الدرس الخامس، عشر المقام الأول
الدرس الخامس
عشر المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية في الإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 3. الفطرة – إشكال في ذاتية هذه الكرامة ودراسته – شواهد ذاتية هذه الكرامة – الشاهد الأول: الوجدان – الشاهد الثاني: الآيات – الطائفة الأولى إلى الخامسة 10 جمادى الأولى 1445 هـ
دار الحديث في الجلسة السابقة حول الفطرة بوصفها إحدى الكرامات الإلهية الممنوحة مأثوراً ومنحة من الله تبارك وتعالى للإنسان بشكل خاص؛ حيث قمنا بتبيين معنى الفطرة وأشرنا لتمايزها الصناعي عن الغريزة والطبيعة، كما تعرضنا لنوعي الفطريات بنحو موجز ومختصر. وأوضحنا أن فطريات الإنسان إما أن تندرج في حيز الإدراك والمتلقيات والمعارف الإنسانية، وإما أن تتصل بجهة النزوع والطلب والميل الجبلي؛ وبطبيعة الحال فإن الفطريات المرتبطة بالنزوعات والطلبات تنقسم بدورها إلى قسمين: قسم يتصل بالمسائل المادية والجسدية كالميل لتناول الغذاء عند عروض الجوع؛ وهي جملة النزوعات التي تعود بمجموعها لتقوية البنية الجسدية للإنسان، حيث يبرز جاذب داخلي نحو أمر مادي مشخص. وثمة قسم آخر من هذه النزوعات يتوجه نحو الأمور المعنوية والفرامادية، وهي التي تشكل في جوهرها ركيزة القيم الإنسانية والأخلاقية الشاخصة.
والنكتة الجوهرية هاهنا تكمن في كون هذا المطلب يمثل كرامة وشرفاً وعظمة حباها الله تعالى للإنسان بنحو اختصاصي. وكما أسلفنا في الجلسة الماضية، فإن الإنسان بمعزل عن عقیدته وإيمانه ومذهبه الفقهي واجد لهذه الخصوصية بالتمام؛ فالبشر قاطبة واجدون لها وهي متصفة بالفعليّة التكوينية ولا تفتقر للاكتساب والتحصيل الخارجي؛ ومن ثم يسوغ لنا تقرير كونها كرامة ذاتية، خاضعة لذات الخصائص والمقومات التي سطرناها سابقاً في حد الكرامة الذاتية.
إشكال في ذاتية هذه الكرامة
بيد أنه يلوح هاهنا إشكال مصور في المقام؛ ومفاده: أن خلقاً کثيراً من البشر قد فقدوا هذه الفطرة وانمحت هذه الكرامة في نفوسهم، سواء في ناحية المتلقيات والمعارف أو في ناحية النزوعات والطلبات. وبناءً عليه، يمتنع القول بكونها أمراً ذاتياً؛ إذ لو كانت من الذاتيات لما تطرق إليها التغيير والتبدل بالصناعة، ولما صح سلبها وانفکاکها؛ وصحيح أن غير الإنسان فاقد لهذه الخصوصية البنيوية، بيد أن وصف الذاتية بالمعنى الاصطلاحي الذي أسلفناه وضبطناه بعدة خصائص مفقود هاهنا بالوجدان.
