The news is by your side.

الدرس الرابع، أقسام الكرامة، 1. الكرامة الذاتية، 2. الكرامة الاكتسابية

الدرس الرابع
أقسام الكرامة – 1. الكرامة الذاتية – 2. الكرامة الاكتسابية – الفوارق بين قسمي الكرامة – الاختلاف في معنى الكرامة الذاتية ونطاقها – مقامان في البحث

24 ربيع الأول 1446 هـ

خلاصة الدرس السابق

كان من المقرر أن نعرض بعض المطالب حول أقسام الكرامة؛ فقدمنا مقدمة، ونعقبها بتقديم إيضاح حول القسمين المعروفين للكرامة، وهما الكرامة الذاتية والاكتسابية. غير أننا نلفت عنايتكم إلى أن هذين القسمين ليسا بالضرورة محل اتفاق، سواء في عنوانهما أو في تبيينهما. وإجمالاً، فقد اشتهر هذان الاصطلاحان ومفادهما أن للكرامة قسمين: أحدهما الكرامة الذاتية، والآخر الكرامة الاكتسابية.

1. الكرامة الذاتية

الكرامة الذاتية تعني كرامة الإنسان بما هو إنسان، وشرفه، وخصيصته، ومنزلته، ورتبته، وامتيازه. فالكرامة الذاتية للإنسان تعني المكانة والمنزلة والقدر والرتبة والشرف والامتياز الثابت للإنسان بما أنه إنسان؛ وهذا ما يُعبّر عنه بالكرامة الذاتية. وعادة ما يُلحظ هذا المعنى في مقام المقارنة مع سائر الكائنات؛ حيث يقال إن للإنسان خصائص ومميزات لا توجد في الكائنات الأخرى. وهذا ليس مجرد اختلاف، بل هو مزية وفضل. وبطبيعة الحال، هذا مجرد تصور؛ إذ يُطلق البعض مثلاً على ذلك مصطلح “المعطيات التكوينية” التي منحها الله للإنسان؛ أي إن الإنسان يمتلك معطيات تكوينية تفتقر إليها الكائنات الأخرى. وسنشير لاحقاً إلى ما إذا كانت الكرامة الذاتية تعني محض النعم الخاصة التي وهبها الله للإنسان، أم إنها تُعد عظمة وشرفاً له. فعلى سبيل المثال، من الأمور التي تُذكر للإنسان استقامة القامة؛ فيقال إن الإنسان مستقيم القامة، ولا يوجد كائن آخر على هذه الشاكلة. قد تنتصب بعض الحيوانات أحياناً، ولكن خلقتها ليست كذلك؛ فهي تتحرك عادة على بطونها أو على أطرافها الأربعة؛ وربما تمشي أحياناً على قدمين، لكنها تستعين بأطرافها الأمامية في حركتها في نهاية المطاف. وعلينا أن نحدد نطاق هذه الكرامة الذاتية التي نتحدث عنها.
وعلى أية حال، فهذا هو المعنى المتعارف للكرامة الذاتية. ولذا، لا أدّعي خلوّه من الاختلاف، ولكن في المحصلة، هذا هو المعنى الذي يُفهم غالباً من الكرامة الذاتية؛ أي ثمة أمور منحها الله للإنسان ولم يمنحها لسائر الكائنات، وهذا يمثل مزية وتفضيلاً، ومكانة ومنزلة للإنسان. وحينئذٍ تُذكر لها بعض الخصائص التي سأعرض لها عند مقارنتها بالكرامة الاكتسابية.

