الدرس العاشر، المقام الأول
الدرس العاشر
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 1. العقل – الشواهد – الشاهد الأول: آية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…﴾ – متابعة البحث في الجهة الثالثة: خروج الملائكة – الجهة الرابعة: خروج الجن من دائرة كرامة العقل
18 ربيع الآخر 1446 هـ
خلاصة الدرس السابق
في سياق إثبات العقل كرامة ذاتية للإنسان، يختص بها ولا يشاركه فيها كائن آخر، استندنا إلى الآية 70 من سورة الإسراء. وفي معرض اتخاذ هذه الآية شاهداً على ذاتية كرامة العقل للإنسان، أشرنا إلى جهات عدة؛ الجهة الأولى: الفرق بين التكريم والتفضيل؛ والجهة الثانية: متعلق الكرامة، وبم تتحقق؛ والجهة الثالثة: خروج الملائكة من شمول هذه الآية، فلا هم في دائرة التكريم ولا في دائرة التفضيل. وكما بينا وفقاً لتعبير المرحوم العلامة، فالآية ناظرة للموجودات الكونية، ومفضية لأفضلية الإنسان على سائر الموجودات الدنيوية.
إذن، الآية ناظرة لخصوصية الإنسان بين الكائنات الكونية؛ فتكريمه بالعقل، وتفضيله بمقارنته مع سائر الكائنات المادية التي تعيش في هذا العالم تحت نظام دنيوي. ولذا، فالملائكة خارجون بالكلية، لا يشملهم شق الآية الأول ولا شقها الثاني؛ ففي الشق الثاني القائل: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾، لا يندرجون في دائرة هذا “الكثير”.
متابعة البحث في الجهة الثالثة
ولمزيد من الإيضاح، سأقدم توضيحاً موجزاً حول شق الآية: ﴿كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾.
تطرح احتمالات عدة لمعنى “الكثير” في هذه الآية:
-
أن “الكثير” بمعنى الجميع، و”مِن” بيانية؛ فيكون المعنى: فضلناهم على من خلقنا وهم كثير. بيد أن هذا الاحتمال يخالف ظاهر الآية وسياقها، وبطلانه غني عن البيان.
-
الاحتمال الأرجح هو أن “الكثير” يقصد به الخلائق الأخرى سوى الملائكة؛ كالجن والحيوان؛ أي إن الإنسان فُضل على سائر الحيوانات والجن؛ و”مِن” تبعيضية، فيأخذ ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾ معنى أعم يشمل الملائكة، والإنسان، والحيوان، والجن، وكل الكائنات التي تمتلك شعوراً بوجه من الوجوه. وحينئذ تكون “مِن” في ﴿كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾ تبعيضية، دالة على تفضيل الإنسان على الجن والحيوان، فتخرج الملائكة من دائرة التفضيل أيضاً. إذن، فالآية لا تنظر لتفضيل الإنسان على الملائكة، ولم تُسق لهذا الغرض. نعم، قد يُستند لآيات أخرى في هذا الصدد؛ وحينها ينبغي تحديد معنى التفضيل. وعليه، فالآية لا شأن لها بالملائكة؛ وهم خارجون بالكلية من شمولها.
بقي أمر واحد تعرض له المرحوم العلامة ولن نخوض فيه؛ وهو استدلال البعض بهذه الآية على أفضلية الملائكة على الإنسان؛ مستندين إلى هذا الشق: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾، حيث يرون فيه دلالة على وجود كائنات لم يقع التفضيل عليهم، وهم الملائكة؛ إذ إن الإنسان، في المحصلة، أفضل من سائر الكائنات. وثمة مجموعة لم يُطرح التفضيل بالنسبة لها هنا، وهم الملائكة؛ فيُستنتج من ذلك أفضليتهم على الإنسان.
وقد أُجيب عن هذا الاستدلال؛ وجوهر الإجابة، كما أشرنا في الدرس السابق وفي بداية هذا البحث، هو أن هذا التفضيل لا يمت بصلة أساساً للكائنات غير المادية أو النورانية؛ بل هو قياساً بالكائنات الدنيوية.
