The news is by your side.

الدرس العشرون، المقام الأول

الدرس العشرون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – جمع‌بندی الطائفة الأولى – الطائفة الثانية: 1. نفخ الروح الإلهي – رأيان في الروح الإنسانية – شواهد الرأي الثاني – المناقشة

26 جمادى الآخرة 1446 هـ

كنا نبحث في مباني الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبيّنّا سابقاً أن هناك طائفتين من المباني يمكن ذكرهما في هذا المقام. وأوضحنا في الطائفة الأولى ستة أمور: أولاً: العقل؛ ثانياً: الإرادة والاختيار؛ ثالثاً: الفطرة؛ رابعاً: أحسن تقويم؛ خامساً: تسخير الموجودات؛ سادساً: العواطف الإنسانية والأخلاقية.

وبطبيعة الحال، فإن هذه الأمور الستة قابلة للاندماج والتداخل في ثلاثة أمور أو أمرين؛ لكون بعض هذه الموارد يندرج ضمن شعب وتفرعات بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال، يشتمل العقل بمعنى من المعاني على الإرادة والاختيار، ولعله يستوعب أحسن تقويم وقوة تسخير الموجودات أيضاً؛ أي يسوغ لنا اعتبار العقل بمعناه الواسع جامعاً لهذه الأمور برمتها. فالعقل بوصفه قوة على التحليل والتفكير -وهو الانتقال من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المجهول- هو الذي يمنح الإنسان القدرة على تسخير سائر الموجودات، وهو الذي يهيئ له أحسن تقويم، أو يثبت له بالتبع الإرادة والاختيار. وبمعنى من المعاني، يتسع العقل ليشمل الفطرة أيضاً، بيد أننا لم نأخذ هذا المعنى بعين الاعتبار ههنا. كما أن العواطف الإنسانية يمكن عدّها أمراً مستقلاً بذاته. وعليه، فإن هذه الأمور الستة التي سلف ذكرها قابلة للإرجاع إلى أمرين أو ثلاثة. غير أننا أفردنا ذكرها نظراً لأهمية هذه الحيثيات وتعدد جهاتها.

وتتمثل الميزة المشتركة لهذه الأمور الستة في الطائفة الأولى التي عرضنا لها حتى الآن، في أنها نعم وهبها الله تبارك وتعالى للإنسان بالخصوص، ولا صلة لها بإيمان الإنسان وعقيدته؛ إذ يتمتع البشر قاطبة بهذه المزايا على نحو الفعلية؛ أي إنها تتصف بالفعلية وتستوعب الجميع بلا استثناء. بعبارة أخرى: إن الإنسان قبل الإيمان، والإنسان قبل اتصاف عقيدته، وبغض النظر عن جنسه وعرقه ولونه ومنطقته الجغرافية، يتصف بهذه المزايا والخصائص بالذات. وبطبيعة الحال، قد يورد البعض إشكالاً وشبهة مفادها أن أحسن تقويم لا يثبت للإنسان بمعزل عن الإيمان، أو أن الفطرة لا تخصه بمعزل عن الإيمان؛ في حين قررنا سابقاً أن هذه الخصائص والتشريف بهذه الشرافات ثابت من لدن الباري عز وجل لعامة البشر. وسنبين لاحقاً أن هذه الأمور الموهوبة من الله تمثل منشأً لسلسلة من الامتيازات والحقوق؛ فمثلاً الإنسان المتصف بالعقل والمريد المختار هو كائن حر، لا يمكن فرض الإكراه والتحميل عليه، لكون أساس الهداية الإلهية قائماً على عدم الإكراه والتحميل. وهذا بحد ذاته يمثل حقاً أصيلاً يجب صيانته في جميع الأحوال وحتى نهاية حياة الإنسان. وسنفصل هذه المطالب لاحقاً بمزيد من التبيين إن شاء الله تعالى.

الطائفة الثانية

وأما الطائفة الثانية من الأمور التي يمكن جعلها مبدأً للكرامة الذاتية (ونطلق عليها كرامة ذاتية على سبيل المسامحة، وسنوضح ذلك لاحقاً)، فتنطوي على أمور عدة، وهي: نفخ الروح الإلهي في الإنسان، والخلافة الإلهية، وكون الإنسان مسجوداً للملائكة، وتحمل الأمانة الإلهية، والانتفاع بالعلم الإلهي. فهذه خمسة موارد، وبطبيعة الحال يرجع بعضها إلى بعض، ويمكن إرجاعها جميعاً بالتحليل إلى أمرين أو ثلاثة.

