The news is by your side.

الرابع والأربعون، المقام الأول

الرابع والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الروايات المعارضة – الطائفة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة

26 ذو القعدة 1446 هـ

كان مدار بحثنا حول الأخبار والروايات المعارضة للنصوص الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ ونقلنا أربع طوائف من هذه الأخبار المعارضة في الجلسات السابقة وأجبنا عنها إجمالاً. وتوجد هاهنا طوائف عديدة أخرى تدل بظاهرها -أو بموجب ما يذهب إليه فريق- على نفي الكرامة الإنسانية بالكلية. ونعرض هاهنا لنقل رواية أو روايتين من كل طائفة رعاية للاختصار وسيراً على طريقتنا السالفة بالصناعة.

الطائفة الخامسة

تنطوي الطائفة الخامسة على الروايات الدالة على لزوم الإهانة والبغض والعداوة للكفار وأعداء الدين والملة وأعداء أهل البيت (ع) ولا سيما النواصب والغالين بالصناعة.

الرواية الأولى

ما رُوي عن الصادق جعفر بن محمد (ع) أنه قال: «مَنْ أَحَبَّ كَافِراً فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَ مَنْ أَبْغَضَ كَافِراً فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ (ع): صَدِيقُ عَدُوِّ اللَّهِ عَدُوُّ اللَّهِ…».

الرواية الثانية

الرواية الثانية -وهي أشد غلظة وتأكيداً من الخبر السابق- مأثورة في عيون أخبار الرضا ونقلها صاحب وسائل الشيعة؛ وهي رواية مطولة يقرر الإمام الرضا (ع) في مطلعها: «إِنَّمَا وَضَعَ الْأَعْمَارَ الْأَخْبَارَ عَنَّا فِي الْجَبْرِ وَ التَّشْبِيهِ الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا، وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا، وَ مَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا، وَ مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا، وَ مَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا، وَ مَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا، وَ مَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا، وَ مَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا، وَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا، وَ مَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا، وَ مَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا، وَ مَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا، وَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، وَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَ مَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا، وَ مَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا، وَ مَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا، وَ مَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا». فالكلام يتناول طائفة خاصة من المسلمين عُرفوا بالغلاة؛ ويرتب النص في حقهم العداوة، والجفاء، والإساءة، والإهانة، والقطع؛ ومؤداها انتفاء الكرامة عن هذه الطائفة وصيرورة إهانتهم إكراماً للأئمة (ع) بالصناعة؛ وصحيح أنها غير مستوعبة لعامة الناس، إلا أنها تنفي الكرامة عن بعض أفراد البشر بالذات.

وينضاف لذلك طائفة من الأخبار الواصفة للنواصب والخوارج بـ “الكلاب”؛ وتارة يعبر عنهم بـ «كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ» عاقبة أمرهم، وتارة يثبت لهم هذا الوصف في عاجل النشأة الدنيوية بالتمام.

الطائفة السادسة

الطائفة السادسة تنطوي على الروايات المجوزة والمقررة لجواز إلقاء البهتان والتهمة في حق بعض الأصناف من البشر؛ وهي الأخبار المعنية بمواجهة أهل البدع والأهواء حيث ألزمت بتبين البراءة منهم، وإباحة سبهم وتوجيه الوقيعة والبهتان والاتهام في حقهم؛ روى الإمام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَ الْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وَ أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ، وَ الْقَوْلِ فِيهِمْ، وَ الْوَقِيعَةِ، وَ بَاهِتُوهُمْ كَيْ لَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الْإِسْلَامِ وَ يَحْذَرَهُمُ النَّاسُ وَ لَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بِدَعِهِمْ؛ يَكْتُبِ اللَّهُ لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ وَ يَرْفَعْ لَكُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ». فالكلام يبيح صراحة توجيه السب والبهتان والاتهام الصوري والوقيعة في حق أصحاب البدع؛ وهي سلوكيات تهدف لإسقاط هيبتهم وإهدار منزلتهم واحترامهم في عيون الناس بالتمام بالصناعة.

