The news is by your side.

الدرس الثامن والأربعون، المسألة 9، ادله استحباب استئذان الأب والجد

الدرس الثامن والأربعون

المسألة 9 – ادله استحباب استئذان الأب والجد – الدليل الثاني: الروايات المطلقة – الإشكال الثاني وجوابه – النتيجة – الدليل الثالث – إشكال – الدليل الرابع ودراسته – ادله استحباب استئذان الأخ – الدليل الأول

8 صفر 1407 هـ

المسألة 9

كان بحثنا في الجلسة الماضية يدور في فلك المسألة التاسعة، حول ما إذا كان يستحب للمرأة المالكة لأمرها في النكاح أن تستأذن أباها أو جدها أم لا؟ حيث أفاد الإمام (قُدّس سرّه) باستحباب الاستئذان؛ ويقع الكلام في استعراض دليل استحباب استئذان المرأة التي تُعدّ مالكةً لأمرها من أبيها أو جدها. وذكرنا أنه قد أُقيمت عدة أدلة لتثبيت هذا المدعى.

والدليل الأول هو الروايات؛ وتحديداً الروايات الخاصة الواردة بخصوص البكر الرشيدة والدالة على وجوب الاستئذان؛ بيد أننا قررنا حمل هذه الروايات على الاستحباب جمعاً بینها وبين الأخبار الدالة على نفي لزوم الاستئذان. وقد تعرضنا لإشكال سُجّل في هذا الباب وأجبنا عنه.

والدليل الثاني هو الروايات المطلقة؛ حيث دلت جملة من النصوص على استحباب استئذان الجارية على وجه الإطلاق، بما يستوعب البكر والثيب على حد سواء. وعرضنا لتقريب الاستدلال بهذه الروايات. غير أن المحقق الخوئي (قُدّس سرّه) أشكل على ذلك بأنه وإن كانت بعض الروايات مطلقةً بدواً، إلا أنه يتعين حملها على البكر وعدم شمولها للثيب بالصناعة. ومن جهة أخرى، ولما كان يرى أن البكر لا تستقل بأمر النكاح أيضاً، خلص إلى انتفاء دلالتها على الاستحباب؛ وقد أجبنا عن هذا الإشكال أيضاً في الجلسة السابقة.

الإشكال الثاني

ويُثار هنا إشكال آخر؛ ومفاده عدم إمكان استكشاف استحباب استئذان الثيب من الروايات بعنوانه الخاص مطلقاً؛ لافتفارنا إلى ورود أي رواية تدل على اعتبار استئذان الثيب حتى تُحمل على الاستحباب بالجمع. ويقرر المحقق الخوئي انتفاء وجود روايات مطلقة (وهو عينه إشكاله في الجلسة الماضية) وكذا انتفاء الروايات الخاصة في مورد الثيب؛ بحيث لا نجد رواية واحدة تدل بخصوصها على اعتبار استئذان الثيب في النكاح. وبناءً عليه، فلا معنى للقول بالجمع بين الأخبار ورفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الوجوب هاهنا.

الجواب

ويتضح جواب هذا الإشكال مما أسسناه في الجلسة الماضية؛ وبيانه: أنه وإن صح انتفاء الرواية الخاصة الدالة على اعتبار استئذان الثيب بالخصوص، إلا أننا نملك روايات مطلقةً؛ والروايات المطلقة تستوعب الثيب بإطلاقها اللفظي. وقد أجبنا عن الإشكال الذي أورده المحقق الخوئي على الروايات المطلقة؛ وعليه، فإن دعواه انتفاء أية رواية تفيد اعتبار استئذان الثيب غير قابلة للقبول صناعةً.

النتيجة في الدليلين الأول والثاني

ولذا، فالظاهر إمكان إثبات الاستحباب في مورد البكر بتلك الروايات بناءً على المبنى القائل بستقلالها في أمر النكاح. وفي مورد الثيب، يسوغ لنا الاستناد إلى الروايات المطلقة؛ ومن ثم فإن استحباب الاستئذان ثابت بموجب الروايات تماماً كما أفاد الإمام (قُدّس سرّه). غير أن للمحقق الخوئي كلاماً في هذا المقام يمكن بموجبه إثبات استحباب استئذان الكبار مطلقاً -كالأم والعم بل كل كبير- لا خصوص الأب والجد، وسنتعرض لبيانه في الآتي إن شاء الله تعالى.