2. الكرامة الاكتسابية

الكرامة الاكتسابية تعني تلك الكرامة التي تنشأ في خُلق من أخلاق الإنسان وفي صفة من صفاته؛ كأن يتحلى شخص مثلاً بصفة الجود، والعفو، والإيثار، وما شابه ذلك. وإذا كنتم تذكرون، فقد أُشير إلى هذين المطلبين في “معجم مقاييس اللغة”. ورغم أنه لم يُصرح باسم الكرامة الذاتية، إلا أنه قال في شأنها: «شرف في الشيء في نفسه»؛ وأورد في شأن الكرامة الاكتسابية ما نصه: «شرف في خُلق من الأخلاق». فقد اعتبر كليهما شرفاً؛ غير أنه بيّن أن الشرف تارة يرتبط ببعد من أبعاد الأخلاق أو بصفة من الصفات الإنسانية؛ وتارة أخرى يثبت للإنسان في نفسه بما أنه إنسان. وقد أُطلق على القسم الأول اسم “الكرامة الاكتسابية”، وكما يتضح من اسمها، فهي لا تحصل للإنسان تلقائياً، بل تُنال بالاكتساب والترويض والممارسة والمداومة. إنها منزلة وشرف يتحققان بجهد الإنسان وسعيه، في حين يُطلق مصطلح “الكرامة الذاتية” على الشرف الثابت للإنسان بما أنه إنسان دونما سعي أو اكتساب.

الفوارق بين قسمي الكرامة

يوجد بين هذين القسمين فوارق تتضح إجمالاً من خلال الإيضاحات التي قدمناها.

خصائص الكرامة الذاتية

  1. أولاً، كما يتضح من اسمها، ترتبط هذه الكرامة بذات الإنسان، وليست وصفاً يعرض عليه؛ أي إن جميع البشر يحظون بها بغض النظر عن عقائدهم، وأعراقهم، ومذاهبهم، وألوانهم، ومناطقهم الجغرافية.

  2. أنها ليست إرادية ولا اختيارية؛ أي إنها لا تنشأ بإرادة الإنسان.

  3. أنها غير قابلة للسلب، ولا يسع الإنسان سلبها عن نفسه. فمثلاً، لا يمكن للإنسان أن يسلب عن نفسه استقامة القامة. ولنفترض أن الأمور التي تُذكر للإنسان كالقوة العاقلة، والإرادة، والاختيار، لا يمكن للإنسان نفيها عن نفسه. نعم، قد يسلب الاختيار عن نفسه في بعض المواضع، ولكن سلب الاختيار هذا ينشأ أيضاً عن إرادة الإنسان واختياره.

  4. الكرامة الذاتية ليست ذات مراتب؛ فالقوة العاقلة موجودة؛ والمقصود هنا أصل القوة العاقلة وليس مستواها. فجميع البشر يمتلكون القوة العاقلة؛ وقد يكون هذا الاستعداد أقوى لدى شخص دون آخر، لكن أصل القوة العاقلة موجود لدى الجميع. وكذا الحال في الاختيار؛ فالجميع مختارون لولا طروء بعض العوارض والموانع.

خصائص الكرامة الاكتسابية

  1. الكرامة الاكتسابية ليست وصفاً للذات؛ وليست «شرفاً في الشيء في نفسه»؛ بل كما ذكرنا، هي متحققة في خُلق من أخلاق الإنسان أو في صفة من صفاته.

  2. أنها اختيارية وإرادية؛ لأنها تُنال بالاكتساب. فإذا اكتسبها الإنسان، حظي بها؛ وإن لم يكتسبها، فلا شيء له.

  3. أنها قابلة للسلب؛ أي يمكن للمرء مثلاً أن يُبعد عن نفسه صفة الجود والعفو والإيثار. نعم، إذا تعززت هذه الصفات حتى بلغت مرتبة الملكة، فمن الطبيعي أن يكون زوالها أشد صعوبة، ولكنه يظل ممكناً.

  4. رابعاً، أنها ذات مراتب؛ أي تقبل الزيادة والنقصان. فهذا جواد، وذاك أجود منه؛ وهذا صفوح، وذاك أكثر صفحاً.

