The news is by your side.

الدرس السابع والأربعون، المقام الأول

الدرس السابع والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثالث: العقل – مقدمات ست – النتيجة – مناقشة الدليل الثالث – الإشكال الأول والجواب عليه – الإشكال الثاني والجواب عليه – المؤيد

3 ذو الحجة 1446 هـ

لقد فرغنا حتى الآن من دراسة وموازنة دليلي الكتاب والسنة الشريفين؛ وتأصل لنا المطلب ثبوتاً؛ والآن نعرض لمعالجة الدليل الثالث والأخير وهو “الدليل العقلي”. ويتألف هذا الاحتجاج العقلي بالصناعة من جملة من المقدمات التأسيسية التي بضم بعضها لبعض ينتج لنا عيناً ثبوت الكرامة الذاتية للإنسان في الجملة وبمستوى القدر المتيقن. وتتلخص هذه المقدمات في شؤون ستة بالتمام:

المقدمة الأولى

لا ريب في حيازة العبد الوجودي لامتيازات وخصائص تكوينية وافرة، وامتلاكه وعاءً وطاقة وجودية فسيحة خلا منها سائر كائنات الخليقة بالكلية؛ وهي حقيقة ثابتة ومبرهنة سلف تفصيلها ومحاكمتها بالأبحاث الماضية. ومثاله عيناً: اتصاف الإنسان بوهبه جوهر العقل، وحيازته لمكنة الإرادة والاختيار، ونزوغه نحو الفطرة والمشاعر الوجدانية النبيلة؛ وهي صفات وقوابل ثابتة للبشر قاطبة في رتبة سابقة على الإيمان والملة عيناً (أي قبل الإيمان)؛ ويمتنع الجحود والإنكار فيها بالوجدان.

المقدمة الثانية

إن هذه الامتيازات والمزايا تضع الإنسان بموجب المقارنة مع سائر الجمادات والنباتات والحيوانات الأرضية، وكذا بموازاة الملائكة والجن، في مرتبة وموقع ممتاز متفوق بالذات؛ فبفضل هذه الخصال وقابلية الرقي حاز الإنسان الأهلية والاستعداد لمقام الخلافة الإلهية الكبرى، وصيرورة كينونته مسجوداً للملائكة بالتمام؛ وهو مقام ممتنع على سائر المخلوقات عيناً؛ فلا يتهيأ للملائكة حيازته، وكذا الحيوان. فالإنسان ببركة استعداداته يحوز رتبة تفوق سائر الكائنات وتضعه في موضع مميز فوقهم بالتمام. وتنهض الرواية المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) -القاضية بخلق الملائكة عقولاً بلا شهوة، والبهائم شهوة بلا عقل، وتركيب الإنسان من كليهما- كشاهد رصين على المطلب؛ فلو سلك الإنسان جادة العقل خلافاً لنزوع الشهوة، صار بالوجدان خيراً وأفضل من الملائكة المقربين.

المقدمة الثالثة

إن الوعاء والخصائص والامتيازات المودعة من لدن الباري تبارك وتعالى في جبلة الإنسان ممتنعة عن اللغو والعبث بالصناعة؛ فالخالق الحكيم يستهدف غاية ومقصداً من إفاضة هذه النعم الخاصة وتأكيد التكريم؛ وهو إيصال العبد وسلوكه المقصد الأعلى المتمثل في القرب والزلفى منه تعالى ونيل السعادة الأبدية الأخروية. وتتعدد المفاهيم المعبرة عن هذا المقام الشريف؛ كمقام الخلافة، ومسجودية الملائكة، والقرب والولاية، والسعادة الأبدية؛ وهي معانٍ يجمعها أصل واحد بالتحليل؛ وهو صيرورة العبد واصلاً للمقصد الأقصى لغرض خلقه ووجوده بالتمام.