فالمتحصل أن استحباب الاستئذان ثابت بالاستناد إلى الدليل الأول بفرعيه؛ أي الروايات الخاصة والمطلقة.

الدليل الثالث

والدليل الثالث يرتكز على ورود روايات دالة على استحباب احترام الأب أو الجد وتجيلهما على وجه الإطلاق، دون أن تتعرض لمسألة الاستئذان في النكاح بخصوصها. ولما كانت مسألة الزواج وطلب الإذن في النكاح من الأب أو الجد تُعدّ من أبرز مصاديق احترام الأب والجد عرفاً، أمكننا الحكم باستحباب الاستئذان صغروياً. ذلك أن احترام الوالدين لا ينحصر في السؤال عن أحوالهما أو طاعتهما في الأمور العادية المحضة؛ بل إن مسألة الزواج تُصنف أمراً مصيرياً في حياة كل إنسان، ومستقبل الأفراد مرهون بالنكاح. وقهراً، فإن المتوقع من الأب أو الجد هو حفظ احترامه في مثل هذه النازلة المهمة؛ بأن يُستشار ويُطلب رأيه وإذنه. ولذا، فمن باب كون استئذان الأب من أظهر مصاديق الاحترام، نحكم باستحباب الاستئذان شرعاً. وبناءً على هذا الدليل الثالث، لا يثبت استحباب الاستئذان بعنوانه الخاص في الروايات، بل المستقر في نصوص الباب هو استحباب احترام الأب والجد، والاستئذان من أبرز تجلياته ومصاديقه.

السؤال:

الأستاذ: الفرض هو انتفاء الولاية لهما؛ بل إن هذا الثبوت جارٍ في حق الابن أيضاً بناءً على قول بعضهم، وهو ما سنعرض له لاحقاً.

فالدليل الثالث إذن هو الروايات الدالة على استحباب احترام الأب؛ وحيث إن استئذان البنت وإجازتها من أبيها من أظهر مصاديق الاحترام، فإنه يكون مستحباً بالتبع.

وعليه، يُصاغ القياس التشريعي بضم الصغرى إلى الكبرى كالتالي: استئذان الأب يُعدّ احتراماً له؛ واحترام الأب مستحب شرعاً؛ فالنتيجة: استئذان الأب مستحب. وحينما نروم إثبات الاستحباب، فلا بد من استناده إلى بيان شرعي أو إمضاء من الشارع؛ وبهذه الصياغة يمكننا إثبات الاستحباب.

إشكال

وقد أشكل المحقق الخوئي (قُدّس سرّه) هنا قائلاً: لو أردنا إثبات استحباب الاستئذان من الأب من هذا الباب فلا ضير في ذلك، بيد أن هذا الحكم لن يختص بالأب والجد بل سيستوعب كل كبير في الأسرة. وعليه، يكون هذا الدليل أعم من المدعى؛ إذ المدعى هو: «ينبغي بل يستحب للمرأة المالكة أمرها أن تستأذن أباها أو جدها»، بينما لو كان المستند هو هذه الروايات، لم يصح حصر العبارة في الأب والجد، بل تعين القول: أن تستأذن كل كبير للأسرة.

مضافاً إلى أن هذا الحكم لن يختص بالبنت بل سيشمل الابن أيضاً، في حين أن المدعى مقصور على “المرأة المالكة لأمرها”. فلو كان المدار هو مسألة احترام الأب أو الجد أو أي كبير، لثبت استحباب الاستئذان في حق الابن (الرجل) أيضاً. ولذا، فإن هذا الإشكال يبدو وجيهاً وقابلاً للاعتناء؛ فلو كان مستندنا هو الروايات الدالة على استحباب احترام الوالدين وتجليلهما، لما اختص الحكم بالأب والجد أولاً ليشمل الأم وغيرهما، ولما اقتصر على البنت ثانياً ليثبت في حق الابن أيضاً استحباب استئذان أبيه أو جده.

