الدرس الخامس والعشرون، الآية 63، المقاطع المختلفة للآية، المقطع الأول
الدرس الخامس والعشرون
الآية 63 – المقاطع المختلفة للآية – المقطع الأول: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) – المطلب الثاني: معنى الطور – المطلب الثالث: معنى “الواو” – المطلب الرابع: دراسة شبهتين – الشبهة الأولى والجواب عنها
24 رجب 1447 هـ
ينبغي طرح عدة مطالب حول المقطع الأول من الآية 63. المطلب الأول كان حول معنى “الميثاق”؛ وقد ذكرنا في هذا المطلب الأقوال المطروحة، كما تم تبيين القول الحق.
تتمة المطلب الثاني: معنى الطور
المطلب الثاني يدور حول معنى “الطور” وما هو المقصود منه. قلنا إن ما يُستفاد من مجموع القرائن والشواهد، لا سيما بحسب اطراد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم ضمن القصة ذات الصلة، أي نفس محل مناجاة النبي موسى (عليه السلام)، فإن الطور هاهنا يأتي بالمعنى ذاته.
وثمة روايات نُقلت في ذيل هذه الآية وبمناسبتها تؤيد هذا المعنى عينه. فمثلاً، ورد في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَبَلَ طُورِ سَيْنَاءَ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا وَقَعَ عَلَيْكُمُ الْجَبَلُ فَقَبِلُوهُ وَ طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ». فبموجب هذه الرواية، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): حينما أنزل الله تبارك وتعالى التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوها ورفضوا الإذعان لها؛ آنذاك رفع الله جبل طور سيناء فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى (عليه السلام): إن لم تقبلوا التوراة سقط عليكم هذا الجبل. حينها قبلوا وطأطأوا رؤوسهم وسجدوا. وهذا النص يصرح بوضوح بأن المقصود من الطور والجبل الذي رفعه الله تعالى فوق بني إسرائيل هو جبل طور سيناء عينه.
بطبيعة الحال، جاء في رواية أخرى منقولة عن الإمام العسكري (عليه السلام) أن الله تبارك وتعالى اقتطع قطعة من جبل فلسطين وفصلها ثم جعلها فوق رؤوس بني إسرائيل، حيث ورد: «(رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) الْجَبَلَ، أَمَرْنَا جَبْرَئِيلَ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ جَبَلِ فِلَسْطِينَ قِطْعَةً عَلَى قَدْرِ مُعَسْكَرِ أَسْلَافِكُمْ فَرْسَخاً فِي فَرْسَخٍ فَقَطَعَهَا وَ جَاءَ بِهَا فَرَفَعَهَا فَوْقَ رُءُوسِهِمْ»؛ فيبين الإمام العسكري (عليه السلام) أن قول الآية القرآنية: (رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) يقصد به الجبل نفسه؛ فقد أمر الله تبارك وتعالى جبرائيل أن يقتطع قطعة من جبل فلسطين بمقدار مساحة معسكر بني إسرائيل آنذاك، أي فرسخاً في فرسخ، ثم نقلها ورفعها فوق رؤوسهم. وسنذكر لاحقاً أن هذا الأمر بحد ذاته قد تعرض للإنكار من قِبل البعض.
على أية حال، حتى هذه الرواية التي لم تصرح باسم طور سيناء تحديداً، لا تتنافى معه؛ فهنا قال الله تبارك وتعالى قطعة من جبل فلسطين، وبالنظر إلى أن تلك المنطقة كانت تُسمى أحياناً بهذا الاسم في الماضي، فيمكن أن يكون ذلك إشارة إلى طور سيناء؛ وهو ذات الجبل الذي ذهب إليه النبي موسى (عليه السلام) للمناجاة. ولذا، وبالالتفات إلى القرائن التي ذكرناها والتي تفيد بأنه ذات محل مناجاة النبي موسى (عليه السلام)، يُستبعد أن يكون المقصود غيره. علاوة على ذلك، فإن لفظة “الجبل” التي وردت في بعض الآيات، بيّنّا أن “الألف واللام” في “الجبل” هي للعهد، وتشير إلى ذلك الجبل عينه الذي كان محل مناجاة النبي موسى (عليه السلام). ومن هنا، يتضح جلياً ما هو المقصود من الطور.
المطلب الثالث: معنى “الواو”
من النقط التي يجب الالتفات إليها في هذا القسم، هو معنى حرف “الواو”؛ ولعلها تُعد بمعنى من المعاني الكلمة الثالثة في هذا المقطع. ففي قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) يدور البحث حول ما إذا كانت هذه “الواو” عاطفة أم حالية. وقد سبق أن ذكرنا هذا الأمر كإحدى القرائن الدالة على أن المقصود من الطور هو نفس محل مناجاة النبي موسى (عليه السلام)؛ غير أننا نريد الآن معالجته من زاوية أخرى. ففيما يخص حرف “الواو” الواقعة قبل “رفعنا” يوجد قولان:
-
القول الأول يرى أن هذه “الواو” عاطفة؛ فإذا كانت “الواو” عاطفة فماذا تعني؟ “الواو” العاطفة تدل على أن أخذ الميثاق متقدم على رفع الطور؛ أي إن هناك فاصلاً زمنياً بين أخذ الميثاق ورفع الجبل. وحينئذٍ تكون علة رفع الطور هي نقض الميثاق؛ بمعنى أنه بعد أن أُخذ عليهم الميثاق وقاموا بنقضه (لأن ذلك الميثاق كان تعهداً بالعمل بأوامر الله في التوراة وهم نقضوا الميثاق، أي إنهم امتنعوا عن العمل بأوامر الله في التوراة ولم يقبلوا الكتاب وأبوا العمل به) حينها رُفع عليهم الجبل. وهذا يتم في حال كانت “الواو” عاطفة؛ وقد اعتُبرت “الواو” عاطفة في تفسير ابن عباس.
-
بناءً على تفسير أبي مسلم، فإن “الواو” حالية؛ وإذا كانت “الواو” حالية، فلا يعود هناك فاصل زمني بين أخذ الميثاق ورفع الطور. وقد أشرت في الجلسة الماضية أيضاً إلى أن “الواو” حالية، وهذا بحد ذاته قرينة على أن هذا ميثاق خاص أخذه الله من بني إسرائيل. فقد قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)، أي اذكروا ذلك الوقت الذي أخذنا فيه ميثاقكم والحال أن ذلك الجبل كان مرفوعاً فوق رؤوسكم. وهذا مؤيد للمعنى الخاص الذي ذكرناه؛ أي إن الأمر لم يكن بالشكل الذي أُخذ فيه الميثاق قبل ذلك، ثم قاموا بنقضه والامتناع عن قبول كتاب التوراة، فقام الله بهذا الفعل كتهديد بالعذاب.
المطلب الرابع: دراسة شبهتين
يجب هنا الإجابة عن شبهتين فيما يتعلق بهذه الفقرة من الآية.
الشبهة الأولى
الشبهة الأولى هي: كيف يُتصور أن يبقى جبل بهذه العظمة معلقاً بين السماء والأرض دون أي عمود أو ركيزة؟ هذه شبهة أثارها بعض أهل الفلسفة أو المتفلسفين قائلين إن مثل هذا الأمر غير ممكن، ولا ينبغي لنا أن نحمل رفع الطور على هذا المعنى. إذ من المحال أن يقع الجبل بين الأرض والسماء، لا سيما في مسافة تعادل قامة إنسان. وعلى أية حال، فإن أصل هذه المسألة قد أُشكل عليه. وبتعبير الفخر الرازي، فإن بعض الملحدين أنكروا هذا الأمر وقالوا إنه غير مقبول إطلاقاً. وبالطبع، فإن بعض غير الملحدين قد نظروا إلى هذه المسألة بعين الشك وحاولوا صياغة توجيهات لها؛ كأن يقولوا مثلاً إن المقصود من (رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) ليس المجيء بالجبل إلى ذلك المكان حقيقة، بل هو تعبير كنائي ورمزي، وأن القصة كانت أمراً آخر، أو أن مثل هذا المشهد قد تجلى في أذهانهم فصوّروه وتوهموه.
الجواب
هذه الشبهة قابلة للرد؛ وذلك لأننا بشكل عام إذا لم نمتلك دليلاً على الامتناع العقلي لشيء ما، يثبت إمكانه. ومن الناحية العقلية، لا امتناع في ذلك؛ فذات الإله الذي رفع السماوات وأرسى الجبال، قادر على أن يمسك الجبل بين الأرض والسماء؛ وذات الإله الذي صيّر عصا موسى ثعباناً، قادر على أن يرفع الطور؛ وذات الإله الذي أجرى سائر المعجزات للأنبياء، قادر على أن يفعل هذا الأمر في حق بني إسرائيل. وهل كان فلق البحر وغرق فرعون وبرد النار حينما أُلقي فيها إبراهيم (عليه السلام)، أموراً مقبولة بحسب العادة الطبيعية؟ نعم، لم يمتنع أي منها عقلاً؛ ومتى ما انتفى الامتناع العقلي، كان نفس الإمكان (لا سيما مع بيانه من قِبل صاحب الكتاب وشخصية صادقة كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله) كافياً، ومن ثم لا مجال لإنكاره. وفي نهاية المطاف، فإن كل ممكن في هذا العالم قابل للتحقق من قِبل الله تبارك وتعالى، وهذا الأمر يُعد أيضاً من الممكنات؛ ولذا لا امتناع فيه.
بحث الجلسة المقبلة
بقيت شبهة وإشكال آخر، وسنتكفل ببيانه في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.