دراسة الإشكال
والجواب عن هذه الشبهة والإشكال جلي ومستبين؛ إذ كما ألمعنا إليه في الجلسة السابقة، فإن الفطرة بمعناها العام الشامل لجهتي الإدراك والنزوع لا تنمحي بالكلية ولا تبيد؛ فالفطرة الإلهية المستقرة في الإنسان وذاك النمط الخاص من الخلقة الذي أوجد الله البشر عليه ممتنع على التغيير والتبدل التكويني بالتمام. نعم، إنها تقع في حيز الستر والحجاب ولكنها لا تنعدم ذاتاً؛ فنور الفطرة في النفس الإنسانية قد يعرض له الضعف الشديد والضآلة ولكنه لا يبيد بحال. وعنی کونه محجوباً ومستوراً، أنه يقع خلف الأستار لتعرض موانع وحواجب تحول بين الإنسان وفطرته الجبلّية. وأما ماهية هذه الأمور الصياغية التي توجد الحجاب بين المرء وفطرته، فلها بحث موسع وتفصيلي؛ إذ تتدخل عوامل شتى في صيرورة الفطرة زنگارية ومحجوبة. ونحن لا نروم حالياً الخوض في هذه التفصيلات؛ بيد أن هذه الفطرة الزنگارية المستورة المحجوبة، بمجرد عروض الموت والانتقال إلى عالم القيامة، تواجه الحقيقة الشاخصة فتشرع هناك في طلب الرجعة من الله تعالى لترد الدنيا فتمارس الإيمان والعمل الصالح. وهذا الطلب عينه هو تجلٍ لتلك الفطرة المستقرة التي تذكرت حقائقها بمجرد مواجهة الواقعيات في الآخرة؛ فليس الأمر أنها تعرفت على هذه الحقائق لأول وهلة، بل إن ما تشهده في عالم البرزخ والقيامة ينهض سبباً لتذكر وتجديد عهد تلك الأمور الكامنة في صميم فطرتها.
وعليه، فإن ضعف الفطرة في حق طائفة من البشر وجنوحها نحو الخمود يباين التغيير والتبدل بالصناعة، ولا يعد زوالاً وانعداماً بل هو محض ضعف عارض؛ وثمة فارق فاصم بين الزوال والضعف بالتفصيل. ولهذا، وكما أشرنا إليه سابقاً، تجد أن الأنبياء والأولياء الإلهيين يسعون دوماً وحتى اللحظات الأخيرة -حتى في حق أعتى الطغاة وأظلم البشر- وراء إحياء فطرته وتنبيهه؛ فدعوات الأنبياء قاطبة تصب في هذا المجرى الصياغي. فالجليل سبحانه يأمر موسى الكليم(ع) بالذهاب إلى فرعون ومخاطبته لإيقاظه وتنبيهه؛ ومخاطبة موسى لفرعون إنما كان غرضها وهدفها الأوحد هو توجيه نظره نحو فطرته الكامنة؛ أي إخراجه من حيز الستر والحجاب وتنبيهه على ذات الفطرة. وبناءً عليه، فهذا الأمر ذاتي بلا ريب. نعم، قد يعمد بعضهم إلى التغافل عن هذه الفطرة بالكلية فيقترفون من الموبقات ما يستحقون به العقاب، فهذا مطلب آخر؛ وكون بعضهم يتعرض للتشديد أو يُسن في حقه العقاب جراء أفعاله، فهو في الحقيقة جزاء وفاقاً لما اقترفته أيديهم، بيد أن الفطرة لا تزال مستقرة في ركيزة وجودهم.
شواهد ذاتية هذه الكرامة
وعلى أية حال، فبالنظر إلى ما سطرناه حتى الآن، يتضح جلياً أن الفطرة تمثل كرامة ذاتية بالصناعة. ومع ذلك، يمكننا إقامة جملة من الشواهد والأدلة من الكتاب العزيز والروايات الشريفة تبييناً وتثبيتاً لهذا المطلب.
الشاهد الأول: الوجدان
ولعل أبين الشواهد وأقربها متناولاً هو الوجدان البشري؛ فالوجدان ينهض بنفسه دليلاً وشاهداً مستقلاً. ومعناه أن كل فرد إذا رجع إلى وجدانه ونفسه، أدرك بالوجدان أنه حائز -في دائرتی المعرفة والنزوع معاً- على قضايا وأمور كأن الله قد صاغ جبلته عليها، وهي ميزة مشتركة بين بني البشر قاطبة. فالإنسان بمجرد الرجوع لسريرته يقف بسهولة على أن لأفكاره مباني وأصولاً مستقرة تُدعى بالبدیهیات، ولم يتلقها عن معلم خارجي؛ كما يدرك بالرجوع لذاته امتلاكه لفطرة توحيدية، وميلاً طبعياً لعبادة الخالق وتوحيده، ونزوعاً نحو الفضائل والمحاسن والجمال. فالإنسان واجد للقدرة على دراسة هذه الأمور وتلقيها في ذاته بالوجدان.
