الثورة الإسلامية أحيت في الشعب الإيراني قيم الاستقلال، والشعور بالهوية، والثقة بالنفس، والاعتماد على الذات.
الثورة الإسلامية أحيت في الشعب الإيراني قيم الاستقلال، والشعور بالهوية، والثقة بالنفس، والاعتماد على الذات.
-
الإمام الخميني (قده) أسس للثورة انطلاقاً من تكليفه ومسؤوليته التاريخية، ولم يشعر بالندم أو الأسف حتى آخر لحظة من عمره المبارك بالرغم من كل العقبات.
-
إيران -بالرغم من كل المشاكل التي تواجهها- هي بلد مستقل اليوم، لا تخضع لإرادة الأجانب ولا تسير وفقاً لمآربهم؛ فكم دولة في عالمنا اليوم تملك هذه الميزة؟
-
لقد استخدم سماحة القائد التعبير الأكثر شمولاً في وصف الشهيد سليماني؛ حين اعتبره نموذجاً بارزاً للمتربين في مدرسة الإسلام ومدرسة الإمام الخميني.
-
كان الشهيد سليماني ثورياً وأهلاً للتدبير والحكمة في آن واحد؛ متواضعاً بلا ادعاء، شجاعاً ومرناً في مواقعه، يجمع بين الصلابة والسماحة؛ وكان يتعامل بأخلاق رفيعة حتى مع الذين اختلفوا مع الثورة، ولم يُعهد عنه إساءة أو بذاءة قط، بل أخلص وصدق فاستولى على قلوب الناس.
-
إن الثورة والبلاد اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذه الطاقات المخلصة للتغلب على المشاكل وتعزيز تلاحم الشعب ووحدته.
-
المشاركة في مسيرات الحادي عشر من شباط (ذكرى انتصار الثورة) كفيلة بإضعاف أطماع الأعداء وتبديد آمالهم الواهية في هزيمة الشعب الإيراني.
-
المشاركة في الانتخابات أمر في غاية الأهمية بالرغم من كل المشاكل والنواقص؛ إذ تقتضي مصلحة البلاد والثورة الحضور الفاعل لقطع الطريق على المتربصين بالشعب الإيراني.
يمثل الحادي عشر من شباط (٢٢ بهمن) من هذا العام بداية العام الحادي والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران. ولا شك في أن هذه الثورة المباركة قد حققت آثاراً وإنجازات كبرى ومصيرية للبشرية، وللأديان السماوية، وللإسلام، ولالمذهب الشيعي، وللشعب الإيراني. إن الوقائع التي شهدتها تلك الأيام والآثار التي ترتبت عليها تتطلب ساعات طوال من النقاش والتبيين.
ولست الآن في مقام سرد كافة إنجازات الثورة؛ غير أن الواقع يثبت أن قائد هذه الثورة -أي الإمام الراحل (قدس سره)- كان رجلاً إلهياً، عارفاً، مخلصاً، ومضحّياً بكل وجوده، حيث وضع حياته كلها في طبق الإخلاص، ودخل الميدان بكل طاقته، غير مبالٍ بما إذا كانت نهضته ستثمر سريعاً أم لا، فسار خلفه الشعب يداً واحدة بتلاحم ووفاق، محققين أعظم الإنجازات. وفي ظروف كان الدين فيها يوشك على الزوال من حياة المجتمعات، ويُروَّج له بوصفه أفيوناً للشعوب، وفي وقت كانت فيه الشيوعية والاستعمار الغربي والرأسمالية الغربية يسعون بشتى الطرق لإقصاء الدين والإسلام، جاءت هذه الثورة لتبعث الدين من جديد؛ وهذا مبحث واسع يستحق التأمل والدراسة.
تفنيد المغالطات المنهجية حول دوافع الثورة
ولكن النقطة التي أود الإشارة إليها هي وجود بعض المغالطات التي يروج لها البعض؛ إذ يقولون: “لو كان الإمام الخميني يعلم بوقوع كل هذه المشاكل الحالية، لما قام بالثورة”، أو يقول بعض الناس: “لو كنا نعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، لما شاركنا في الثورة”. وباعتقادي، فإن هذا الكلام باطل من أساسه. وأنا على يقين بأنه لو سُئل الإمام الراحل اليوم -بالرغم من كل المشاكل القائمة- عما إذا كان سيؤسس لتلك الثورة أم لا، لأجاب بضرس قاطع وبكل حزم وقناعة: “نعم”.