ويبدو لي أن هذه الطائفة تخص الإنسان بعد الإيمان، أي الإنسان المقترن بالعقيدة، والإنسان الذي اكتسب هويته الحقيقية بالإيمان والتوحيد. والحق أن هذه الأمور تكشف في الواقع عن وجود طاقة واستعداد كامنين في كينونة الإنسان. فنفخ الروح، والخلافة الإلهية، يمثلان تكريماً بلا ريب، إلا أن هذه الأمور تندرج بأسرها بشكل من الأشكال في دائرة الكرامات الاكتسابية. ومن ثم، فإن هذه الخصائص التي ذكرها بعض العلماء بوصفها مبادئ للكرامة الذاتية، تؤول في حقيقتها إلى الكرامة الاكتسابية للإنسان. وقد يعترض معترض بالقول: إن سجود الملائكة للإنسان قد تحقق بالفعل عيناً وخارجاً؛ فكيف تحملونه على مجرد الاستعداد؟ وكذا الخلافة الإلهية قد تجسدت وتحققت؛ فكيف تصيّرونها استعداداً؟ ومثل ذلك يقال في مسألة التعليم الإلهي وحمل الأمانة. وسنعرض لتوضيح هذه الأمور واحداً تلو الآخر.

الفرق بين الطائفتين الأولى والثانية

إن وجه التمايز الفاصل بين هاتين الطائفتين يكمن في هذا التفصيل الذي أشرت إليه إجمالاً، وسيتضح هذا المطلب بمزيد من الجلاء عند تفصيل هذه الموارد لاحقاً. ونحن الآن في مقام بيان التمايز الإجمالي بين الطائفتين الأولى والثانية؛ فخلافاً للموارد السابقة، لا تجري الفعلية في موارد هذه الطائفة الثانية؛ بل هي استعدادات وطاقات يمكنها الرقي بالإنسان إلى ذرى الكمال؛ فالإنسان مع الإيمان هو موضوع هذه الكرامات، لا الإنسان من دون الإيمان.

السؤال: …

الأستاذ: حينما تبحثون في أدلة حجية خبر الواحد، فإنكم تعرضون جميع ما ذكر دليلاً على الحجية في الباب، ثم تسجلون ردكم على دليلين وتلتزمون بقبول الثالث مثلاً… وهذه الأمور قد ذُكرت في كلمات القوم بوصفها مبادئ للكرامة الذاتية… تماماً كأدلة حجية الإجماع، وأدلة حجية الشهرة، حيث تردونها قاطبة؛ ولكنها طُرحت وعُرضت بهذا العنوان في كلمات أهل الفن والتحقيق. ووجه هذا التفكيك عندي يكمن في أن بعض الباحثين عمد إلى رد هذه الأمور بالكلية وذهب إلى عدم كفاية أي منها لإثبات الكرامة الذاتية. وبالمقابل، التزم فريق آخر بقبولها برمتها على السواء؛ في حين أن قسماً من هذه الأمور ينهض لإثبات الكرامة الذاتية لثبوته للإنسان من دون إيمان أيضاً. بينما يختص قسم آخر بالإنسان مع الإيمان؛ فالقسم الأول فعلي، بينما يتصف هذا القسم بالاستعداد. وطبيعي أن يمثل كل منها منشأً لطائفة من الحقوق والمزايا والامتيازات التي سنعرض لبيانها.

1. نفخ الروح الإلهي

المورد الأول يتجلى في نفخ الروح الإلهي. وبشكل عام، فإن كافة الحيوانات، ومنها الإنسان الذي يندرج بجهة من جهاته ضمن صنف الحيوان في قبال الجمادات والنباتات، يمتلكون جسماً وروحاً على السواء؛ فللحيوانات أرواح أيضاً، غير أنها أرواح حیوانیة. ولا ريب في أن حقيقة الروح في الحيوان والإنسان تلتقي في معنى كلي مشترك، كما لا شبهة في أن الروح الحيوانية والإنسانية ليست من جنس الماديات. وأما كيفية نشوء هذه الروح وكيفية خلق الباري جل وعلا لها، فهو ما يدور مدار التعبير الوارد بشأن الروح في قوله تعالى: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي؛ (كما في قوله تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [الإسراء: 85]). وثمة فريق من المفسرين يذهب إلى أن هذه الآية تشير إلى الروح على نحو العموم، أي الروح الإنسانية والحيوانية معاً. وبالطبع فإن هذا القول غير تام؛ غير أني أود الإشارة إلى أن بعض مفسري العامة استدلوا بقوله تعالى: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى» على أن مطلق الروح -سواء الإنسانية أو الحيوانية- هي من أمر ربي، وأن خالقها هو الله تبارك وتعالى، فهي مشتركة بين الإنسان والحيوان. ولست بصدد معالجة هذا القول فعلاً؛ بل العمدة أنه لا شبهة في اتصاف الإنسان والحيوان بالروح، بيد أن البحث يكمن في انتساب هذه الروح إلى الذات الإلهية في بعض الآيات الشريفة، وسأبين هذه الشواهد لاحقاً.