السؤال: …
الأستاذ: نقول هناك إن الله تعالى قد منح الإنسان هذه القوة وهذا الاستعداد لتمييز الأمور ومعرفتها. أو خذ مثلاً “القوة الضاحكة”؛ فأنتم تقولون إن الإنسان ضاحك؛ والمقصود هو القوة الضاحكة. ولا يسعنا القول إن أحدهم أشد ضحكاً والآخر أقل ضحكاً. أو إن هذا أشد حيوانية، وذاك أقل؛ وهذا أشد نطقاً، وذاك أقل. فهذا لا معنى له. وبناءً على هذا البيان، فإن الكرامات الاكتسابية تتصف بالشدة والضعف وتُعد ذات مراتب.
هذه صورة كلية عن الكرامة الذاتية والكرامة الاكتسابية. وقد ورد هذا في بعض الأقوال والكتابات. أرجو الدقة هنا! يجب أن تتضح هذه الأمور حقاً؛ فأنا أواجه أحياناً بعض التوقعات والمطالب التي تدعو إلى تجاوز هذه المباحث بسرعة بحجة عدم ضرورة التوقف عند هذه الأمور البديهية. ولكن في الواقع، تنشأ المشكلات من عدم إيضاح هذه الأمور التمهيدية بشكل كافٍ. وسيتضح لكم الأمر بمجرد أن أشرع في الإيضاح.

الاختلاف في معنى الكرامة الذاتية ونطاقها

يُعد هذا التقسيم، بالبيان الذي ذكرناه، تصوراً ومقاربة حول الكرامة الذاتية، وسأوضحه في طيات استعراض الأقوال. وبناءً على هذا البيان، لدينا كرامة ذاتية وكرامة اكتسابية. وتوجد بينهما نسبة ورابطة؛ أي إن الكرامة الذاتية هي في واقعها مقدمة ورصيد للكرامة الاكتسابية. ولأن الله المتعال قد تفضل على الإنسان بهذه الكرامات، وحظي الإنسان بهذه الخصائص، فقد نال قابلية اكتساب كرامات أخرى. ولأنه في نفسه وبما أنه إنسان قد امتلك هذا الشرف، وامتلك العقل والإرادة، وحظي بالاختيار وكان مختاراً، ولأن الله قد نفخ فيه من روحه، وخُلق على الفطرة الإلهية، وانطوى في داخله على هذا الميل نحو الله وطلب الحق، وجمع بين الوجود الملكوتي والملكي؛ فإنه يمتلك رصيداً لاكتساب كرامات خاصة. هذا بيان كلي لهذين القسمين من الكرامة، وما بينهما من فوارق ونسبة.
ولعل مصطلح “الكرامة الذاتية والاكتسابية” تعبير حديث نسبياً؛ فربما لم نكن نلحظ هذين الاصطلاحين مسبقاً في كلمات العلماء وكتاباتهم؛ غير أن البعض حاول حمل تلك العبارات والآراء والكتابات على هذين القسمين المذكورين. وسأنقل لكم نموذجين على ذلك.

1. كلام العلامة الطباطبائي

لقد تناول المرحوم العلامة الطباطبائي هذا الموضوع بتفصيل أوفى، وأشار إليه في عدة مواضع من تفسير “الميزان”. فمثلاً، عند بيان الفارق بين “الرحمن” و”الرحيم”، يقول إن صفة “الرحمن” تمثل ضرباً من الكرامة الإلهية التي تشمل البشر كافة، ولا يُستثنى منها أحد مهما كان مذهبه أو مسلكه أو سلوكه؛ فهذا تكريم عام. ويضيف أننا في قبال ذلك، لدينا كرامة خاصة تشمل بموجبها الكرامة الإلهية بعضاً من الناس؛ وهم أهل الإيمان والعمل الصالح والطاعة والعبادة. وحينئذٍ يحظى هؤلاء بكرامة إلهية خاصة؛ إذ يمنحهم الله شرفاً، ويقر لهم بمزية وخصيصة. ويقرر (رحمه الله) أن “الرحمن” يشمل جميع البشر بغض النظر عن خصائصهم، في حين أن “الرحيم” هو تكريم خاص ببعض الأفراد. فبحثه هنا يتركز حول التكريم الإلهي؛ أي إنه يقصد أن لله تكريماً خاصاً وتكريماً عاماً. والآن، هل كون الله يمتلك تكريماً عاماً وتكريماً خاصاً يعني أن البشر بدورهم يحظون بنوعين من الكرامة؟ إن معنى الرحمانية والرحيمية جلي؛ ولكن هل يعني هذا أن الله قد منح بعض البشر شرفاً على نحو خاص، ومنح جميع البشر شرفاً آخر؟ وهل يمكن أن نستنتج من صفتي “الرحمن” و”الرحيم” أن رحمانية الله تقتضي شرفاً إنسانياً عاماً، وأن رحيميته تقتضي شرفاً إنسانياً خاصاً؟