الدليل الرابع

وثمة دليل آخر ذكره بعضهم بعنوان الحكم العقلي؛ فبينما كانت الأدلة الثلاثة الأولى نقليةً (روايات) إما بعنوانها الخاص أو بعنوان عام يستوعب المقام، فإن الدليل الرابع هو حكم العقل؛ إذ يرى العقل أن الاستفادة من تجارب وخبرات أصحاب التجربة أمر راجح وحسن بذاته. وقد لا يصل هذا الحكم إلى مرتبة اللزوم والوجوب، بيد أن العقل المستقل يدرك حُسن رجوع الإنسان في كل أمر إلى ذوي الخبرة والتجربة السابقة. ومن الطبيعي أن الأب أو الجد أو من يُعرف بالولي يمتلكون تجربةً في الحياة، ولهم معرفة بالرجال، وهم أكثر درايةً بمشاكل النكاح ومسائله؛ إما لخوضهم التجربة بأنفسهم أو لمشاهدتهم من حولهم ممن تزوجوا وعاينوا مصائرهم ومشاكلهم. وطبيعي أن تکون البنت أو الولد بحاجة إلى هذه التجارب؛ ومن ثم يحكم العقل برجحان الاستضاءة برأيهم واستئذانهم. ومتى ما عُدّ هذا حكماً عقلياً مستقلاً وقطعياً، استتبع تلقائياً تأييد الشارع وإمضاءه. وهذا الدليل لا يبتني على الروايات أو البيان اللفظي للشارع، وإن كان الشارع قد أمضاه وأيده؛ بل هو حكم عقلي مستقل.

السؤال:

الأستاذ: لا يزداد الأمر صعوبةً؛ إذ العمدة هو ثبوت رجحانه في نهاية المطاف، سواءً ثبت بعنوانه الخاص أم بعنوان عام. وما ذكرناه في معرض الدليل الثالث ليس إشكالاً في الحقيقة؛ بل بيّنّا أن لازمه انتفاء الاختصاص بالبنت، وإلا فلا ضير فيه من جهة الدليلية؛ إذ الدليل العام يمكنه إثبات المدعى الخاص، ويمتنع العكس بأن يثبت الدليل الخاص مدعىً عاماً. فهذا دليل عام ينطبق على مصداق خاص؛ فلا محذور فيه.

دراسة الدليل الرابع

بيد أن المسألة تكمن في معرفة ما إذا كان هذا الحكم يُعدّ من الأحكام العقلية المستقلة أم لا؟ فالمنظور في المستقلات العقلية هو القضايا والضرورات من قبيل: (الظلم قبيح والعدل حسن)؛ وهي عينه أحكام العقل العملي والوجوب والامتناع المندرجة في حيز الإدراکات العقلية. فهل يُصنف حسن ورجحان الاستفادة من تجارب الآخرين في كل أمر من المستقلات؟ الظاهر أنه لا مانع من ذلك؛ تماماً كما يُقال بحكم العقل بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم؛ حيث يُعدّ رجوع الجاهل إلى العالم من أهم أدلة مشروعية التقليد؛ إذ من جهل شيئاً تعين عليه الرجوع إلى من يعلمه. وهذا حكم عقلي لا غبار عليه، وليس من الاستحسان الظني في شيء، بل هو حكم قطعي للعقل تثبت به مشروعية التقليد. والأنموذج هنا يجري على ذات السياق؛ فحسن الاستفادة من خبرات أصحاب التجربة مطلب لا يتوجه إليه خدشة؛ وقهرًا يكون موردًا لتأييد الشارع وإمضائه.

ولكن لو دخل العقل في البين وعددنا هذا من المستقلات العقلية، لساغ لنا إطلاق لفظ “ينبغي”؛ ولكن هل يثبت الاستحباب الشرعي الاصطلاحي بهذا الإدراك العقلي؟ هذا موضع تأمل. ولأجل هذا التفصيل، أورد الإمام (قُدّس سرّه) كلمة «ينبغي» هنا، خلافاً لما سار عليه صاحب العروة.

