الجلسة الثالثة والخمسون، المسألة 10، أدلة الولاية مطلقاً، الدليل الأول
الجلسة الثالثة والخمسون
المسألة 10 – أدلة الولاية مطلقاً – الدليل الأول: الآيات – الآية الثانية ودراستها – الإشكال الأول والثاني – إجابة بعض الأعلام عن الإشكال الأول ودراستها – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: صحيحة محمد بن مسلم
18 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث يدور حول أدلة ولاية الوصي على تزويج الصغير والصغيرة؛ وذكرنا أن القائلين بولاية الوصي قد تمسكوا بعدة أدلة. وكان الدليل الأول هو الآيات؛ حيث خضعت الآية الأولى للدراسة، وصيغ تقريب الاستدلال بها، كما استعرضنا الإشكال المثار حولها ودراسته.
الآية الثانية
والآية الثانية هي قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)؛ وتقريب الاستدلال بهذه الآية يقوم على أن كل فعل يعود بالإصلاح على اليتامى بنحو مطلق فهو خير وجائز ومشروع. وبناءً عليه، فلو أقدم الوصي على تزويج الصغير أو الصغيرة (والفرض أن هذا الفعل قد تم على أساس المصلحة) لكان صحيحاً ومشروعاً، ويشمله عموم قوله: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) ولا يبدو فيه أي منع أو إشكال؛ وعليه يكون إقدام الوصي على التزويج جائزاً.
دراسة الآية الثانية
لقد ذُكر هذا الاستدلال في “مستمسك العروة الوثقى” للمرحوم السيد الحكيم، وسجل هو بنفسه إشكالين على الاستدلال بهذه الآية:
الإشكال الأول
ومفاده أن الآية الكريمة تقرر: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)، وهذا التعبير يستوعب أي إصلاح يصدر من أي شخص كان، فلا يختص بالوصي بل يمتد لجميع الأقارب وحتى الأجانب. وعليه، فلو أقدم أحد الأقارب على تزويج اليتيم وكان في ذلك التزويج مصلحة، للزمنا القول بصحته؛ بل وحتى لو أقدم الغريب ومَن لا تربطه صلة قرابة بهذا الشخص على تزويجه، لوجب علينا الالتزام بصحته كذلك. إذن، لازمة هذا الاستدلال هو ثبوت حق تزويج الصغير اليتيم لعامة الناس؛ في حين أن الأمر ليس كذلك قطعاً. بمعنى أن هذا المعنى لا يُستفاد من الآية؛ فالآية ليست في مقام إثبات الحق والولاية لكل أحد في تزويج الصغير والصغيرة لمجرد أنه مصداق للإصلاح وأن الإصلاح لهم خير. وبما أن لازمة هذا الاستدلال شمول الحكم لغير الوصي واستيعابه للأجانب، ونحن على يقين بانتفاء هذه السعة في مشروعية الإقدام على الزواج؛ فإن الاستدلال لا يستقيم.
السؤال: …
الأستاذ: هذا البيان وهذا التقريب لازمُهما هو ثبوت الحق للآخرين في القيام بمثل هذا الفعل؛ في حين أننا نتيقن بأن الباقين لا يمكنهم ذلك، والعرف لا يفهم من الآية هذا المعنى. نحن نريد القول بأن هذا الاستدلال غير صحيح … ولا يُستفاد من هذه الآية مثل هذا المعنى، وليست في مقام إعطاء مثل هذه الصلاحية لكل أحد. وهذا بالذات يعد قرينة على عدم تحصيل هذا المعنى من الآية؛ فقوله: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) لا يهدف إلى بيان أن لكل أحد القدرة على هذا الفعل. بل إن الآية في واقع الأمر تريد بيان أنه إذا رُغب في التصرف في أموالهم، وكان التصرف مبنياً على المصلحة، فهو جائز. وهذا قرينة على أن المنظور في الآية هو هذا النحو من الإجراءات، لا كل إجراء ومن قِبل أي شخص كان. …. لأن الكثيرين كانوا يظنون غزو الموانع في أموال اليتامى وأنه لا ينبغي إجراء أي معاملة فيها أصلاً، بسبب النهي الموجه تجاه أموال اليتامى في قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ وهو حكم يتوجه بالذات نحو من يملكون الاختيار والحق في التصرف في مال اليتيم، لا كل أحد.