إننا نواجه تكليفاً وواجباً محدداً في كل عصر وبرهة تاريخية؛ وقد أدى الإمام تكليفه التاريخي في زمانه. فالإمام كان رجلاً تكليفياً يعمل بالواجب ولا ينظر للأمور بمنظور نفعي يقتصر على النتائج الفورية؛ وحين رأى في برهة معينة أن الإسلام، والعلماء، والشعب، واستقلال البلاد يقعون تحت طائلة الهجوم الفادح، وأن الشعب يواجه الظلم، وأن هوية البلاد واعتبارها قد وُضعا موضع تساؤل، رأى من واجبه وتكليفه الشرعي القيام والانتفاض بوجه هذا الظلم. وإن حدوث بعض المشاكل لاحقاً لا يمكن أن ينفي بأي حال من الأحوال ضرورة الحضور في الساحة والقيام بالواجب في تلك الحقبة التاريخية.
وعندما بدأ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته المباركة وآمن به المسلمون، هل جرت الأمور في تاريخ الإسلام على خير ما يرام طوال القرون الماضية وحتى يومنا هذا؟ لقد واجه العالم الإسلامي مشاكل وأزمات جمة؛ فهل يمكن لأحد أن يقول لو كان النبي (ص) يرى هذه الأزمات والمشاكل لما صدح بالدعوة ولما عرض الإسلام على البشرية؟
هذا منطق عقيم وخاطئ تماماً؛ وبناءً عليه، فإن القول بأن المشاكل الحالية ناتجة عن الثورة وأن الثورة لم تكن خطوة صائبة هو قول باطل ومرفوض من الأساس. وصحيح أن الإشكالات موجودة اليوم من زوايا متعددة؛ فبعضها يرتبط بالجانب المعيشي والاقتصادي، وبعضها يتعلق بضعف التزام البعض بالمعايير الدينية، غير أن تراكم هذه الإشكالات وتعاظمها لا يمكن أن يخدش أبداً في أصل ضرورة تلك الثورة والتكليف الذي استشعره الإمام الراحل وجسده عملياً. ولو سُئل الإمام اليوم مجدداً، لأكد بكل ثبات مواصلة السير في أداء ذلك التكليف الإلهي.
مكتسبات السيادة ورفض التبعية للخارج
ومع ذلك، يجب علينا بذل أقصى الجهود لتخفيف هذه المشاكل والمعاناة. وقد تكون بعض المشاكل قد تفاقمت في بعض الجوانب، ولكن الواقع يقتضي ألا ننظر إلى الأمور برؤية حدية بيضاء أو سوداء. فبالرغم من كل التحديات، أثمرت هذه الثورة عن مكتسبات عظيمة لا تزال قائمة ويجب تعزيزها مستقبلاً؛ وبغض النظر عن الجوانب المادية والعلمية والتنموية، فإن إيران اليوم تعد بلداً مستقلاً بالكامل، لا يخضع لإرادة الأجانب ولا يسير وفقاً لمآربهم وإملاءاتهم، وهذا مكسب عظيم للغاية.
فكم دولة في عالمنا المعاصر -حتى من الدول الكبرى والشهيرة- تملك مثل هذه الميزة والسيادة الكاملة؟ إن الكثير منها يقع تحت وطأة قرارات القوى العظمى وإراداتها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن إحياء الشعور بالهوية، والاعتزاز بالذات، والثقة بالنفس، والاعتماد على الذات هي من الأمور الكبرى التي يجب الالتفات إليها كأبرز ثمار الثورة.
والمسألة البالغة الأهمية التي يجب التركيز عليها هنا هي ضرورة بذل المزيد من الجهود لإعداد وتربية طاقات وكفاءات تليق بمستوى الثورة الإسلامية وتطلعاتها. وصادف هذه الأيام أربعينية الشهيد الفريق قاسم سليماني؛ حيث استخدم سماحة قائد الثورة الإسلامية في وصفه التعبير الأكثر شمولاً ودقة حين قال:
“لقد كان نموذجاً بارزاً للمتربين في مدرسة الإسلام ومدرسة الإمام الخميني”.
وإن من يمعن النظر في سمات شخصية هذا الشهيد العظيم يدرك عمق هذا التعبير وبلاغته؛ فقد كان شجاعاً مقداماً لا يهاب الموت، وعاش في الوقت نفسه بقمة الفضائل والالتزام الأخلاقي، وكان مخلصاً ودوداً مع عامة الناس، ومطيعاً للولاية وممتثلاً لتوجيهاتها كما كان يؤكد هو بنفسه. وإن الجمع بين هذه الصفات ليس بالأمر اليسير؛ إذ كان يحافظ على مكانته القيادية العسكرية التي تقتضي حمل الراية ووجوب الطاعة من جهة، ومن جهة أخرى لم يقطع رباطه العاطفي والأخلاقي حتى مع الذين اختلفوا مع الثورة ووقفوا على مسافة منها؛ بل كان يثمن ويقدر أي خطوة إيجابية تصدر منهم.