الشاهد الثاني: الآيات
والشاهد الثاني يتمثل في الآيات الكريمة الواردة في مأثور الكتاب العزيز؛ حيث يمكننا التمسك بخمس طوائف من الآيات على الأقل لإثبات هذا المطلب وتخريجه صناعياً.
الطائفة الأولى: آیات الميثاق
والدسته الأولى هي آیات الميثاق؛ ونعني بآيات الميثاق تلك الآيات الدالة على العهد والپیمان التکويني لا الپیمان الاعتباري القانوني؛ أي إن الله قد أخذ من البشر عهداً، وأودع البشر ميثاقاً تكوينياً ليكونوا موحدين ومطيعين للخالق وعابدين له دون سواه. ومنها:
-
الآية 172 و173 من سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)؛ يقرر الحق جل وعلا: واذكر إذ أخرج ربك من أصلاب بني آدم ذريتهم وجعلهم شهوداً على ذواتهم مستفهماً: ألسانت بربكم؟ فأجابوا بالقبول: بلى شهدنا وأقررنا بالربوبية. فالآية الأولى تنقل أصل هذه الواقعة التكوينية، ثم تعقب بنفي العذر عاقبة المطاف؛ لئلا تتذرعوا يوم البعث بالقول إننا كنا في غفلة وعمی عن هذا الميثاق والپیمان الفطري التوحدي، یا تعتذروا بأن آباءنا هم من أسسوا للشرك من قبل وکنا نحن ذرية تبعاً لهم من بعدهم، فهل تجازينا وتهلكنا بما اقترفه المبطلون وأسسوه؟ ومعناه أن الله تبارك وتعالى يقطع دابر العذر والحجة عن هؤلاء بالكلية؛ فيبين أنه أوقف البشر في موطن ما على حقيقة ذواتهم وجعلهم شهوداً عليها ليعاينوا ربوبية الحق جل وعلا، وفي ذاك الموطن استوهبهم الإقرار بـ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ). ويقول سبحانه: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)؛ فما هو مدلول هذا الإشهاد الصناعي؟ إن إشهادهم على أنفسهم يعني معاينتهم لحقيقة ذواتهم وإدراكها بالوجدان؛ وحيث إن حقیقت الإنسان محض ربط وجودي بالحق تعالى ولا حیثية لها سوى هذا الربط والفقر التكويني، فقد عاينوا حقيقة الخالق وأقروا له بالوحدانية والربوبية هناك.
السؤال: …
الأستاذ: الإشهاد على الذات؛ ما هي حقيقة ذواتهم؟ إنها عين الربط، وعين الحاجة والفقر المطلق. وحينما عاينوا هذا الأمر وأدرکوا أنهم هباء من دونه، ووقفوا على هذه الحقيقة بكونهم ظلاً وشعاعاً من وجود الله الفياض، أدركوا في ذاك الموطن أن الوجود کله لله، الله الواحد الأحد القهار.
وعند ذاك يقرر الحق سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ). فماداموا قد عاينوا هذه الحقيقة الناصعة جهاراً في ذاك الموطن، أجابوا بـ (قَالُوا بَلَى). فهذا هو الميثاق والپیمان التكويني الذي واثق الله الإنسان عليه، وحينما يقرر أننا خلقنا الإنسان على هذا الميثاق ومصحوباً به، فلا يبقى تمایز وفارق بين المؤمن والمسلم والكافر في أصل حيازته.