السؤال: …
الأستاذ: إن رحمة الله عامة، ولكن هل يعني هذا شرفاً إنسانياً لجميع البشر؟ … إن جميع الكائنات مشمولة بهذه الرحمة، وجميع البشر في دائرة نوعهم يتمتعون بخصائص معينة؛ فكون الله يكرم عامة البشر، وكونه يحيطهم بتكريم عام، … قد وهب البشر نعمة خاصة لم يهبها لأي كائن آخر؛ وقد ذكروا عدة أمور في هذا الصدد. فهل يسعنا القول إن صفة رحمانية الله، بالبيان المذكور، تلازم كرامة ذاتية للإنسان؟ … هذا يختص بالإنسان على وجه التحديد. … إن الله تبارك وتعالى يرزق النباتات غذاءها بما يتناسب معها؛ والإنسان، بالنظر إلى المرتبة النباتية في حياته، يستفيد من الغذاء أيضاً. كما يمتلك الإنسان مرتبة حيوانية؛ وهو يشترك مع جميع الحيوانات في هذه المرتبة. إذن، للإنسان جهة اشتراك مع الحيوانات والنباتات. وكونه يشترك مع سائر النباتات والحيوانات في الحياة الحيوانية والنباتية، يقتضي بطبيعة الحال أن يحظى بمنافع تتناسب مع تلك الحياة الحيوانية والنباتية. نعم، هذا لا يختص بالإنسان؛ ولكن حتى في الحياة النباتية والحيوانية، تمتلك الحياة الحيوانية مزية على الحياة النباتية … لقد حرفتم مسار السؤال؛ سؤالي كان: هل يُعد هذا الإنعام الإلهي، من حيث شموله لجميع البشر بما هو إنسان، تكريماً؟ وهل راعى الله منزلة الإنسان حينما خصه بمثل هذه النعم؟ هل يسعنا القول إن هذا يعادل الكرامة الذاتية للإنسان أو يلازمها؛ بمعنى أن الله قد وهب الإنسان بما هو إنسان أموراً لا يسلبها إياه، ولا ينزعها من أحد؛ ولا يسع البشر أنفسهم أن يسلبوها عن ذواتهم؟ إن هذا ينبع من ذات الإنسان؛ وهي أمور غير إرادية. وتتعدد التعابير هنا؛ فهل كون الله قد كرم الإنسان يلازم مثلاً أن الإنسان يحظى بكرامة ذاتية أيضاً؟ يجب علينا هنا أن نبحث في معنى “الذاتي” ونقول إنها كرامة اختصاصية؛ فهل هذا الذاتي هو الذاتي في باب البرهان، أم الذاتي في باب إيساغوجي؟ وما هو الفارق بينهما؟

