الدرس الخامس والأربعون، مسألة 8، دراسة الصور الخمس
الدرس الخامس والأربعون
مسألة 8 – دراسة الصور الخمس – دراسة الصورة الثالثة – دراسة الصورة الخامسة – كلام السيد اليزدي – نظر محشي العروة – الأقوال – دليل القول الأول – دليل القول الثاني ودراسته – دراسة احتمال كون العقد فضولياً
26 رجب 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
بيّنا سابقاً أن المسألة الثامنة تنطوي على خمس صور، ومحور هذه الصور الخمس هو تزويج الولي للمولى عليه ممن به عيب. وقد ذكرنا الأقوال المختلفة في هذا الموضوع؛ حيث تم بيان حكم صور أربع مع مستنداتها الفقهية.
دراسة الصورة الخامسة
والصورة الأخيرة المطروحة في المقام (وهي الصورة الخامسة) هي ما إذا كان الولي جاهلاً بالعيب، وكانت المصلحة بنظره قائمة في هذا التزويج، غير أن العيب من العيوب التي لا تجوز الفسخ. والعبارة الأخيرة في “تحرير الوسيلة” ناظرة إلى هذه الصورة الخامسة، حيث قال: «و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى»؛ أي في غير العيوب الموجبة للفسخ، فلا خيار للولي ولا للمولى عليه؛ حيث أفتى الأصحاب بعدم ثبوت هذا الخيار لأي منهما.
وفي قبال هذا القول، ثمة قول آخر منصرف إلى عدم ثبوت الخيار للولي وثبوته للمولى عليه.
كلام السيد اليزدي
وقد أشار السيد اليزدي إلى هذا القول في “العروة الوثقى” واختاره بنفسه، حيث جاء في عبارته: «و إن كان من العيوب الأخر»، وفرض المسألة هو جهل الولي بالعيب مع قيد وجود المصلحة في العقد والتزويج، إلا أن العيب ليس من العيوب الموجبة للفسخ؛ ثم التفت الولي إلى هذا العيب بعد العقد. «فلا خيار للولي و في ثبوته للمولى عليه و عدمه وجهان»؛ فلا خيار للولي، وأما ثبوته للمولى عليه ففيه وجهان؛ ثم قال: «أوجههما ذلك»، أي ثبوت الخيار للمولى عليه. وقد ذكر السيد في عبارته دليلاً على ذلك، بل وأعقبه بالإضراب قائلاً: «لأنه يكشف عن عدم المصلحة في ذلك التزويج»، فحينما يحصل العلم بالعيب وينكشف اتصاف الطرف الآخر به، فإن هذا يكون كاشفاً عن انتفاء المصلحة في هذا التزويج؛ ومن ثم ينبغي القول بثبوت الخيار. «بل يمكن أن يقال إن العقد فضولي حينئذ»، أي عند كشف العيب وكشف انتفاء المصلحة؛ «لا إنه صحيح و له الخيار»، فلا يقال بصحة العقد مع ثبوت الخيار للمولى عليه.
نظر المحشين
وقد أشكل محشو العروة على كلا دعويي السيد اليزدي؛ إذ إنه قد تبنى مدعيين: الأول: ثبوت الخيار للمولى عليه في هذه الصورة. الثاني: أن المسألة هنا ليست من باب الخيار، بل هي من قبيل العقد الفضولي؛ كأن أجنبياً قد زوجه؛ فإن شاء أمضى العقد وإن شاء رده.
وقد أشكل أغلب المحشين لاسيما على مدعى السيد الأول، ومنهم:
-
الإمام الخميني (قده) في تعليقته على هذه العبارة حيث قال السيد «أوجههما ذلك»، قال الإمام: «لا يبعد أوجهية العدم»، أي عدم ثبوت الخيار للمولى عليه؛ وأعقبه بقيد: «إذا أعمل الولي جهده في إحراز المصلحة وكشف عدم المصلحة لا تأثير له»، فإذا بذل الولي تمام جهده لإحراز المصلحة، فلماذا نقرر ثبوت الخيار هنا؟ وما أفاده السيد من أن كشف العيوب يُعلم منه انتفاء المصلحة في التزويج، يرى الإمام أنه لا تأثير له في هذا التزويج؛ لأن العقد قد وقع واجداً لشرائط الصحة ومقتضيها، وليس العيب من العيوب المسوغة لخيار الفسخ للمولى عليه؛ ومن ثم فلا أثر لكشف المصلحة بعد ذلك.