الإشكال الثاني
أن الآية ليست في مقام تشريع القدرة، بل هي في مقام الحث على المقدور؛ وتعبير المرحوم السيد الحكيم هو: «الکلام فی المقام فی القدرة علی هذا الاصلاح و الآیة الشریفة لیست فی مقام تشریع القدرة بل فی مقام الحث علی المقدور». فهو يرى أن الآية تبين أن كل فعل يصب في مصلحة اليتامى هو خير وحسن ومستحب؛ ولكن لو أقدم الوصي -مثلاً- على تزويج الصغير، فهل يعد هذا أيضاً مصداقاً من مصاديق الخير؟ (لأننا لو اعتبرنا تزويجه مصداقاً للخير، لكان معنى ذلك صحة هذا العقد)، فالآية غير ناظرة إلى هذه الجهة اصلاً. إنها تشير في واقع الأمر إلى ذات المسألة التي عرضتها؛ فقد كان النهي عن الاقتراب من مال اليتيم شديداً لدرجة أنهم توهموا أن جدهم أيضاً لا يملك حق التصرف في أموال اليتامى. فالآية تريد القول بأنه ليس الأمر كذلك بحيث يمتنع القيام بأي إجراء تجاه أموالهم؛ بل إذا كان فيه صلاح ومصلحة، فهذا حسن جداً؛ كما ورد في قوله: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). بناءً على هذا، فالآية تريد بيان جواز إيقاع الإصلاح في أموال اليتامى؛ أما ما هو مصداق هذه المصلحة والإصلاح، فهي ليست في مقام البيان من هذه الجهة بتاتاً.
السؤال: …
الأستاذ: التأييد أيضاً يجب أن يرتكز على ركيزة وأساس؛ فنحن نريد أن نرى هل للوصي حق القيام بهذا الفعل أم لا. نعم، نحن نعلم خارجاً ويمكننا القول بأن التزويج هو أحد مصاديق الخير، لا سيما وأنه يتشكل بناءً على المصلحة؛ هذا يمكننا قوله خارجاً، ولكن البحث يدور حول ما إذا كان يمكننا تحميل هذا المعنى على عاتق الآية أيضاً؟ مع الالتفات إلى القرائن المحفوفة بهذه الآية، من صدرها وذيلها، هل يمكننا القول بأن الآية تمنح هذه الصلاحية للوصي لتزويج الصغير؟ إن مثل هذا المطلب لا يُستفاد من الآية.
السؤال: …
الأستاذ: حتى لو كان كذلك، فإنه لا ينفع للاستدلال؛ حتى لو قلنا إن الآية تستوعب بصفة عامة كل نحو من أنحاء الإصلاح، ومِن جملة المصاديق للإصلاح تزويج الصغير أو الصغيرة مبتنيةً على المصلحة. لو صرنا إلى هذا أيضاً، فهل يملك الآخرون حق القيام بمثل هذا العمل أولاً؟ المشكلة هي عينها التي عرضناها … فلو ثبت هذا المعنى، لجرى في حق الأقارب والأجانب، وهو ما يعود بنا إلى الإشكال الأول. في حين أننا نقول إن الآية لا تفيد هذا المعنى. سلّمنا أنها تفيد ذلك، فإنها مع ذلك لا تشمل تزويج الوصي الصغير أو الصغيرة؛ لأنكم تذهبون بأنفسكم إلى أنها ليست في مقام البيان بالنسبة للقادرين على هذا العمل، وإنما تريد فقط بيان حسن هذا الفعل؛ فحتى مع غض الطرف عن الإشكال الأول وقبوله، فإنها لا تثبت المدعى.
والنتيجة أن الآية الثانية لا يمكنها إثبات هذا المطلب.
إجابة بعض الأعلام عن الإشكال الأول
لقد طرح بعض الأعلام مطلباً في مقام الإجابة عن الإشكال الأول. وكان الإشكال الأول يقرر أن الآية أعظم وأعم من المدعى؛ بمعنى أنها تستوعب حتى غير الأوصياء، فتشمل الأقارب والأجانب، في حين أننا لا يمكننا الالتزام قطعاً بثبوت هذا الحق للأقارب. ولذا لو أردنا قبول الاستدلال، لوجب علينا الالتزام بمشروعية إقدام الأقارب والأجانب على تزويج الصغير أو الصغيرة؛ وهو ما لا يمكننا الالتزام به. فثبت أن الآية لا تؤدي إلى هذا المعنى.
