع زملائي، هل أتباحث بطريقة أظهر فيها للطرف الآخر تفوقي العلمي بينما أدرك في قرارة نفسي أني لم أفهم المطلب على وجهه الصواب بعد؟
وبطبيعة الحال، من الطبيعي جداً ألا نعلم الكثير من المسائل عند الموت؛ فما نعلمه مقارنة بما نجهله لا يعدو كونه قطرة في بحر متلاطم. ولكن السؤال الحقيقي هو: هل بذل كل إنسان -بقدر سعته الوجودية وطاقته واستعداده الكامن- الجهود المطلوبة لتحصيل ما كان يجب عليه معرفته وما كان قادراً على معرفته وتحصيله أم قصر في ذلك؟ يقول (ص): «وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا فَإِنَّ اللهَ لَا يَعْذُرُ عَلَى الْجَهْلِ». إن الله لا يقبل أي عذر في الجهل؛ بمعنى أن تلك التبريرات والأعذار التي نتذرع بها اليوم للفرار من التعلم والتهرب من كسب المعرفة والوعي هي أعذار واهية وغير مقبولة بتاتاً عند الله. وإذا طُلب منا اليوم تقييم مسار حياتنا وسُئلنا: كم استفدنا من تلك الفرص الثمينة التي أتيحت لنا لرفع جهلنا وحل مجهولاتنا؟ فماذا سنكون مجيبين؟ إن الجهل يعني وجود مجهول يفتقر للكشف؛ فهل سيقبل الله منا التبريرات والأعذار إذا كنا قد أضعنا تلك الفرص الثمينة وأهدرناها؟
العلم النافع كذخيرة ودروس من سيرة السلف
وبناءً على ذلك، فإن قيمة الإنسان ورصيده الحقيقي ورأسماله المعتمد هو ما يحمله معه في جرابه عند الموت ويرحل به؛ وهذا الرصيد الحقيقي هو العلم الواقعي الأصيل، وليس مجرد تكديس للمفاهيم والقضايا التصورية السطحية والمصطلحات في مستودع الذهن. إن العلم الحقيقي هو الذي يثمر الخشية الإلهية، والحلم، وكظم الغيظ، والعفو، والتسامح؛ فإذا رحل الإنسان ومعه هذا العلم النافع، فهذا هو الرأسمال الحقيقي والذخر الثمين. وإذا كان الإنسان سيُسأل ويُحاسب على مثاقيل الذر من أعماله وسلوكه وأقواله، خيرها وشرها على حد سواء، فإن تفاصيل حياتنا، وسلوكياتنا، وتصرفاتنا، والأمور البديلة التي شغلنا بها أنفسنا بدلاً من طلب العلم وتحصيله، وتلك الواجبات التي تعين علينا القيام بها وأهملناها، كلها ستوضع موضع السؤال والمحاسبة، والبارئ جل وعلا لا يقبل في ذلك عذراً. ومن هنا، يتعين علينا مضاعفة الهمم وشحذ العزائم لتكون روح الإنسان مستعدة للمثول بين يدي خالقها بغير حرج ولا تبريرات واهية.
وبالرغم من كل المشاكل والأزمات الراهنة والصعوبات التي نعيشها اليوم، سواء في معيشتنا واقتصادنا أم في الظروف والابتلاءات الخاصة التي تحيط بنا، إلا أن هذه العقبات لا ينبغي لها أبداً أن تصرفنا وتثنينا عن القيام بواجبنا وتكليفنا الأساسي. وإن دأب الأعاظم وسيرة كبار علماء الدين الذين كافحوا وجاهدوا في أشد الظروف قسوة للحفاظ على هذا التراث الغني والذخيرة الثمينة، يمثل درساً بليغاً ومفيداً جداً لنا إذا ما تصفحنا سيرتهم العطرة وأنسنا بها.
اللامبالاة تجاه الإساءة للنبي تتعارض مع الأمن والمصالح الوطنية
ونظراً لكون هذه الرواية الشريفة صادرة عن الوجود المقدس لنبي الرحمة والإسلام (ص)، وتزامن هذه الأيام مع توجيه الإساءات والاهانات لمقامه الأقدس -والتي لم تكن الخطوة الأولى ولن تكون الأخيرة من قِبل الأعداء- فإننا نؤكد أن نبيّاً يتحدث بمثل هذا المنطق الحكيم والبيان البليغ في مقالته، ويجسد في سلوكه العملي أرقى القيم والأخلاق حتى جذب إليه غير المسلمين ودفعهم للإشادة به، فإن محاولات تشويه صورته المباركة تكشف بوضوح عن الغايات والأهداف الخبيثة الكامنة وراءها.
لقد دأبوا طوال سنوات مضت على تنظيم هذه المخططات والسيناريوهات، تارة لحرف الأنظار وتشتيت الوعي والإقبال المتزايد نحو الإسلام وشخصية النبي الأكرم (ص)، وتارة أخرى للتغطية على بعض مخططاتهم ومؤامراتهم وصرف أذهان الرأي العام عنها. وقد شهدنا تكرار هذه الإجراءات الوقحة في الماضي، وفي كل مرة كان ينقلب السحر على الساحر، وتؤدي إلى تعزيز وعي المسلمين وتلاحمهم ويقظتهم، وتبدد مآرب الأعداء وتبخر أحلامهم الخبيثة.
والعجيب أنهم ينشرون هذه الإساءات تحت غطاء وشعار “حرية التعبير وحرية إبداء الرأي والاعتقاد”؛ في حين أن الإساءة والاهانت لا تندرج أبداً تحت مسمى إبداء الرأي والبيان المحترم الذي تقره المواثيق الدولية وتضمن حريته وصيانته. بل إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة قد رسم حدوداً واضحة وفصل فصلاً تاماً بين حرية التعبير وبين الإساءة والاهانة لمعتقدات الآخرين؛ فالأخيرة لا تتمتع بالحرية المطلقة دون قيود وضوابط.
وبناءً على ذلك، فإن هذا السلوك المشين لا يستند إلى أي منطق مقبول؛ فلا العقل يرتضيه، ولا العقلاء يقرونه، ولا التجارب التاريخية والماضية تؤيد فاعلية وجدوى مثل هذه الأساليب الرخيصة، ولا ميثاق حقوق الإنسان يمنح مثل هذا الترخيص الفادح، ولا المصالح الوطنية والأمن الجماعي للدول تقتضي ترك هذه الانتهاكات والإساءات تمضي دون رد حاسم ومحاسبة رادعة.
الهوامش:
[1]. نهج الفصاحة، ص 600.