السؤال: …
الأستاذ: جعلهم شهوداً على ذواتهم؛ تارة تصبح شاهداً على أمر خارج عن إطار ذاتك فتعاينه؛ وتارة أخرى تصبح شاهداً على حقيقة مستقرة في صميم ذاتك. لقد ذهب وهمك نحو الجسد المادي الخارجي؛ … بيد أن المراد من (عَلَى أَنْفُسِهِمْ) هو إدراكهم لكونهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وأنهم محض ربط وفقر تكويني؛ لكيلا يعمدوا يوم يسائلهم ويحاكمهم إلى التذرع بأن آباءهم ساروا في طريق الباطل وتسجيل الاستفهام لِمَ ينالنا العقاب. فيقول سبحانه إنني أشهدتكم على حقيقة ذواتكم لتروا فقركم وعین ربطكم … وهذه الآية معروفة بآية الميثاق وهي تشير بالصناعة إلى ذاك الموطن التكويني الأسبق لا إلى يوم القيامة؛ فالقيامة موطن تذكير بهذا الأمر. … والشواهد والأدلة التي نسوقها، إنما هي شواهد على كون هذه الكرامة ذاتية وموهوبة من لدن الحق تعالى تكرماً. … وأنت تنحو بكلامك نحو تصوير ميثاق وپیمان اعتباري قانوني؛ كأن ثمة عقداً تدوينياً قد جرى توقيعه وصياغته بين الله والإنسان؛ وليس الأمر كذلك أصلاً، بل الآية تشير لعهد تكويني جبلّي؛ … فليس الحال أن الله جمع خلقاً وطرح عليهم القول فأجابوا بنعم لفظاً؛ بل المراد أن حقيقة الإنسان قد خُلقت معجونة وممزوجة بهذا الميثاق التكويني. ومعنى (قَالُوا بَلَى) ليس قبولاً وتصديقاً لأمر خارج عن ذواتهم بعد معاينته؛ بل المراد أنهم أُنشئوا وبُرئوا واجدين لهذه الحقيقة ولهذا الميثاق التكويني. وإنما صِيغ هذا المطلب بلسان أخذ الميثاق تبياناً وتثبيتاً لذات الاحتجاج والمحاكمة الفقهية والتكوينية التي ستقع يوم القيامة لئلا يرفع أحد عقيرته بالاعتذار والجهل بالمطلب.
الطائفة الثانية: آیات التذكر
والطائفة الثانية هي الآيات الدالة على التذكر والتنبيه؛ وثمة آيات غفيرة في القرآن الكريم تعرضت لمسألة التذكر والذكرى، وهذا المفهوم لا يستقيم صناعةً إلا بسبق معرفة وعلم متقدم يجري تذكيره وتنبیهه حالياً؛ قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: 21-22]؛ صغ دعوتك يا رسول الله على هذا النسق التذكيري للبشر. وهنا دخلت أداة الحصر اللغوية تفيد قصر الوظيفة؛ فليس شأنك إلا التذكير والتحذير المحض؛ وليس لك أن تجبرهم بالسيطرة والقوة والقهر برمتها على قبول التوحيد والعبادة والولوج في الدين حتماً. فما وراء التذكير من واجب يقع على عاتقك؛ بل إن محض وظيفتك منحصر في هذا المجرى بالصناعة. ومن ثم، فهذا التذكر والذكرى يتلازم عقلاً وصناعة مع معارف ونزوعات سابقة مستقرة هي عين الفطرة؛ الأمر الذي يحوزه البشر قاطبة بمعزل عن العقيدة والمذهب الفقهي، وما رسول الله(ص) إلا مذكر ومنبه له. وإنما افترق الأمر لكون الفطرة تعرضت للاستتار والستر جراء الأنس والملابسة بعالم المادة؛ فالطفل حينما يرد الدنيا، يباشر في أول أمره المحسوسات بالأدوات الحسية البدائية، وتنحصر رغباته ورؤيته في إطار تلك المحسوسات المادية؛ وكلما تقدم به العمر، اشتد أنسه وملابسته بعالم الطبيعة والمادة، وهذا الانسداد العرفي بعالم المادة يقصيه عن فطرته الجبلّية تدرجاً. ومعناه أن المعايشة في عالم الطبيعة والمادة بذاتها -لا سيما وأن إدراك الطفل في المبتدأ يقتصر على الأمور المحسوسة والجزئية- تصبح سبباً لصيرورة الفطرة خلف الحجب، وولادة ستر وحجاب وران بين المرء وفطرته التكوينية. ودعوة الأنبياء قاطبة إنما جُعلت لرفع هذا الحجاب بالذات، ورسول الله(ص) إنما بُعث لإزاحة هذا الستر وتحویل ذاك الضعف الجاثم على الفطرة إلى قوة ومنعة بالصناعة.
وهذا التذكر والذكرى عام للبشر جمعاء، مؤمنهم وكافرهم على السواء؛ نعم قد يثمر التذكير نفعاً وفائدة أعظم دراسة في حق المؤمنين، كما يقرر الحق سبحانه في سورة الذاريات: (وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: 55]؛ فالتذكير يعود بالمنفعة والأثر دائماً على أهل الإيمان؛ بخلاف الكفار فلا يقع منهم موقع النفع كمثل المؤمنين. وبطبيعة الحال، فإن تفاوت النفع قلةً وكثرةً ينهض شاهداً على أصل وجود تلك المعرفة المتقدمة المستقرة.
كما أن تذكير المولى سبحانه لا ينحصر في القول واللفظ بالصناعة؛ كأن يقتصر الأمر على قوله للنبي(ص) ذكّر ووعظ؛ بل قد يقع التذكير تارة بالفعل والسلوك والحادثة الخارجية؛ فالإيقاظ والتذكير يقع تكويناً لكثير من الناس. فالوقائع والمصائب والضغوط التكوينية التي تعتري البشر في خط الحياة، إنما تصاغ أحياناً من باب التذكير التكويني بتلك الحقيقة وبذاك الأمر الجبلي؛ ولعلها تعترض الكثيرين وتصبح سبباً رئيسياً لرجوعهم إلى جادة الفطرة المستقيمة؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) [الأنعام: 42]؛ وهذا الأخذ إنما جُعل لرد الأعناق نحو تلك الفطرة التوحيدية المستقرة؛ لعلهم يفيئون بالتضرع والإقرار بكونهم هباء من دونه والاعتراف بالحق سبحانه. أو كما يقرر في الآية 43 تعقيباً: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43].
الطائفة الثالثة: آیات النسيان
والطائفة الثالثة هي الآيات الشاخصة الدالة على نسيان الإنسان أو الإنساء الصادر من لدن الحق تبارك وتعالى؛ فتارة ينسى الإنسان تلقاء نفسه، وتارة أخرى يوقعه الله في النسيان تكويناً وعقوبة. فهذا النسيان العارض على الإنسان يتوجه نحو أي شيء بالصناعة؟ وما هو كنه الإنساء الإلهي الواقع في حق ذواتهم وفي حق بعض الأمور الأخرى؟ فهل يعقل هذا إلا بسبق معرفة متقدمة مستقرة في ركيزة وجودهم؟ فقد نسوا المعرفة والنزوع المتوجه نحو الخالق سبحانه، أو اقترفوا من الأفعال ما أوجب صيرورة هذه الأمور في طيات النسيان. وبناءً عليه، فالآيات المتكفلة ببيان نسيان الإنسان تنهض دليلاً على وجود هذه الفطرة؛ ومن المقرَّر صناعةً أن هذه الآيات قد كثر استعمالها وتطبيقها في حق الكفار والمشركين تحديداً؛ وإن وردت في حق المؤمنين في بعض الموارد إلا أن حضورها في حق الكفار أظهر. فما هو الشيء الذي نسوه واعتراهم الغفول عنه؟ إنه ذات الأمر المستقر في جبلتهم سابقاً؛ قال تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) [الحشر: 19]؛ فنسيانهم للخالق أوجب إيقاعهم في نسيان حقيقة ذواتهم تكويناً. ونحن لا نروم التوغل في تفسير هذه الآية الشريفة حالياً؛ بيد أن نسيانهم لله يطرح سؤالاً: أين تلقوا معرفته وعلموا بها حتى يصح في حقهم وصف النسيان؟ إنها عين المعرفة المتقدمة والنزوع الجبلي الأسبق. ونظير هذا التعبير اللفظي مستقر في آيات أخرى؛ كقوله عز وجل: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: 67]؛ حيث دار الكلام هاهنا حول نسيان ذات الحق سبحانه؛ فلم يقرر أنه أنساهم أنفسهم، بل بيّن أن نسيانهم لله قوبل بنسيان الله لهم جزاءً. والاستفهام الصناعي يبرز مجدداً: أين تلقنوا معرفة الله قبل هذا الموطن ليوصفوا بالنسيان؟ هل تلقوها عن آبائهم؟ وآباؤهم كانوا مشرکين بنص الكتاب؛ فإذن أين استقرت هذه المعرفة حتى نزل قوله نcumulative نسوا؟ إنها إشارة صريحة وبينة لعین الفطرة التكوينية.
الطائفة الرابعة: آیات التوجه إلى الله حال الخطر
وثمة طائفة أخرى من الآيات، وهي الدالة صراحة على توجه البشر نحو الخالق جل وعلا في بعض الأزمنة والأوقات، لا سيما عند إحساسهم بالخطر الداهم والمهلكة. وهذا المطلب وجداني بالكامل، بيد أن الله تبارك وتعالى قد نص عليه وأبرزه في جملة من الآيات؛ ومنها قوله سبحانه: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) [النحل: 53]؛ فجميع النعم متدفقة من لدن الخالق؛ ومتى ما دهمتكم مشكلة أو عرضت لكم محنة ونكبة، رفعتم أصواتكم بالاستغاثة والدعاء نحو الله وحده، فإذا ما کُشفت الغمة وزالت المحنة، عدتم لنسيان الخالق مجدداً. ومعناه أن هذا الأمر يقع لا شعورياً وبحكم الجبلّة عند عامة البشر ولا سيما الكفار والمشركين عند وقوعهم في معترك المهالك؛ فمتى ما هدد الخطر وجودهم، فزعوا نحو الله وحده. وهدايتهم اللاشعورية نحو الخالق وقت الخطر وخضوعهم له، ينهض بنفسه شاهداً وجلياً على وجود نزوع وميل مستقر في جبلة الإنسان؛ إذ لو انعدم هذا النزوع والميل باطناً، لما استقام فزعهم ورجوعهم إليه وقت المخاوف بالصناعة. ومثاله ما يقع في الأسفار، لا سيما السفر البحري القديم وما يكتنفه من أهوال ومخاطر غفيرة؛ حيث يقول سبحانه: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت: 65]؛ فحينما يستوون على ظهر السفينة وتحاصرهم الأمواج، يتوجهون بكل وجودهم نحو الله مخلصين له العبادة والطلب، فإذا ما تداركتهم النجاة ووطئت أقدامهم اليابسة والبر، عادوا للشرك مجدداً وصرفوا التوجيه. فهذا التوجه والالتفات هو عين الفطرة التوحيدية المستقرة في النفس الإنسانية.
الطائفة الخامسة: الآيات الدالة على محبوبية الإيمان
والطائفة الخامسة هي الآيات الدالة على محبوبية الإيمان بالله تبارك وتعالى وجاذبيته في باطن الإنسان؛ قال عز وجل: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 7]؛ فالله جل وعلا هو من أودع حب الإيمان في صميم أفئدتكم وصاغه زينة مستقرة في القلوب. وهذا محض صنع إلهي تكويني؛ ومعناه أن الإنسان بما هو إنسان -بمعزل عن نوع سلوكه وكيفية حركته وطبيعة الجواذب الخارحية والشهوية التي تؤثر عليه- واجد في عمق ذاته وسريرته لمحبة الإيمان والنزوع والالتفات إليه، ويعد هذا الأمر عنده بمثابة الزينة والجمال الباطني.
وتوجد طائفة كبیره من الروايات الشريفة المأثورة الحاملة لذات هذه المداليل والمضامين الصياغية، وهي دالة على هذا المدعى بالتمام؛ ويمكنكم مراجعتها والوقوف عليها إن شاء الله تعالى.