وقد أشرنا سابقاً إلى أن من جملة الفروق بين عبارتي العروة والتحرير هو هذا الموضع؛ حيث أفاد الإمام (قُدّس سرّه): «ينبغي بل يستحب»، بينما اقتصر مرحوم السيد على قوله: «يستحب للمرأة المالكة أمرها». وعبارة الإمام أدق صناعةً من عبارة السيد؛ إذ تشير كلمة «ينبغي» إلى هذا التلقي والإدراك العقلي، بينما تشير كلمة «يستحب» إلى الروايات الواردة في المسألة؛ سواءً كانت الروايات الواردة بعنوانها الخاص في الاستئذان، أم الروايات الواردة بعنوان عام كموضوع احترام الأب. ولذا أفاد (قُدّس سرّه) بقوله: «ينبغي بل يستحب».

وكل ما بيّنّاه حتى الآن كان متمحضاً في الادعاء الأول؛ حيث ذكرنا أن المسألة تنطوي على ثلاثة ادعاءات، وكان أولها هو استحباب استئذان الأب أو الجد.

أدلة استحباب استئذان الأخ

والادعاء الثاني المسطور في المتن هو قوله: «و إن لم يكونا فأخاها»؛ أي إذا فُقد الأب والجد فإنه يستحب للبنت استئذان أخيها. فما هو الدليل على هذا الحكم؟ وكيف يثبت استحباب استئذان الأخ هنا؟ يظهر أنه يمكن التمسك بعدة أدلة في المقام.

الدليل الأول

والدليل الأول يتجسد في بعض الروايات؛ وقد وردت هذه النصوص عمدًا في ذيل الآية الشريفة: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) [البقرة: 237] متصديةً لتفسيرها؛ حيث سمّت أشخاصاً بصفتهم من بيده عقدة النكاح وأمره، ومن جملتهم الأخ. وفي واقع الأمر، تتكفل هذه الروايات بعدّ أولياء العقد؛ إذ الآية ناظرة إليهم. وقد ذكرت جملة من الروايات الأخَ إلى جانب الأب والجد في ذيل هذه الآية. وإذا كان الأخ يُعدّ من أولياء العقد بموجبها، فهل يتوقف العقد على استئذانه لزوماً كما هو الشأن في الأب والجد؟ لقد مملكنا هناك بعض الروايات الدالة على إلزام البكر بأخذ الإذن؛ غير أن الشأن في الأخ ليس كذلك؛ إذ لا يُشترط إذنه بالإجماع. وصحيح أن هذه الروايات وردت في ذيل الآية ودلت بدواً على لزوم استئذان الأخ، إلا أننا على يقين من انتفاء شرطية إذن الأخ؛ ولذا نرفع اليد عن ظاهر هذه الروايات الواردة في ذيل الآية ونحملها على الاستحباب، وبذلك يثبت استحباب استئذان الأخ.

ومن ذلك ما رواه أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): «سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ قَالَ هُوَ الْأَبُ وَ الْأَخُ وَ الرَّجُلُ يُوصَى إِلَيْهِ».

ورواية أخرى تفيد: «فَأَيُّ هَؤُلَاءِ عَفَا فَعَفْوُهُ جَائِزٌ فِي الْمَهْرِ إِذَا عَفَا عَنْهُ»؛ فكل من عفا من هؤلاء جاز عفوه في مسألة المهر وإسقاط بعضه؛ حيث يقرر الحديث أن من بيده عقدة النكاح يُعدّ من أولياء العقد. ومتى ما عفا أحدهم كان عفوه جائزاً، وهو ما يستوعب الأخ أيضاً.

وعليه، فإن بعض الروايات تدل على استحباب الاستئذان بهذا التقريب الصناعي.

بحث الجلسة المقبلة

وثمة إشكال يتوجه إلى هذا الدليل وهذه الروايات، سنعرض لبيانه ومناقشته في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى.