The news is by your side.

الدرس السابع عشر، الآية 62، تفسير الآية، القسم الأول

الدرس السابع عشر
الآية 62 – تفسير الآية – القسم الأول: معنى «إن الذين آمنوا» – شبهة وجوابها

10 جمادى الآخرة 1447 هـ

خلاصة الجلسة الماضية

كان البحث في الآية 62 من سورة البقرة؛ وذكرنا أن هذه الآية تشتمل على عدة أقسام ومطالب. وكان القسم الأول هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ) [البقرة: 62] حيث قمنا بتوضيح كل عنوان من هذه العناوين، وبيّنّا أن أهم مطلب يجب توضيحه في هذا القسم هو معنى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا). وقد استعرضنا خمسة احتمالات في معنى هذه العبارة واخترنا واحداً منها.

الشبهة

تتبادر إلى الذهن في هذا القسم شبهةٌ يجدر ذكرها والإجابة عنها؛ إذ قد يُتوهم بَدواً من هذه الآية أن كل إنسان -بغض النظر عن دينه وعقيدته ومذهبه- يمكنه نيل الفلاح والنجاة. وذلك لأن ظاهر الآية يقرر أن الذين آمنوا واليهود والنصارى والصابئين، إذا آمنوا بالمبدأ والمعاد وعملوا صالحاً، (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [البقرة: 62]. والإيمان بالمبدأ والمعاد موجود في اليهودية والنصرانية والصابئية، والعمل الصالح موجود في كل دين أيضاً. وبناءً عليه، فإذا آمن شخص بالمبدأ والمعاد وكان من أهل العمل الصالح، فإنه يبلغ الفلاح والنجاة؛ سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو مسلماً. وكأن الاعتقاد بدين وعقيدة خاصة ليس أمراً مهماً، بل للإنسان الحرية في اختيار أي دين، ويمكنه أن يسعد بحصول هذه العناصر الثلاثة. وهذا المطلب قد يلقى رواجاً كبيراً وقبولاً في هذه الأيام.

الجواب

يبدو أن هذا الفهم ليس صحيحاً، ولا تريد الآية بيان أن كل صاحب دين ينال الفلاح والنجاة بمجرد إيمانه بالمبدأ والمعاد وعمله الصالح؛ إذ إن الإيمان بالمبدأ والإيمان بالمعاد لا ينفكان عن الإيمان بالنبؤة. وسنبين لاحقاً لِمَ لَمْ يذكر الله تبارك وتعالى الإيمان بالنبؤة هنا، كما سنوضح المقصود من “العمل الصالح” المذكور في هذه الآية، وهل يراد به مجرد العمل الحسن أم أن له معنى أوسع من ذلك؟

لقد ذكرنا في بيان المطلب الأول أن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا…) يعني عموم المؤمنين من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين، وأنهم لا ينالون أجرهم من الله ولا يرتفع عنهم الخوف والحزن إلا بالإيمان بالمبدأ والمعاد والعمل الصالح. ولكن هذا لا يعني الإيمان الصوري؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لما كان لذكر قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ووضعه إلى جانب اليهود والنصارى معنى. ويجب تفسير الآية على نحو لا يتنافى مع سائر المعارف القرآنية الأخرى.

نحن لا نشك في أن الدين الوحيد المقبول عند الله هو الإسلام؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]، وقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: 85]؛ فالدين المقبول حصراً هو الإسلام، ولذلك لا يعترف الله تبارك وتعالى بأي دين غيره. وعليه، لا يمكننا القول إن الله قد فوض الأمر للإنسان ليختار ما يشاء من الأديان؛ فمن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه. وقد توعدت بعض الآيات الكفار من أهل الكتاب والمشركين بسوء العاقبة، وأشير إلى ذلك في آيات شتى؛ مما يدل على أن ما سوى الإسلام ليس معترفاً به عند الله تبارك وتعالى.