الطائفة السابعة

وتتكفل الطائفة السابعة ببيان الأخبار الدالة على جواز بل لزوم اللعن والطرد من رحمة الله لبعض الفئات والصنوف البشرية؛ وحكم هذه الروايات بلغ التواتر المعنوي يقيناً؛ ومفادها جريان اللعن والطرد للغلاة، والنواصب، والخوارج، والظالمين؛ كقوله (ع): «لَعَنَ اللَّهُ عَدُوَّ آلِ مُحَمَّدٍ»، وقوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ»، وقوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْحَرُورِيَّةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْأَزَارِقَةَ والْمُرْجِئَةَ»، وقوله (ص): «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَ غَارِسَهَا وَ عَاصِرَهَا وَ شَارِبَهَا وَ سَاقِيَهَا وَ بَائِعَهَا وَ مُشْتَرِيَهَا وَ آكِلَ ثَمَنِهَا وَ حَامِلَهَا وَ الْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ»؛ وكذا اللعن الجاري على الظالمين عامة. وفضلاً عن هذه العناوين والمفاهيم الكلية، فقد توجه اللعن بالاسم والتعيين لأفراد بأعيانهم في الأخبار؛ واللعن بالصناعة يؤول للإهانة والتحقير وإهدار الكرامة؛ فكيف يجتمع هذا التقريع واللعن مع القول بالكرامة الذاتية للإنسان؟ فهو ينفيها بالوجدان.

الطائفة الثامنة

الطائفة الثامنة تشتمل على الأخبار الآمرة بلزوم تحقير وإذلال أهل الذمة عند استيفاء جباية الجزية منهم خارجاً؛ فرغم صيرورة أهل الذمة معاهدين تحت ذمة الشريعة والدولة مقابل أداء جباية جزي السنوية، إلا أن طائفة من الأخبار أكدت لزوم معاملتهم بالصغار والذل حال الاستيفاء؛ ما رُوي عن زرارة قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): مَا حَدُّ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتابِ؟ وَ هَلْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَظَّفٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزُوا إِلَى غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: ذَاكَ إِلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ بِمَا يُطِيقُ؛ إِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَنْ يُسْتَعْبَدُوا أَوْ يُقَتَّلُوا، فَالْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِهِ حَتَّى يُسْلِمُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ؛ وَ كَيْفَ يَكُنُ صَاغِراً وَ هُوَ لَا يَكْتَرِثُ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَجِدَ ذُلًّا لِمَا أُخِذَ مِنْهُ فَيَأْلَمَ لِذَلِكَ فَيُسْلِمَ… وَ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنَ الْجِزْيَةِ إِنْ شَاءَ الْإِمَامُ وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَ لَيْسَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ، وَ إِنْ شَاءَ فَعَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ لَيْسَ عَلَى رُءُوسِهِمْ شَيْءٌ؛ فَقُلْتُ: فَهَذَا الْخُمُسُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (ص)». فهذا النص يقرر وجوب صغارهم وذلهم، وهو ما ينافي القول بالكرامة الذاتية بالصناعة عيناً.

الطائفة التساعية (Note: Translated “طایفه نهم” properly)

وتتكفل الطائفة التاسعة بنقل الأخبار والروايات الدالة على نجاسة الكفار والمشركين؛ بل وذهب طائفة من الفقهاء لتعدية حكم النجاسة لبعض الفرق المنتسبة للإسلام كالنواصب والخوارج والغلاة بالصناعة. وتواتر الأخبار بنجاسة الكافر بين جلي؛ وهو حكم ينافي بظاهره التكريم والتشريف الإنساني؛ وصحيح خلو هذا المبحث من التعرض للآيات الكريمة كقوله تعالى: إنما المشركون نجس؛ (كما في قوله تعالى: «…إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ…» [التوبة: 28])؛ بيد أن دلالة هذه الروايات وافرة في نفي الكرامة والقول بالخبث والنجاسة؛ وتنقسم هذه الروايات لطائفتين بالصناعة:

الأولى: الأخبار القاضية بنجاسة الكفار عيناً بالتبع لنجاسة متعلقات طعامهم وشرابهم وما يباشرونه من الخمر ولحم الخنزير؛ فهي نجاسة عرضية طارئة، ولذا أمر الشارع بتجنب مأكلهم وأوانيهم وغسل اليد عند ملاقاتها.

الثانية: الأخبار الناطقة بالنجاسة الذاتية لهم بمعزل عن رصد المعاملة والمأكل والملبس والشراب؛ وهو ما يشي بالخبث والنجاسة العينية الذاتية لهم؛ وربما جمعت بعض الأخبار بين التفسيرين؛ ما رُوي عن محمد بن مسلم قال: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرِ (ع) عَنْ آنِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ الْمَجُوسِ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ، وَ لَا مِنْ طَعَامِهِمُ الَّذِي يَطْبُخُونَ، وَ لَا فِي آنِيَتِهِمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ». فالكلام يحظر الأكل في أوانيهم ومباشرة طعامهم المطبخ بالذات؛ وهو منع يتجاوز فرضية رطوبة الخمر أو اللحم ليدشن القول بنجاستهم الذاتية بالصناعة.