رأيان في الروح الإنسانية

وبوجه عام، تبرز ههنا وجهتا نظر متباينتان في حقيقة الروح الإنسانية:

الرأي الأول

يذهب الرأي الأول إلى أن الروح بوصفها مخلوقاً خاصاً هي “من أمر الرب” كباقي الموجودات في هذا الكون؛ حيث يتصف بعضها بالمادية وبعضها الآخر باللامادية. وكل ما كان غير مادي من جنس الروح كالروح الحيوانية، فإن حقيقتها واحدة ولا تمايز جوهري بين روح الإنسان وروح الحيوان. وأما الإجابة عن التساؤل المثار حول وجه انتساب الروح إلى الله تعالى في بعض الآيات كقوله: “من روحي”، فإن جواب هؤلاء يكمن في أن هذه الإضافة (إضافة الروح إلى الله) هي من قبيل إضافة الأرض أو السماء أو البيت إلى الله عز وجل، لكون الأشياء قاطبة واقعة تحت سلطان القدرة الإلهية ومخلوقة ومملوكة له تبارك وتعالى. وعليه، فلا يمثل هذا الانتساب مزية خاصة يختص بها الإنسان. فهذا مسلك يقرر انتفاء الفارق الجوهري بين روح الإنسان وروح الحيوان من حيث الجنس؛ وإن اختلفت المراتب والدرجات، بيد أنه لا مجال للقول بوجود روح من الله تحظى بانتساب وتشريف خاص بالإنسان. ويستفيد عمدة من الباحثين هذا المعنى من ظواهر بعض الآيات.

الرأي الثاني

وفي المقابل، يذهب الرأي الثاني إلى أن الروح الإنسانية تباين الروح الحيوانية تبايناً كلياً؛ لكون الروح الإنسانية واجدة لخصائص ومميزات مفقودة في الحيوان قطعاً. فالروح الإنسانية روح من جنس الروح الإلهية؛ لكون الروح الإلهية قد نُفخت في الإنسان بالذات. وما معنى نفخ الروح الإلهي في الإنسان؟ معناه أن الإنسان قد حاز خصائص وميزات تمكنه من نيل الكمال اللامتناهي (بمعنى نسبي) على غرار الكمال الإلهي. كأن يتصف بالعفو والصفح والكرم والجود والسخاء؛ بحيث تتمثل في وجوده سائر الصفات المنسوبة للحق جل جلاله.

شواهد الرأي الثاني

وبطبيعة الحال، قامت الشواهد والدلائل على كلا المسلكين؛ غير أن جل المفكرين الإسلاميين والمفسرين حملوا طائفة من الآيات القرآنية على المعنى الثاني وأقاموا الشواهد عليه، ومنها:

  1. الآيتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون من سورة الحجر: وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين؛ (كما في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» [الحجر: 28-29]). وثمة بحث هاهنا في حقيقة “التسوية” ومعناها.

  2. الآيات من السابعة إلى التاسعة من سورة السجدة: الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهین ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشکرون؛ (كما في قوله تعالى: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» [السجدة: 7-9]). فالكلام هاهنا صريح في التسوية وعقوبتها بنفخ الروح الإلهي بالتبع.

وقد وردت آيات أخرى تحمل ذات المضمون والمساق. وهاتان الآيتان تنهضان شاهداً على الدعوى المذكورة؛ ويسير الاستدلال بهما من جهتين:
أولاً: إن هذا التعبير لم يرد بشأن أي مخلوق آخر على الإطلاق؛ فلم يقل الله تعالى في حق أي موجود إنه نفخ فيه من روحه، لا في حق الملائكة، ولا في حق الحيوانات، بل تفرد الإنسان بهذا الخطاب والانتساب.
ثانياً: إن الآيات عند تعرضها لخلق الإنسان تصاغ في مساق يهدف إلى إثبات تفوق الإنسان وعلو كعبه على سائر الموجودات. فقد أشار الباري في آيات شتى إلى خلق بعض الموجودات كالسماوات والأرض والجبال، غير أنه لا يُستفاد من أي منها إضفاء مزية وخصوصية لها. بينما يظهر هذا المعنى بوضوح وجلاء في مقام خلق الإنسان.