-
والمرحوم السيد البروجردي أفاد بنحو هذا المطلب تقريباً قائلاً: «بل أوجههما العدم مع فرض وقوع العقد صحيحاً»، فإذا بنينا على صحة العقد، فما وجه ثبوت الخيار للمولى عليه؟
-
وكذا أشكل المحقق الخوئي بقوله: «فيه إشكال بل منعٌ». وله حاشية أخرى تتضمن استدلالاً سنعرض له لاحقاً.
الأقوال
وعلى أية حال، فهناك قولان في المسألة؛ وصورة المسألة هي ما إذا زوج الولي المولى عليه ممن به عيب وكان جاهلاً به مع فرض وجود المصلحة، ثم تبين العيب لاحقاً؛ غير أن العيب ليس من العيوب المجوزة للفسخ. القول الأول: وهو ما ذهب إليه الإمام الخميني وكثير من الأعلام، ومفاده انتفاء الخيار في حق الولي والمولى عليه معاً. القول الثاني: ما أفاده السيد اليزدي من أن “أوجههما ذلك”، أي ثبوت الخيار للمولى عليه.
أما في حق الولي، فالإجماع والاتفاق متحقق تحقيقاً على عدم ثبوت الخيار له؛ لكون الولي قد زوّج مراعياً للمصلحة، وليس العيب من العيوب الموجبة للفسخ؛ وحيث إن مقتضي الصحة واللزوم في العقد موجود والمانع مفقود، فالعقد صحيح ولازم. فأي مسوغ يقتضي ثبوت الخيار للولي؟ وما هو منشأ خياره؟ إننا لا نجد أي دليل يثبت الخيار للولي؛ ولذا فلا خلاف في عدم خيار الولي.
وبناءً على نظر الماتن (قده)، فإن الخيار غير ثابت للمولى عليه أيضاً. فما هو دليل عدم ثبوت الخيار للمولى عليه؟ إن الدليل عينه المذكور في جانب الولي يثبت عدم الخيار في جانب المولى عليه.
دليل القول الأول
أولاً: إن الولي يملك اختيار التزويج بمقتضى باب الولاية؛ فحيث كان له تزويجه، فإن العقد الواقع منه لا إشكال فيه من جهة الولاية؛ لكونه واجداً للمصلحة أيضاً؛ إذ الفرض أن الولي قد زوّج المولى عليه بعد إحراز المصلحة. فلا إشكال من هذه الجهة.
ثانياً: وفيما يخص العيب، فصحيح أنه لم يكن مطلعاً عليه، إلا أنه ليس من العيوب الموجبة للفسخ؛ ولو كان العيب من العيوب الموجبة للفسخ لثبت الخيار للمولى عليه كما بينا في الصورة الرابعة؛ لكوننا نملك أدلة الخيار في قبال إطلاقات أدلة النكاح. وقد أوضحنا كيف يثبت الخيار في موارد العيب المجوز للفسخ بواسطة أدلة الخيار. إلا أن هذا مفقود في مقامنا؛ أي إن العيب ليس من العيوب الموجبة للفسخ. فعلى أي أساس يثبت الخيار للمولى عليه؟ لقد وقع العقد صحيحاً ومقترناً بالمصلحة حين وقوعه، والعيب المنكشف ليس موجباً للفسخ، فلا يثبت خيار الفسخ؛ وإذن فلماذا نثبت الخيار للمولى عليه هنا؟ هب أن المولى عليه قد باشر العقد بنفسه دون وساطة الولي، وتفاجأ بعيب ليس من العيوب الموجبة لخيار الفسخ، فهل يثبت له الخيار هناك؟ كلا. والمقام من هذا القبيل؛ فكيف يثبت له الخيار؟
دليل القول الثاني
وفي المقابل، ذهب السيد اليزدي إلى القول بثبوت الخيار، وقد أشار إلى دليله في متن العروة قاصداً: أن العيب عندما ينكشف، فإن هذا الانكشاف يكون كاشفاً عن انتفاء المصلحة. وصحيح أن هذا العيب ليس من العيوب الموجبة للفسخ فلا يثبت الخيار للمولى عليه من هذه الجهة؛ إلا أنه لما كان جاهلاً بالعيب ثم ظهر لاحقاً، فإن هذا يكشف عن انتفاء المصلحة في هذا التزويج؛ ومن ثم يثبت الخيار؛ فإن شاء رضي بالاستمرار مع العيب، وإن شاء فسخ العقد. فعلة أو دليل ثبوت الخيار للمولى عليه هي أن العيب عندما ينكشف، يكشف عن كون هذا التزويج فاقداً للمصلحة؛ ويصبح الأمر من الآن فصاعداً عهوداً إلى المولى نفسه، فله إمضاؤه أو رده.