وبناءً على هذا، كأن الله تبارك وتعالى يريد أن يبين في هذا المقام أن تلك الجماعات من النصارى واليهود والصابئين، إذا آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مقتضى ما تمليه تعاليمهم الدينية الحقة، وآمنوا بالمبدأ والمعاد وتجنبوا الكفر والشرك، فإنهم سيكونون من أهل الفلاح والنجاة والخلود؛ وما سلف منهم مما وافق الدين المحرَّف يُتجاوز عنه ويؤجرون عليه. وحينئذٍ، ينطوي معنى الإيمان بالله واليوم الآخر على هذه النكتة أيضاً؛ وهي الإيمان بالمبدأ والمعاد والنبؤة معاً؛ إذ يمتنع نيل الأجر الإلهي والفوز بثوابه دون الإيمان بالنبؤة. وأما عدم ذكر النبؤة بالخصوص، فسنوضح نكتته لاحقاً. فمن الممتنع عقلاً ونقلاً أن يبلغ المرء هذه العاقبة مع إنكاره لنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتزامه باليهودية والنصرانية المحرفتين. فالآية ترمي إلى بيان أن أتباع الأديان إذا آمنوا بالمبدأ والمعاد وبنبوة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وعملوا صالحاً، فـ (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [البقرة: 62].

نعم، لا يتنافى هذا مع حرية الإنسان في الاختيار؛ فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان حراً، وهذه الحرية حق طبيعي له. ولو شاء الله لأكره الناس جميعاً على الإيمان، كما قرر القرآن الكريم مخاطباً نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [يونس: 99]؛ ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك ليكون الناس في معرض الابتلاء والاختبار، فتظهر قيمتهم الحقيقية. وقد أكد الله تبارك وتعالى على هذا الأمر في مواضع شتى من القرآن الكريم، كقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 3]، وقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]. فلا إكراه لأحد على الإيمان، غير أن عدم الإكراه فيه لا يعني نفي المسؤولية عن الإنسان تجاه العقيدة التي يختارها؛ فله خيار الانتخاب نعم، ولكن قُدم له معيار يحدد الحق من الباطل.

السؤال: …

الأستاذ: هل يمكن أن يكون الشيء غير مشروع ومع ذلك يُثاب عليه؟… إن البحث ليس في ثواب عمل خاص لنقول إن كل من يفعل الإحسان ولو كان كافراً يرى ثوابه بمقداره. بل إن قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ليس ثواباً عادياً، بل هو إشارة إلى الخلود؛ ونفي الخوف والحزن في قوله: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) هل يكون لقاء عمل صغير؟… القضية هي أن هؤلاء إما أنهم ارتدوا عن المسيحية واليهودية وأسلموا، وهذا خارج عن الإشكال؛ وإما أنهم بقوا على عقيدتهم، ومعنى بقائهم عليها عدم قبولهم بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانتفاء إيمانهم بها.

عندما تقولون إن أصول الدين ثلاثة، فهل تقصدون مطلق النبؤة أم نبوة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إن أصول ديننا ثلاثة: التوحيد، والمعاد، ونبوة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لا مطلق النبؤة. فلدينا نبؤة عامة ونبؤة خاصة، وكلاهما من الأصول الاعتقادية.

إن قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) صريح في أن من يتخذ غير الإسلام ديناً لن يُقبل منه شيء؛ وإذا لم يُقبل أصل الدين، فلن يُقبل أي شيء آخر تبعاً له. فالقول بأن من كان يهودياً أو نصرانياً -أي اختار غير الإسلام- ولكنه آمن بالمبدأ والمعاد وعمل صالحاً يثيبه الله، يكشف عن عدم فهم هذه الآية فهماً دقيقاً. فالآية لا تريد بيان أن كل من أتى بهذه الأمور الثلاثة مع أي دين كان فله (أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ). وإنما طرحنا هذه المطالب كلها لنبين أن معنى الآية ليس كذلك.

ولا يؤدي ظاهر الآية هذا المعنى الفاسد أيضاً؛ بل قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) يعني من آمن بالله وبالنبي وباليوم الآخر؛ ويجب أن نبين وجه كون الإيمان بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مندرجاً في هذه الاعتقادات وإن لم يُذكر هنا بالخصوص. إن الله تبارك وتعالى يقتصر في بعض الموارد على ذكر الإيمان بالمبدأ فحسب، وفي مورد آخر يذكر الإيمان بالمبدأ والمعاد معاً، وفي موضع ثالث يذكر الأصول الثلاثة كلها، وتارةً يذكر المبدأ والمعاد دون العمل الصالح. فأنحاء ذكر هذه العناصر في القرآن الكريم متعددة ومتنوعة، ولكنها ترجع كلها إلى حقيقة واحدة. وهذا المطلب يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتفصيل، وسنتطرق إليه إن شاء الله تعالى في الجلسة المقبلة.