بل وجاء المنع في بعض الأخبار عن مطلق المصافحة والسلام باليد معهم؛ ما رُوي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) في رجل صافح رجلاً مجوسياً قال: «يَغْسِلُ يَدَهُ وَ لَا يَتَوَضَّأُ». فالمنع هاهنا عام مطلق بالصناعة.

وكذا ما رُوي عن أبي بصير عن أحدهما (ع) في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني قال: «مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ، فَإِنْ صَافَحَكَ بِيَدِهِ فَاغْسِلْ يَدَك».

وصحيح أن بعض الفقهاء ناقشوا هذه الأخبار مفسرين لزوم غسل اليد بحالة رطوبة اليدين، لكون جفاف اليد والتماس الجاف يمنع السراية عيناً؛ فصيروا حكم غسل اليد من ورائه كراهة وقبح المعاشرة والتآلف مع الكفار دون ثبوت النجاسة العينية؛ رغبة في تقبيح صنيع العبد المسلم في تودده ومصافحته للجاحدين.

وعلى أي حال، فإن عمدة دلالة هذه الأخبار تفيد نفي الكرامة وإهدار الشرف؛ سواء صرنا للقول بنجاستهم الذاتية (وهو المذهب الأشهر عند الفقهاء في تفسير قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ») أو صرنا للقول بنجاستهم العرضية والمنع من مؤاكلتهم ومصافحتهم وقبح توددهم؛ لكونها دلالات تنقض أصل الكرامة والشرف البشري العام بالصناعة.

الطائفة العاشرة

وتتألف الطائفة العاشرة من مجموعة من الطوائف والوجوه الفرعية التي تجمعها دلالتها على لزوم الشدة والغلظة والحد في مواجهة الكفار والخصوم، وسواء جرى ذلك في أبواب القصاص والديات، أو الإرث، أو الشهادات، أو المعاملات… ونكتفي هاهنا بذكر عناوين هذه الأبواب والوجوه المعارضة بالاختصار:

أولها: الأخبار المانعة من نكاح المسلم لخصوص أهل الكتاب والمشركين بالذات.

ثانيها: الأخبار القاضية باسترقاق الكفار وقتلهم والتضييق على أسراهم في الحرب بالتمام.

ثالثها: الأخبار الآمرة بمقاتلة المشركين وجلادهم حتى يدخلوا في السلم ويدينوا بالإسلام.

رابعها: الأخبار القاضية بالتضييق والحد على المرتد عن الملة والقتل.

خامسها: الأخبار القاضية بإباحة دماء النواصب الخوارج وهدر أموالهم خارجاً.

سابعها: الأخبار المانعة من قصاص المسلم بالذات حال قتله للكافر عيناً. (Note: Kept original number “سابعها” for consistency)

ثامنها: الأخبار المانعة من قبول شهادة الكافر على المسلم وإن اتصف بكونه ذمياً معاهداً. (Note: Kept original number “ثامنها” for consistency)

تاسعها: الأخبار القاضية بحرمان الكافر من إرث مورثه المسلم وتفرد المسلم بالمال والتركة. (Note: Kept original number “تاسعها” for consistency)

وهذه الأبواب والوجوه وافرة في الفقه والحديث الشريف، وتجمعها جهة الشدة والحد في مواجهة المشركين والكفرة؛ وصيرورة مالهم ودمهم مهدراً بجهات معينة؛ وهي دلالات لا تجامع القول بالكرامة الذاتية بالصناعة؛ فكيف يستقيم التزام التكريم البشري العام مع إهدار دمه وسلب ماله وحرمانه من الإرث والشهادة بالتمام؟ فهو نفي جلي للكرامة والتبجيل.

بحث الجلسة المقبلة

تلاحظون أننا فرغنا من تعداد عشر طوائف روائية معارضة للمدعى، حيث جمعت الطائفة الأخيرة وجوهاً وأبواباً فرعية شتى صيغت تحت عنوان جامع. وتصدينا سابقاً لعلاج وتأويل الطوائف الأربع الأولى من الأخبار المعارضة؛ فهل يسوغ لنا علاج ودفع تهافت هذه الطوائف الست الأخيرة مع نصوص الكرامة بالصناعة؟ وهل يتهيأ لنا توجيه الجمع الائتلافي بينها بالتمام؟ وهذا مبحث فقهي وأصولي بالغ الخطورة والأهمية بالذات. وسنعرض بمشيئة الله تبارك وتعالى في الجلسة المقبلة لتأصيل وجوه وأجوبة كلية مشتركة لرفع التعارض الظاهري وتأويل المطلب، مع التنبيه على بعض الأجوبة والوجوه الخاصة لبعض الطوائف والوجوه المذكورة رعاية للدقة العلمية المطلوبة.