دراسة دليل القول الثاني
وهذا الدليل محل إشكال؛ إذ إن ما أفاده السيد اليزدي بقوله: «لأنه يكشف عن عدم المصلحة»، لازمه يتأدى إلى وقوع الإشكال في أصل العقد بحيث لا يسوغ لنا الحكم بصحته؛ لأن الأمر هنا يدور بين حالين: فإما أن يكون العقد واجداً للمصلحة أو فاقداً لها. فإذا قلنا بأن العلم بالعيب وظهوره يكشف عن انتفاء المصلحة، لزمنا الحكم بعدم صحة العقد رأساً؛ في حين أن فرضنا في الصورة الخامسة هو وجود المصلحة. فنحن نقول بأن الولي زوّج المولى عليه مراعياً للمصلحة -مثلاً- ممن يتصف بسوء الخلق، ولم يكن يعلم حينئذ بسوء خلقه؛ ثم تبين الآن أنه سيئ الخلق. فلو كان هذا العيب (الذي لا يوجب الفسخ) كاشفاً عن انتفاء المصلحة، لزمكم القول بعدم وقوع العقد صحيحاً؛ لكون تزويج الولي مشروطاً بالمصلحة أو بعدم المفسدة على الأقل للقول بصحته. فلو كان التزويج مشتملاً على مفسدة، لم يكن العقد صحيحاً؛ وعندها لا معنى للخيـار بل يتعين القول بعدم الصحة. وإن كنتم تقولون بوجود المصلحة، فلمَ يثبت الخيار؟ المصلحة كانت قائمة وسائر الشروط واجدة، فالمقتضي موجود والمانع مفقود؛ وعليه يتعين الحكم بعدم الخيار.
وبناءً عليه، فإن الدليل الذي ساقه السيد اليزدي في هذه الصورة غير قابل للقبول. ولأجل هذا قال الإمام في متن التحرير: «و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى»؛ خلافاً للسيد اليزدي الذي أشكل عليه أغلب المحشين ومنهم الإمام نفسه.
السؤال: …
الأستاذ: هاهنا مسألتان؛ الأولى: وجود المصلحة وهل هي شرط أم لا؛ والثانية: عدم المفسدة… ومقصوده بقوله: «يكشف عن عدم المصلحة» هو وجود المفسدة؛ إذ الأمر المسلّم في تزويج الولي هو لزوم انتفاء المفسدة؛ وهذا ما ذهب إليه الجميع. ولكن هل تجب مراعاة المصلحة أيضاً أم لا؟ لقد أفادوا بأن الأحسن أو الأحوط هو مراعاتها. وحينما يقول السيد هنا: «لأنه يكشف عن عدم المصلحة»، فهو يشير في الحقيقة إلى وجود المفسدة؛ أي إن هذا يكشف عن كون العقد واجداً لمفسدة، وحتى لو كان المطلب مبنياً على القول بلزوم المصلحة (لأنهم احتاطوا هناك)، فإن هذا الدليل يبقى محل إشكال على أية حال…
السؤال: …
الأستاذ: إن المصلحة الواقعية غير معلومة مطلقاً؛ وفي هذه الموارد التي تذكر فيها المصلحة والمفسدة وتوكل بعض الأمور إليها، يتعين علينا حملها على المعنى العرفي؛ أي ما يُعدّ عند العرف مصلحة أو مفسدة… وقد علّق الإمام قائلاً: «إذا أعمل الولي جهده في إحراز المصلحة»، أي إنه بذل وسعه وفحص ليكون هذا الشخص صالحاً وخالياً من العيوب؛ وسوء الخلق أو بذاءة اللسان ليست من العيوب المجوزة للفسخ بل هي من الأمور الجلية؛ بمعنى أن الجميع يستقبح بذاءة اللسان وسوء الخلق نهاية المطاف. وليس الأمر من قبيل عيب لا يراه الولي عيباً ويراه الناس عيباً؛ كلا، بل هذه العيوب معلومة تقريباً. لكن الولي قد سأل عنه الجميع فأخبروه بأنه متأدب وليس بذيء اللسان، غير أنه كان منطوياً على هذه الخصلة ولم يعلم بها أحد. فحينما يقال إنه يكشف عن انتفاء المصلحة، فمعناه أنه لو كان يعلم حينها لما أقدم على ذلك؛ والآن وقد علم… أما ذاك فقد قلنا بعدم ثبوت الخيار في حقه؛ والمولى عليه… يتعين علينا دراسة هذه الأمور وفق القواعد والضوابط. فإلامَ تقتضي القاعدة والضابطة؟ تقتضي أن هذا العقد كان مشروعاً ومأذوناً فيه من قبل الولي مع مراعاة المصلحة. والآن وقد تبين عيبه، يقال إن هذا يكشف عن انتفاء المصلحة؛ فنقول: حسناً، فلِمَ تقولون بالخيار؟ قولوا ببطلان العقد؛ لكونكم تدعون كشفه عن انتفاء المصلحة؛ ونحن أسسنا أولاً أن التزويج الصادر من الولي إذا اشتمل على مفسدة لم يكن صحيحاً. وعليه، فدليله هذا غير قابل للقبول.
دراسة احتمال كون العقد فضولياً
وقد تابع السيد اليزدي قائلاً: «بل يمكن أن يقال إن العقد فضولي حينئذ لا أنه صحيح و له الخيار»؛ بل نلتزم بكونه كالعقد الفضولي؛ فإذا أجاز المولى عليه العقد الفضولي استقر وصح، وإن رده انفسخ. وللمحقق العراقي تعليقة هنا حيث يقول: «بل لا محيص عنه كما هو ظاهر»، فلا مناص من ذلك؛ أي إنه يرد الفرض السابق ويرى عدم المعنى للقول بثبوت الخيار للمولى عليه؛ والوجه الوحيد الذي يمكن تصويره هنا هو كونه من قبيل العقد الفضولي؛ إذ زوجه جده ممن به عيب وهو لا يعلم؛ ثم انكشف العيب وهو ليس من العيوب المجوزة للفسخ. فمن قال بكشفه عن انتفاء المصلحة، لا ينبغي له طرح مسألة الخيار بافتراض صحة العقد مع تمكنه من الفسخ؛ كلا، بل يصير العقد فضولياً لفقده عنصر المصلحة، أو بعبارة أخرى: لواجدية عنصر المفسدة.
وفي المقابل، أشكل بعضهم؛ ومفاد الإشكال أن هذا العقد لا يخلو من حالين: فإما أن يكون خالياً من المفسدة (ولو مع انتفاء المصلحة، إلا أنه لا مفسدة فيه للمولى عليه) أو واجداً للمفسدة. فإن كان خالياً من المفسدة، تعين الحكم بالصحة دون ثبوت الخيار للولي ولا للمولى عليه. وإن كان واجداً للمفسدة، فلمَ يقال إنه فضولي؟ بل يتعين القول ببطلان العقد؛ لكونه خارجاً عن حدود صلاحيات الولي؛ فلمَ نعدّه فضولياً؟ إن الولي قد عقد عهداً وأنتم تقولون باشتماله على مفسدة؛ ونحن جعلنا شرط الولاية ونفوذها منذ البدء هو انتفاء المفسدة. ألم نقل سابقاً بأن المفسدة إذا وجدت كان العقد باطلاً ومحكوماً بعدم الصحة؟ أي كأن الولي لا ولاية له في تلك المساحة أصلاً. نعم، لو كنا نقول بجريان الفضولية في باب النكاح وإمكان تصويرها فيه، لأمكننا القول بأنه كالفضولي؛ ولكن لا وجه يقتضي ذلك هنا. فحيث ربطنا الولاية بشرط انتفاء المفسدة، كان الولي هنا كالأجنبي تماماً؛ فإن كنا نرتضي الفضولية في باب النكاح جرى الفضولي هنا، وإن قلنا بامتناع الفضولية في باب النكاح تعين الحكم بالبطلان رأساً.
بحث الجلسة القادمة
سوف نبدأ في الجلسة القادمة إن شاء الله تعالى بالمسألة التاسعة.