2. كلام الإمام الخميني

للإمام (ره) مطلب في كتاب “شرح حديث جنود العقل والجهل”. وهذا الكتاب القيّم أوصي بشدة بمطالعته؛ لأنه من الكتب التي أرى أنها تحدث تحولاً في نفس الإنسان. ورغم أنه لم يطرح في هذا الكتاب عنوان الكرامة الذاتية والكرامة الاكتسابية صراحة، إلا أنه تطرق إلى بعض الامتيازات التكوينية للإنسان. فيقول: «إن الله تبارك وتعالى قد تفضل على الإنسان بألطاف ورحمات خاصة، علاوة على تلك الرحمات التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات وتتدخل في حياته الحيوانية أو مقامه النباتي؛ بل إنه جل وعلا قد ميز الإنسان عن سائر الحيوانات بكرامات حتى في هذه المقامات». وهذه هي النقطة عينها التي أشرت إليها؛ أي إنه في الواقع توجد مشتركات بين الإنسان وسائر الحيوانات، ولكنه مع ذلك قد منحه امتيازات خاصة حتى في هذه الحياة الحيوانية؛ من حيث طريقة تناول الطعام، وأسلوب المشي، وارتداء اللباس. فهذه الأمور لا صلة لها بالجنبات الإنسانية ومقام الخلافة؛ بل جعل للإنسان كرامات خاصة في صميم الحياة الحيوانية والنباتية. أو لنأخذ مثلاً قوله حول لباس بني آدم، حيث يذكر: «للإنسان لباسان؛ لباس ظاهر ولباس تقوى؛ فيقول إن اللباس الظاهر هو من نعم الله التي تستر عورة بني آدم، وهذه كرامة خاصة بذرية آدم (ع) لم يعطها لتِلك الكائنات، غير أن على المؤمنين أيضاً أن يصرفوا هذه النعمة في أداء الواجبات الإلهية». فتعبيره هو: «هذه كرامة خاصة بذرية آدم»؛ فهو هنا ينسب الكرامة إلى الله؛ أي إن الله قد تفضل بكرامة؛ وهو ما يشابه ما قاله المرحوم العلامة، أي إن الله قد كرم الإنسان؛ ولا نقاش في أصل التكريم، بل في كونه تكريماً خاصاً أم عاماً. والآن، هل التكريم الإلهي العام، أي تلك الكرامات التي خص بها الله الإنسان بما هو إنسان، هو عين الكرامة الذاتية للإنسان أم يختلف عنها تماماً؟ إن الكرامة الخاصة التي ذكرها هنا، لا يُقصد بها ذلك التكريم الإلهي الخاص؛ بل هي خاصة بالإنسان أيضاً، وتختلف عن التكريم الخاص ولباس التقوى وتلك المقامات الإنسانية والمعنوية للإنسان.
وعلى أية حال، فرغم عدم استخدام تعبير الكرامة الذاتية والاكتسابية في الكلمات، إلا أن البيانات والمطالب المطروحة في هذا الصدد يمكن أن تنطبق عليهما. فكرامة الله للإنسان، وتكريم الله… التكريم يعني تعظيم الإنسان وإجلاله؛ فالله قد عظم الإنسان، وأقر له بشرف ومنزلة ومكانة وقدر ورتبة بأن منحه شيئاً خاصاً. فيمكننا القول إذن إن الإنسان قد غدا صاحب ذلك الشرف؛ فحينما يمنح الله، يصبح الإنسان صاحب تلك الكرامة. فالله يكرم ويعظم، والإنسان يعظم إثر ذلك؛ ولا يُتصور أن يكرم الله فلا يصبح الإنسان صاحب كرامة. لا يُتصور أن يعظم الله ويمنح شرفاً، ولا يغدو الإنسان صاحب ذلك الشرف؛ إذن، من خلال كلمات الأعاظم، ورغم عدم توظيف هذين المصطلحين بكثرة، يسعنا أن نستنبط من أقوال أهل التفسير وجمع غفير من العلماء أن الإنسان يحظى على وجه التحديد بهذا الشرف والعظمة والمرتبة والقدر والمنزلة والجلالة.