التلازم بين الروح الثورية والالتزام الأخلاقي
إن الجمع بين الثورية والأخلاق أمر في غاية الأهمية؛ وللأسف يبدو أن البعض اليوم يرى تعارضاً وتضاداً بين هاتين الصفتين، متوهماً أن الثوري لا يحتاج إلى الالتزام الدقيق بالأخلاقيات، أو أن الأخلاقي لا يمكن أن يكون ثورياً صلباً. كلا، بل إن الثوريين الحقيقيين يجب أن يكونوا من أكثر الناس التزاماً بالأخلاق ومكارمها؛ يجمعون بين القوة والصلابة في مواجهة الأعداء بوصفهم «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ»، وبين الرحمة والمحبة واللين مع أبناء شعبهم ومجتمعهم بوصفهم «رحماء بينهم»، ويتعاملون مع مختلف الأطياف والتوجهات والآراء بعين الرحمة، والشفقة، والجاذبية الأخلاقية.
وهناك تفاصيل تُنقل عن سيرة الشهيد سليماني تؤكد هذا المعنى تماماً; فحين كان يقف بكل شجاعة وصلابة بلا ادعاء في سوريا والعراق بوجه تنظيم “داعش” الإرهابي، وينظم جبهات المقاومة ويقاتل الكيان الصهيوني بكل اقتدار، كان يجسد في الوقت ذاته أرقى السلوكيات الأخلاقية والإنسانية حتى مع الذين كانوا خارج هذه المنظومة وربما كانوا يخطئون عمله في المنطقة.
ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذه النماذج الراقية؛ فنجاح الثورة، وحل المشاكل، وتقليل المعاناة وتخفيف الأعباء عن كاهل الناس يتطلب تربية وإعداد رجال يملكون هذه السمات والخصائص ويتصفون بهذا المستوى من الوعي والإخلاص. وكلما كثرت هذه النماذج في مجتمعنا، كان نجاحنا وتوفيقنا أكبر.
وصحيح أن الجماهير تردد شعار: “لا تظنوا أن الطريق قد أُغلق، فإيران تذخر بأمثال سليماني”، وأنا أؤيد هذا الشعار وأرى وجوب ترديده لإحباط الأعداء لئلا يظنوا أن الدرب قد قُطع؛ ولكن الواقع يؤكد أن الساحة تفتقر للكثير من هذه الشخصيات الفريدة؛ فنحن بحاجة ماسة لرجال مخلصين، ملتزمين، دؤوبين، يضحون بكل وجودهم في سبيل الدين والثورة والبلاد والشعب دون أن ينتظروا جزاءً أو شكوراً.
دور الحوزة العلمية في رعاية المجتمع واستحقاق الانتخابات
ولأجل تحقيق أهداف الثورة وتقليل المشاكل، يتعين علينا السعي الجاد لصياغة وإعداد مثل هذه الكفاءات؛ فالشخص الذي يحمل في قلبه غيظاً كبيراً ومقدساً بوجه العدو الصهيوني، يتألم بالقدر ذاته حين يرى فتاة بلا حجاب أو شاباً ينزلق نحو الانحراف والخطأ، ويقول في الوقت ذاته بقلب رحيم: “هؤلاء هم أبناؤنا وبناتنا أيضاً، ويجب أن نمسح على رؤوسهم بيد العطف والمحبة والرحمة”.
هذا هو الدرب والمنهج الأصيل الذي سلكه علماء الدين والروحانيون طوال التاريخ، ويجب علينا مواصلة السير فيه بكل اقتدار. واليوم، بالرغم من كل الإشكالات التي يراها الجميع، يجب الحفاظ على هذه الثورة وتعزيز ركائزها. وكما صرح سماحة قائد الثورة الإسلامية، فإن المشاركة في مسيرات الحادي عشر من شباط (٢٢ بهمن) تمثل في الواقع دعماً للمنهج والمدرسة والمسار قبل أن تكون دعماً للأشخاص والأسماء. وفي ظل الظروف الراهنة التي يحيط بنا فيها الأعداء من كل حدب وصوب، يتحتم علينا إبراز هذا التلاحم والاتحاد الوطني بالرغم من كل المشاكل التي يواجهها الناس.
وفيما يتعلق بالانتخابات التي ستجرى في غضون الأسبوعين المقبلين، فإنها تبتني على المنطق عينه؛ إذ إن المشاركة الواسعة والفاعلة هي الكفيلة بإحباط مؤامرات الأعداء وبث اليأس في نفوسهم وتقليل وطأة مخططاتهم الخبيثة. ويجب دعوة الجميع للحضور الفاعل والواسع والمشاركة الحماسية في الانتخابات، بالرغم من أن بعض المرشحين قد لا يمثلون الخيار المثالي لبعض الفئات، إلا أن أصل الحضور والمشاركة الحماسية يكتسب في هذه الظروف الحالية أهمية كبرى ومصيرية؛ لأن أي تراجع أو تهاون في هذا المضمار قد يفتح ثغرات ومنافذ للأعداء لضرب الثورة والبلاد، وهو أمر قد لا يمكن تداركه وجبرانه لا قدر الله.