السؤال: …
الأستاذ: إن ﴿خَلَقْنَا﴾ يشمل الجميع … فـ “مَن خلقنا” عام، يشمل الملائكة، والإنسان، والجن، والحيوان، وجميع الخلائق. ﴿كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾؛ أي فضلنا بني آدم على كثير منهم. “كثير ممن خلقنا”، لا من كائنات هذه الدنيا. فهذا الكثير الذي هو من “خلقنا”، كائنات كونية ودنيوية. …
وقد اتضح حتى الآن وجه مقارنة الإنسان بهذه الكائنات؛ لسبق الحديث عن تكريم بني آدم والإشارة لجهة الكرامة. فالجهتان المذكورتان هناك ترتبطان بهذه الدنيا لا بأصل عالم الخلقة. … ولأوضح هاتين الجهتين وصلة الصدر بالذيل … فأصل الكرامة يعود لاختصاص الإنسان بالعقل، وقد بينا معناه؛ وفيما بعد، ما صنعه الله بالإنسان كنتاج لهذه الكرامة الأولى، هو تسخير البر والبحر واستخدام سائر الكائنات …
ويضرب مثالاً قائلاً إن حال الإنسان في هذا التكريم الإلهي كحال من تدعوه لتناول الطعام وترسل سيارة لتقلّه. فهذا التكريم واقع في طيات التكريم الأول؛ فالأصل واحد، والسبب في كل تلك التكريمات هو الدعوة، ولكن تبعاً لها، يُرسل سيارة لتقلّك؛ ثم يضيّفك بألوان الأطعمة، ويختمها، على حد تعبيره، بهدية، ثم يوصلك إلى منزلك. فأصل التكريم نابع من تلك الدعوة؛ وما يعقبها من خطوات هو تكريم منبثق من التكريم الأول وعناية مضاعفة. وهنا الأمر ذاته؛ فيقول إن الله وهب بني آدم العقل؛ وهو علة العلل لجميع المزايا والنعم الأخرى التي يحظى بها الإنسان. وامتداداً لذلك، يطرح مسألة تسخير سائر الكائنات، وتسخير البر والبحر، واستخدام الموجودات الأخرى. ويعبر عن ذلك بأن عطف “حملناهم” و”رزقناهم” هو في الواقع من قبيل عطف المصاديق المترتبة على العنوان الكلي المُنتزع منها.
إذن، نرى أن الله قد أقر كرامة للإنسان وشرّفه بالعقل؛ وجميع البشر يحظون بذلك، وهو بالطبع مختص بالإنسان، دون سواه من الكائنات. والملائكة خارجون من دائرة هذا البحث وهذه الآية؛ وقد وضحنا ذلك وأشرنا لمسألة التفضيل والأفضلية.
الجهة الرابعة: خروج الجن من دائرة كرامة العقل
بيد أن تساؤلاً طُرح في الدرس الماضي، ويمكننا طرحه في هذا الدرس كجهة رابعة في هذه الآية، وهو: إذا قيل إن العقل مختص بالإنسان، ولا يشاركه فيه أي كائن آخر، فكيف أُخرج الجن من دائرة اختصاص العقل؟ فالجن يحظون أيضاً بنصيب من الشعور والوعي؛ بل إن الحيوانات كذلك. إذن، كان ينبغي، في الواقع، طرح العقل كنعم ومواهب مشتركة بين الإنسان وغيره، غاية الأمر أن نصيب الإنسان منها أوفى من نصيب الجن والحيوان وغيرها. وهذا تساؤل مشروع في هذا المقام.
وجوابنا هو أن ما وُهب للإنسان لم يوهب للجن؛ فالعقل بمعنى قوة كشف المجهول يختص بالإنسان. والتفكير حكر على البشر؛ ولا قدرة للجن على التفكير وكشف المجهولات. نعم، قد يتوافر لديهم مستوى من الشعور أو الوعي الذاتي الذي كُلفوا بموجبه وباتوا مشمولين للثواب والعقاب، ولكنهم لا يمتلكون العقل بهذا المعنى. ويحتاج الحديث عن الجن إلى تفصيل واسع، ولكن المرحوم العلامة نفسه ذكر للجن خصائص؛ كامتلاكهم حياة وموتاً، وبعثهم في القيامة، وكونهم مخلوقين من نار والإنسان من طين، وسبق خلقهم لخلق الإنسان. وأنهم غير قابلين للإدراك بالحواس الخمس، وقادرون على أداء المهام الشاقة، ويحظون بنصيب من الشعور. غير أن الشعور شيء، والعقل شيء آخر؛ فالحيوانات تمتلك أيضاً نصيباً من الوعي، أما العقل بالمعنى الذي بيناه، كقوة تمييز الخير من الشر والنافع من الضار، والقابل للتعالي والتكامل وبلوغ أسمى الذرى، فهو منتفٍ قطعاً في هذه الكائنات. حتى في ظل وجود ذكر وأنثى فيهم، ومؤمن وكافر، وصالح وفاسق، وتوالد وتناسل، وإيمان وتصديق بعضهم بالنبي (ص) والقرآن بخلاف البعض الآخر؛ وتكليفهم وثوابهم وعقابهم.