وقد أفاد بعض الأعلام بأن المخاطب في هذه الآية هم خصوص المنصوبين لهذا الأمر؛ المنصوب لذلك. والذين نُصبوا لهذا الأمر إما أن يكون نصبهم من قِبل الشرع كالجد، أو من قِبل العقلاء بعد إمضاء الشارع له كالوصي؛ أو كل من يتصدى لهذا العمل من قِبل العقلاء كالوکیل. ولذلك فإن هذا لا يشمل غیر الوصي. فالإشكال الأول كان يقرر شمول الآية لغير الأوصياء بهذا البيان وصلاحية الجميع لتزويج هذا الشخص. وهو يريد في إجابته القول بعدم شمولها للجميع؛ وتعبيره هو: «أن المخاطب في أمثال هذه الأمور هو المنصوب لذلك»، فالمخاطب في أشباه هذه الأمور هو من رُتب ونُصب لهذا العمل؛ ولذا فلا يتسع ليشمل الجميع؛ «إما من ناحية الشرع أو العقلاء بعد إمضاء الشارع كما في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)»، فهل يتوجه الأمر هنا إلى عامة الناس بقطع يد السارق والسارقة؟ وهل مخاطب (فاقطعوا) هم عامة المكلفين أم أن المنظور بالمخاطب في (فاقطعوا) هو من نُصب لذلك من ناحية الله تبارك وتعالى؟ صحيح أن اللفظ هنا عام بحسب الظاهر ويستوعب الجميع، ولكن المسلم انتفاء إرادة هذا المعنى، بل إن مخاطب (فاقطعوا) في الآية هو من يتولى هذا الأمر ووُكلت إليه هذه الوظيفة من قِبل الشارع. أو مثلاً قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)؛ فهل مخاطب (أن تحكموا بالعدل) هم عامة الناس؟ يعني هل تريد الآية القول: أيها الناس، إذا أردتم الحكم بين الناس فاحكموا بالعدل؟ مسلماً ليس المنظور هم عامة الناس؛ بل إن مخاطب (حکتم) و(تحکموا) هم خصوص من أُلقيت على عاتقهم هذه المسؤولية أساساً، وهم القضاة الحائزون للشروط. ولذلك فهو يعتقد دلالة هذه الآية على صحة إقدام الموصى إليه في أمر التزويج؛ أي تثبت الولاية للموصى إليه.
دراسة إجابة بعض الأعلام
يبدو أن هذه الإجابة لا يمكنها رفع ذلك الإشكال؛ فإن قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) يظهر في تبيين مراعاة شأن اليتامى بنحو عام. وقرينة الأمور المالية والتصرفات المالية المذكورة تحصر هذا الإصلاح في ذات دائرة الأمور المالية. ولذا فإن قولنا خارجاً بأن المنظور هو خصوص المنصوبين لهذا الأمر يعد ادعاءً بلا دليل، وقياس ما نحن فيه بـ (فاقطعوا) والآية الأخرى هو قياس مع الفارق؛ ولذا فإن الآية الثانية قد لا تثبت هذا المدعى؛ ورغم قبول دلالة الآية الأولى في الجملة، إلا أن هذه الآية بحسب ظننا لا تشمل الموضوع المبحوث عنه هنا.
الدليل الثاني: الروايات
الدليل الثاني هو الروايات؛ ولدينا عدة روايات استُدل بها على أن الوصي يمكنه تزويج الصغير من الغير. وتنقسم هذه الروايات إلى طائفتين؛ طائفة من الروايات ذكرت مستقلة، وطائفة أخرى وردت في ذيل قوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاَحِ). وسنعرض لتقريب الاستدلال بها.
الطائفة الأولى
وهي الروايات التي صُرّح بها بصفة مستقلة؛ وهي عدة روايات نقرأها:
الرواية الأولى
وهي صحيحة محمد بن مسلم: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِوُلْدِهِ وَ بِمَالٍ لَهُمْ وَ أَذِنَ لَهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْمَالِ وَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ هُوَ حَيٌّ». وبطبيعة الحال، فإن في سند الرواية -طبقاً لما ورد في الوسائل- تفاوت سندي عما ذكر في مصادر الحديث؛ فهذه الرواية قد وردت في التهذيب ومن لا يحضره الفقيه بالإضافة إلى الكافي. ومثاله ورود كلمة “يونس” في سند الوسائل بدل “يوسف”: «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُونُسَ عَنْ مُثَنَّى بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)»؛ بينما جاءت كلمة “يوسف” في الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه. وهذا ليس بالأمر المهم كثيراً؛ فالأهم يكمن في تقريب الاستدلال بهذه الرواية.
بحث الجلسة القادمة
لقد استدل المرحوم السيد الخوئي بنحو ما بهذه الرواية، غير أنه فُتح عليها باب الإشكال بالطبع؛ ويتعين علينا النظر في مدى صحة بيانه في الاستدلال أم لا. وسوف نتابع هذا المطلب في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.