المقدمة الرابعة

لقد هيأ الحق سبحانه وتعالى ويسر للعبد سبل الهدى والرشاد الموصلة لهذا المقام والمستقر الشريف؛ سواء أكانت هداية داخلية باطنية، أم هداية خارجية ظاهرية. فالداخلية تتبلور في العقل والفطرة، والخارجية مستقرة في بعثة الرسل وإنزال الكتب وتأسيس الشرائع الإلهية وسن الأحكام والوظائف؛ لغرض معونة الإنسان ومساندته بالعمل والالتزام بحدودها للوصول لغايته ومقصده عيناً.

المقدمة الخامسة

إن بلوغ العبد لهذا المقصد والغاية القصوى مشروط بالضرورة بمباشرته السعي وإعمال استعداداته وقدراته ومزاياه الموهوبة بإرادته ومشيئته الحرة عيناً؛ لكون الإرادة والمشيئة الإلهية قد اقتضت تنزيه سبل الرشاد عن القهر والجبر التكويني، بل وخلو سياقها من الإكراه والتحميل التشريعي أيضاً بالصناعة. فيقول سبحانه: إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» [الإنسان: 3])؛ فقد هيأ الباري أدوات التبليغ والهدى باطناً وظاهراً، وترك العبد حراً مختاراً لاختيار مساره دون إكراه. ولولا هذا الاختيار والإرادة لانتفى مبرر التفضيل والتكريم الإنساني على الملائكة والبهائم عيناً؛ لكون السلوك حينئذٍ يجري بمقتضى الغريزة والجبل التكويني القاهر، المبرأ من الشرف والفضل بالذات.

المقدمة السادسة

إن جادة الهدى والرجوع مفتوحة للعبد عيناً ومستمرة حتى لحظة نزع الروح؛ فالباري جل وعلا جعل باب الأوبة والرجوع باختياره غير موصد بحاله، ويستطيع العبد سلوك طريق الإنابة بعد الضلال في آخر أنفاسه بالتمام. وسيرة الأنبياء والأولياء في طول التاريخ مع عتاة الكفر والجور (كصنيع موسى (ع) مع فرعون ومحاجته الرفيقة له) دليل واجد على عظيم السعي لإيقاظهم وتنبيههم وإتاحة مكنة الرجوع باختيارهم؛ وهي سيرة تكشف عيناً عن الأثر والفضل العظيم في تيسير أسباب التوبة والرجوع التكويني للعبد الوجودي بالصناعة.

وهذه مقدمات ست وافرة التأسيس، متفقة الحجية والقبول، وممتنعة عن الخدشة بالصناعة والوجدان بالكامل.

النتيجة

ويتحصل ويتحقق من مجموع المقدمات الست السالفة الذكر بالتمام ثبوت حيازة الإنسان بمحض إنسانيته لطائفة من الحقوق الأساسية (نسميها بالحقوق الطبيعية)، وامتناع قبول أو تشريع أي حكم شرعي أو وظيفة تعارض وتنافي مقتضيات هذه الكرامات والحقوق بالصناعة. فإذا وهب الباري العبد عقولاً، لزم من ذلك قابلية التفكر وإعمال النظر لكشف الحقائق وبلوغ المعارف واليقين بالمبدأ والمعاد؛ ومنه يتقرر حظر التقليد في الأصول العقدية وضرورة تحصيل اليقين بالذات (سواء تم بالدليل العقلي الصوري، أم بغيره من السبل المورثة للقطع بالواقع). وتفويض هذه القوابل للعبد ومطالبته بالانتخاب والتدين الاختياري طواعية -مع قدرته التكوينية على قهره وجبره عيناً- ينهض حجة قاطعة على ثبوت حق أصيل له ولد من صميم هذه النعمة الإلهية؛ فيمتنع سلب حق التفكر والبحث والحوار العلمي عنه، ويحرم إلجاؤه وقسره على عقيدة ومذهب بالتمام. فالقوانين الدينية والشرائع الإلهية ممتنعة عقلاً وصناعة عن نفي وسلب هذه الحقوق الطبيعية عن بني آدم، مالم يطرأ عنوان العقوبة والجزاء أو تقدم المصلحة العامة والجمعية المقيدة التي سنعرض لتفصيله لاحقاً بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: الإنسان حائز يقيناً لحق الحياة وصيانة النفس، وحق التفكر والحرية في الاختيار، وتلبية ضروراته المعيشية كحقوق تولدت عيناً في جبلته في رتبة سابقة على الإيمان؛ بيد أن إطلاق هذه الحقوق وحريتها ليس مطلقاً مبرأ من الحدود والشرائط بالتمام؛ كما نبهنا على ذلك كلياً وسنفصله لاحقاً. فأرباب القوانين الوضعية والإعلانات العالمية يلتزمون عيناً بتقييد حرية الفرد وحقوقه حال صيرورتها مصادمة لنظم المجتمع وأمنه أو سالبة لحريات وحقوق الآخرين؛ فيشرعون الحظر والحبس والتضييق للمتخلفين ردعاً وقانوناً بالصناعة؛ فالتقييد ليس بمستنكر عقلاً.

مناقشة الدليل الثالث

وقد اعترضت طريقتنا في الاحتجاج العقلي هاهنا خدشتان وإشكالان بالصناعة:

الإشكال الأول والجواب عليه

مضمون الإشكال الأول يقضي بالقول: لو كان الاستدلال هاهنا عقلياً مستقيماً، وحيازة الإنسان لهذه الحقوق التكريمية ثابتة بحكم العقل والتحليل الوجودي؛ فلِمَ وقع التدافع والخلاف العريض في قبوله؟ وبأي مسوغ ينكر كبار الفقهاء والعلماء هذا المطلب ويذهبون لنفي الكرامة الذاتية بالكلية؟ فهذا التدافع شاهد على خروج المطلب عن حيز إدراكات العقل وقدرته الكاشفة بالصناعة.

والجواب عن هذا الإشكال يتضح من جهتين بالصناعة:

أولاً: إن حصول الخلاف والتدافع بين المحققين في إدراك العقل وقبول أحكامه، ليس بفريد أو نادر في مسالك المعرفة والتحقيق العقلي؛ فكم من قضية عقلية يلتزم بها فريق ويناصبها الآخر الخصومة والنفي بالوجدان.

ثانياً: إن إنكار الخصوم للكرامة الذاتية وحقوقها الطبيعية، ينشأ تارة من عدم رصد المقدمات والتمهيدات التصورية والتصديقية بدقة علمية؛ فيقع النكران لعوارض وموانع خارجية بالذات. ومتى استبان المطلب في زواياه، ووضحت المقدمات بالصناعة، زال التوهم وحصل الإذعان والقبول بالتدريج؛ وقد عاينّا في أبحاث فقهية شتى كيف أدت إزالة الحجب وتبيين الغوامض إلى تراجع الخصوم وإقرارهم بحكم لم يرتضوه سابقاً بالتمام. فالخلاف لا يضر بعقلية الدليل وصلاحيته للاحتجاج بالذات؛ لكون المطلب ليس من البديهيات العاجلة المستغنية عن المقدمات البسيطة، بل هو حكم نظري يتأصل بضم وتواتر المقدمات الست السالفة بالصناعة.

الإشكال الثاني والجواب عليه

الوجه الثاني من الإيراد يسلم بحصول التكريم والامتياز التكويني للإنسان جبلة وخلقاً؛ بيد أنه يمنع وجود التلازم والملازمة بين الكرامة التكوينية والكرامة التشريعية المقررة بالأحكام؛ فما مبرر صيرورة الحكم الشرعي تابعاً لتكريم العبد تكويناً؟ فلا تلازم بين النشأتين بالذات.

ويظهر الجواب بالدقة في أننا لا ندعي وجوب المطابقة والتماثل التام والاندماج الكلي بين شؤون التكوين والتشريع في سائر الوجوه والأحكام بالصناعة؛ بيد أننا نلتزم بقاعدة أصيلة تقضي بـ “امتناع التنافي والتعارض الكلي” بين التكوين والتشريع؛ فالحق الحكيم يمتنع في حقه خلق جبلة العبد نزاعة بطبعها وعقلها نحو الكمال ومطالبته بالرقي، ثم يضع تشريعاً وحكماً يعطل حركته ويمنع رغبة كماله بالتمام؛ فهذا تعارض وتناقض مستحيل في ساحة الحكمة الربانية بالذات. فلا يسوغ وهب العبد جوهر العقل تكريماً تكوينياً، ثم نهيه وحظره عن التفكر والتدبر شرعاً؛ ولا يستقيم وهبه حرية الاختيار والإرادة ثم سلبها عنه بالتحميل والإلجاء الصوري بالصناعة. فالمنع من التعارض والتنافي يوجب رعاية وتأسيس هذه الحقوق الطبيعية الأساسية المقيدة بالشرع الحنيف بالتمام.

إن قلت: لو صح هذا المذهب لامتنع وجوب سلب حيازة الحياة والقتل المقر في حق المرتد بالشرع الغليظ؛ فكيف تجامع عقوبة القتل للارتداد هذه الحرمة وحق الاختيار المقر بالصناعة؟

الأستاذ: ما نلتزم به هاهنا يؤول لتوجيهين بالصناعة:

الأول: إن أصل هذا الحكم وشدته محل للبحث والتأمل العلمي في كلمات طائفة من الأعاظم والمحققين؛ لذهابهم لكون عقوبة القتل مساقة في حق الارتداد المقترن بخصوص التآمر والخصومة السياسية والتحزب لتوهين أركان الملة وتضعيف دولة المسلمين وإهلاك حرثهم؛ بموجب مساق الآية الشريفة النازلة في جماعة تعهدوا على الدخول في الإسلام صباحاً والخروج منه مساءً لغرض التشكيك والتخريب الفكري؛ فهو عقاب وجناية على التآمر والإفساد، ولا صلة له بمجرد تبدل الرأي الفكري بالذات.

الثاني: لو سلمنا بجريان العقوبة على مطلق الارتداد، فإن هذا الحكم يتقرر تالياً وعقيب ولوج المكلف للإسلام باختياره وصيرورته تحت عهده؛ فالباري يطالبه بالتريث والنظر بعين البصيرة قبل الدخول؛ لكون الدخول فيه رعاية للالتزام والوفاء بالعهد، والخروج بعده جناية تستوجب العقوبة والحد بالصناعة.

وما ذكرناه من تفاصيل هاهنا ينهض لتأسيس الأطر والضوابط الكلية لرفع التوهم، ولسنا بصدد تفصيل وجوه الاستثناءات التطبيقية التي سنحاكمها في مظانها عيناً بالوجدان.

المؤيد

ويقوي هذا المجرى العقلي ويشيد دلالته رصد بعض الحكم والمقاصد المترتبة على الكرامة الذاتية وتكريم غير المسلمين بالتمام; وهي بمثابة المؤيدات المنهجية للمدعى؛ ومنها: صيرورة الإحسان والبر سبباً لتأليف قلوبهم وميل نفوسهم لشريعة الإسلام وجلالة معارفه عيناً؛ وهو مقصد تبليغي رفيع أكده الفقهاء في مصنفاتهم بتجويز بل رجحان الإحسان والبر للكفار غير الحربيين رغبة في جذب قلوبهم للحق.

ومنها أيضاً: تيسير أسباب هداية نسلهم ليكونوا من المسلمين؛ بموجب عبارة الشهيد الثاني: «ومن حيث يجوز أن يتولد منهم المسلمون». وقد استند صاحب الجواهر في باب عتق العبد الكافر لهذه الملازمة عيناً؛ مقرراً مشروعية عتقه لغرض جذبه للإسلام؛ مستنداً للأثر الشريف: «لكل كبد حرى أجر»؛ لإثبات وجوب أو رجحان سقيه وإطعامه وإفاضة المعروف عليه بالصناعة؛ وهو استدلال مستفيض في كلمات الأكابر لإثبات وجائب الرفق بالعبد كافراً كان أم مسلماً بالذات.

ويتحصل من مجموع هذا الدليل العقلي إثبات الكرامة الذاتية للإنسان في الجملة؛ ومقتضى ثبوتها التكويني تأسيس ورعاية طائفة من الحقوق والضمانات الطبيعية الأولية له بمعزل عن دينه وعقيدته بالصناعة.