السؤال: …
الأستاذ: هذا ينسحب على سائر الكائنات؛ فحينما يقول العرفاء إننا نسمع تسبيح الحجر والجدار والباب … قلت إن التفكير حكر على البشر وهو عقل البشر … فكل كائنات هذا العالم تسبح الحق تعالى؛ وتدرك الله وتراه وتستفيض منه. … فهم مأمورون وأُمروا بما يفعلون؛ ما أريد قوله هو أن قولي بامتلاكهم نصيباً من الشعور، لا ينبغي أن يُفهم منه اشتراكهم مع الإنسان في هذا الفهم، مع تفوق فهم الإنسان؛ كلا، فجنس قوة الجن المدركة يختلف عن جنس قوة الإنسان؛ لم يُقل إنهم يمتلكون عقلاً، بل قيل إنهم يمتلكون شعوراً. وهناك فارق بين العقل والشعور؛ فالحيوانات تمتلك مستوى أدنى من الشعور ولكن لا يُقال إنها تمتلك عقلاً، ولا يُقال إن الجن يمتلكون عقلاً. وإذا قيل ذلك في شأنهم، فهو مجاز. فالعقل نعمة اختصاصية؛ … والبحث يدور حول اختصاص هذه النعمة بالكائنات الدنيوية … هل تمتلك الكائنات المجردة عقلاً أيضاً؟ نعم. فالآية تقرر أننا خصصنا الإنسان بالعقل من بين هذه الكائنات المادية الدنيوية؛ وهذا لا يعني نفي العقل عن الكائنات المجردة. نحن لا شأن لنا بهذا الآن؛ ونقول الآن إن الجن لا يمتلكون العقل بمعنى قوة الإدراك، والتفكير، وقدرة كشف المجهول بضم المعلومات. … فهم يمتلكون قدرة على الفهم في حدود التكليف المناسب لهم، وتكليفهم لا يماثل تكليف الإنسان …. ما أقوله هو أنه بموجب هذه الآية … يرى البعض أن فيهم رسلاً من جنسهم أيضاً؛ وهذا لا يشمل الجميع، بل طُرح لعدد خاص منهم.
وعلى أية حال، لا ريب في وجود كائنات خاصة بقدرات خاصة ومستوى معين من الشعور؛ ولكن ما يمتلكونه من شعور يتباين في ماهيته عن عقل الإنسان. فعقل الإنسان شيء آخر بالكلية، وهو قوة بُيّنت أوصافها في بعض الروايات؛ وهي غير موجودة في أي من الكائنات الأخرى، بل هي حكر على الإنسان.
إذن، ففي الجهة الرابعة أيضاً نقول إن الجن والحيوان قد يحظيان بنصيب خاص من الشعور، ولكنهما محرومان من العقل. ولذا، فالجن والحيوانات مشمولون لهذا الشق من الآية: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾؛ أما ﴿كَرَّمْنَا﴾ فمختص بالإنسان، وهو نعمة خاصة يحظى بها ولا يشاركه فيها أي كائن آخر.
السؤال: …
الأستاذ: إن الامتياز الاختصاصي هو العقل … فاختصاص نعمة العقل شيء، والتفضيل شيء آخر ..
فتحصل مما ذكرنا كله
لقد بحثنا في هذه الآية واستندنا إليها كشاهد لإثبات العقل ككرامة ذاتية للإنسان. فلتأخذوا بعين الاعتبار مجمل ما قيل. فها نحن نرى الحديث يدور حول التكريم والتفضيل؛ فالتكريم مختص بنوع من الموهبة يُحرم منها الآخرون، أي إنها اختصاصية للإنسان، وهي قوة العقل. والتفضيل يعني تفضيل الإنسان في أمور يشترك فيها مع كائنات أخرى، بيد أن الإنسان يمتلك ما هو أوفى وأرقى وأسمى؛ فمثلاً، يأكل الإنسان ويأكل الحيوان؛ ولكن شتان بين طعام الحيوان وطعام الإنسان. فطعام الإنسان يتميز بتنوعه، وتعقيده، وطهيه، وتنسيقه … فالكل يأكل، ولكن شتان بين هذا الطعام وذاك. والفارق الأهم هو أن الإنسان يطهو طعامه بينما لا يفعل الحيوان ذلك. وهذا هو التفضيل. وكمثال آخر، يختلف لباس الحيوان عن لباس الإنسان؛ …. يشترك الإنسان والحيوان في النكاح والمسكن وأمور كثيرة، ولكن شتان في الكيفية … هل يمتلك الحيوان اختياراً وإرادة؟ إنها غريزة وليست إرادة. … فالنعمة الاختصاصية هي العقل؛ وهذا التفضيل الذي حظي به الإنسان يُقاس بالكائنات المادية والانتفاع … فالآية لا تروم إحصاء جميع مزايا الإنسان هنا؛ فليس المقام مقام ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولا ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾؛ بل تصف الإنسان من هذه الحيثية، فلماذا تصرون على إقحام كل شيء فيها؟
فالمحصل مما ذكرنا كله أن العقل يُعد مبنى مقبولاً للكرامة الذاتية للإنسان.