بل إن بعض الباحثين حاول الاستفادة من قوله تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» لإثبات اختصاصه بالروح الإنسانية بالذات؛ لكون السؤال واقعاً عن جنس الروح وحقيقتها، فأجاب الباري تبارك وتعالى بأن حقيقتها «مِنْ أَمْرِ رَبِّي». وقد أشرنا إلى ذهاب فريق لكون السؤال عن مطلق الروح إنسانية كانت أم حيوانية؛ بيد أن طائفة من المحققين يلتزمون باختصاصه بالروح الإنسانية. وحينما يقول عز وجل: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»، فإن مقتضاه كونها من شؤون أمره تبارك وتعالى؛ وحينئذٍ بالاستناد إلى قوله تعالى في سورة يس: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون؛ (كما في قوله تعالى: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [يس: 82])، يخلصون إلى أن الروح الإنسانية تتصف بذات الخاصية والأثر لكونها من سنخ الأمر الإلهي؛ فمتى حاز الإنسان هذه الروح، وصارت من سنخ الأمر الموصوف بـ «إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»، ثبتت له القدرة والمكنة على إيجاد الأشياء بمجرد الإرادة والطلب بالتبع.

السؤال: …

الأستاذ: إجمالاً، حتى لو تنزلنا عن دلالة الآية الثالثة، فإن الآيتين الأولى والثانية تنهضان دليلاً يقينياً على إثبات هذه المزية والخصوصية الموهوبة للإنسان بالخصوص.

المناقشة

والتساؤل الحقيقي يكمن في كنه قوله تعالى: «ونفخت فيه من روحي»؛ فهل يسوغ لنا القول بأن عامة البشر يتصفون بهذه السمة على وجه الفعلية منذ البداية كشأن العقل والفطرة والإرادة التي أثبتناها للإنسان، أم أن المراد هو الإشارة إلى وجود طاقة واستعداد خاص في الروح الإنسانية مفقود في سائر الأرواح، يمثل مكنة التحول والترقي ليكون الإنسان مظهراً وجلاءً للذات الإلهية؟ أي لكي يتجلى الباري بصفاته في مرآة وجود الإنسان؛ فيكون قادراً بفضل هذه الروح وهذا الاستعداد على الاتساع اللامتناهي. فالإنسان يولد بوعاء وجودي صغير، غير أنه يحمل من الأهلية والاستعداد ما يجعله متسعاً باستيعاب هذا الوجود بأسره ليرقى إلى مرتبة النبي (ص). فرغم كون النبي (ص) مصطفى ومختاراً بالذات، إلا أنه يمتلك روحاً إنسانية استثمرت كافة الطاقات والظروف الممكنة لتصير “أقرب المخلوقات إلى الله”.

وعليه، فلا ريب في حيازة الإنسان للروح الإلهية واختصاصه بهذا التكريم الرباني وهو كرامة عظيمة بلا شك، لم يحظَ بها كائن آخر. ولكن هل تتصف هذه الروح الإلهية بالفعلية في وجود الإنسان أم أنها مشروع مؤهل لأن يصير إلهياً؟ فبفضل هذه الطاقة والوعاء يتبوأ الإنسان مقام خلافة الله ويسجد له الملائكة؛ ولهذه الأهلية يحمل الأمانة الإلهية ويُعلَّم العلم الرباني. غير أن شيئاً من هذه الأمور لا يتصف بالفعلية، بل يدور في فلك الاستعداد والقدرة؛ وبهذا يفترق هذا المقام عن مقامي الإرادة والاختيار والعقل المعبر عنها بالفعلية. ولذا نذهب في تحقيق المسألة إلى أن هذه الكرامة لا تمثل كرامة فعلية متحققة في الإنسان ابتداءً بل هي استعداد مكنون؛ أي إن الإنسان مؤهل بفضل هذه الروح لنيل المقامات والكرامات العظيمة بالاكتساب، وهو ما يفترق بالتمام عن الفعلية والقوة في الطائفة الأولى. فالروح قد نفخت فيه فعلاً، غير أن فعلية انتسابها الإلهي تدور مدار سعي المكلف وترقيه، وهذا هو حقيقة الروح الإلهية المذكورة في لسان الأدلة.

السؤال: …

الأستاذ: أوضحنا سابقاً أن للعقل معنيين؛ أحدهما القوة الفارقة المميزة بين الخير والشر الخالصة من الشوائب والكدورات، وهي ما تؤول حقيقةً إلى الفطرة. والآخر هو القوة الممتزجة بالشوائب، ونقصد بها تحديداً قوة التفكير والتحليل وحركة الذهن من المجهول إلى المعلوم وعكسه، وهي سمة عامة يشترك فيها البشر قاطبة… وقد بينت أن الإنسان بمعزل عن الإيمان يتصف بالإرادة والاختيار؛ غير أن الإنسان من دون الإيمان لا يكون مسجوداً للملائكة بحال… والمطلب يقع هناك محلاً للبحث والمحاكمة.