السؤال: …
الأستاذ: فيما يخص “الرحمن”، يقول إن هذا ضرب من الكرامة الإلهية التي تشمل البشر كافة؛ كرامة الله للإنسان… وما هي الرحمة العامة؟ …
المهم هو أن هذه الكرامة الذاتية التي يُعد أصلها مسلّماً، تعني أن الله قد جعل للإنسان أموراً خاصة، نطلق عليها نحن اسم “الكرامة الذاتية”؛ ولكن ما هي هذه الكرامة الذاتية؟ تتعدد التعابير؛ فالبعض يسميها “الامتيازات التكوينية”؛ وآخرون يصفونها بـ “المعطيات التكوينية”؛ وتُذكر مصاديقها أحياناً؛ كالألطاف الخاصة؛ فيقول مثلاً إن إيجاد المحبة بين الأم وولدها يُعد ميزة خاصة في الإنسان؛ نعم، الحيوانات تمتلكها أيضاً، ولكنها ليست في أي كائن بالصورة التي جُعلت بها في الإنسان. فهل المراد هو الامتيازات التكوينية والفوارق التكوينية؟ وهل تشمل هذه المعطيات التكوينية نفخ الروح الإلهية؟ وهل تشمل جعل الخلافة الإلهية أم لا؟ وهل هذا الشرف والكرامة التي يذكرها البعض بوصفها شرفاً وكرامة ذاتية، تنحصر في الامتيازات التكوينية للإنسان فحسب؟ إن امتيازات الإنسان وفوارقه التكوينية عن سائر الكائنات معلومة، ولكن هل ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، و﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وغيرها من الأمور المرتبطة بخلقة الإنسان، ترجع إلى ذات جنبة الكرامة الذاتية، أم إن هذا النفخ للروح، وتسوية الخلق في أحسن صورة… ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وأمثال ذلك، لا صلة لها بالامتيازات والفوارق التكوينية؟ ثمة اختلاف هنا؛ ويتحتم علينا استعراض الأقوال في هذا الشأن ودراسة الأدلة.
لقد قدمنا في هذا الدرس إيضاحات كلية حول أقسام الكرامة، وقلنا إجمالاً إنه يمكن تتبع هذين القسمين في كلمات الأعاظم، إلا أن المعنى المراد من الكرامة الذاتية، أو التفسير المقدم للكرامة الاكتسابية، يظل موضع بحث. فلا خلاف في الكرامة الاكتسابية؛ غير أن الاختلاف قائم في الكرامة الذاتية. ومن أبرز هذه الاختلافات هو النطاق الذي تشمله الكرامة الذاتية أساساً؛ وهل لدينا أصلاً شيء يُدعى الكرامة الذاتية أم لا. وهل هذه الخصائص الأربع المذكورة للكرامة الذاتية مقبولة عند الجميع؟ كأن يقال مثلاً إن هذه الكرامات غير قابلة للسلب؟ إن هذه الأمور موضع نقاش وبحث.

مقامان في البحث

سنعقد البحث لاحقاً في مقامين؛ أرجو الدقة؛ فهذا مهم؛ إذ إنها تمثل ركائز هذا البحث ودعائمه.
المقام الأول يدور حول أصل وجود الكرامة الذاتية وتحديد نطاقها. فلو أردنا تجاوز الأمر هكذا، والإتيان بأربعة أدلة أو آيات لنحكم بثبوت القاعدة أو ردها، فالواقع أن هذا لا يؤسس لركائز متينة؛ إذ يجب علينا في المقام الأول أن نرى ما إذا كان لدينا شيء يُسمى الكرامة الذاتية أم لا. وإذا كان موجوداً، فما هي مبانيه وأدلته؟ وما هو نطاقه؟ وما هي التصورات القائمة حول هذه الكرامة الذاتية؟
المقام الثاني، هو البحث فيما إذا كانت هذه الكرامة الذاتية، بعد ثبوتها للإنسان، تؤسس لحقوق وتكاليف ثابتة له أم لا؟
فهاتان مسألتان؛ أصل وجود الكرامة الذاتية، ثم النظر فيما إذا كانت هذه الكرامة الذاتية تخلق أساساً حقوقاً خاصة للإنسان أم لا. وسنتابع هذه المباحث إن شاء الله في قادم الأيام.