الدرس السابع والعشرون، المسألة السادسة، الفرض الثاني
الدرس السابع والعشرون
المسألة السادسة – الفرض الثاني – دراسة مدى ضعف وشذوذ القول الأول – أدلة القول الأول: صحة ولزوم العقد والمهر – الدليل الأول ودراسته – الدليل الثاني – الدليل الثالث
8 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
قدّمنا في الدرس السابق إيضاحاً عاماً حول المسألة السادسة؛ وتدور المسألة السادسة حول تزويج الصغير أو الصغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر منه من قِبل الأب أو الجد؛ أي أن يُزوّج البنت من شخص بأقل من مهر المثل، ويُزوّج الولد بأكثر من مهر المثل. ومن الطبيعي أن تحديد مهر أقل للبنت ومهر أكثر للولد ينطوي على إشكال. وقد ذكروا هنا أنه يمكن تصوير فرضين؛ الفرض الأول: أن تكون ثمة مصلحة في هذا العمل. والمصلحة ليست في أصل العقد، فهذا أمر مفروغ منه، بل في تزويج البنت بأقل من مهر المثل؛ لأن أساس تزويج الولي يجب أن يبتني على عدم المفسدة أو على المصلحة. فإذا لم يكن هذا الأساس صحيحاً، فإن أصل التزويج سيكتنفه الإشكال. والمهم هنا هو وجود المصلحة في التزويج بأقل من مهر المثل؛ أو على سبيل المثال، أن يُزوّج الولد بأكثر من مهر المثل لوجود مصلحة في ذلك. وقد حكموا في هذا الفرض بأنه: صح العقد والمهر ولزم. وهذا الفرض لا غبار عليه ولا نقاش فيه، ولذا انتقلنا إلى الفرض الثاني. والفرض الثاني هو أن تكون المصلحة موجودة في نفس التزويج، ولكن لا توجد مثل هذه المصلحة في المهر.
وقد وقع هذا الفرض محلاً للبحث، وثمة اختلاف في وجهات النظر حوله؛ وكما أشرنا، فقد ذُكرت ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
القول الأول: القول بصحة العقد وصحة المهر ولزومهما. والجدير بالذكر أن هذا القول لم يَرِد في متن العروة؛ إذ قيل إن هذا القول ضعيف جداً، بل استُعمل تعبير “الشاذ” في وصفه.
القول الثاني: القول ببطلان العقد وبطلان المهر.
القول الثالث: صحة العقد وبطلان المهر والرجوع إلى مهر المثل.
ويتعين علينا الآن دراسة أدلة هذه الأقوال ليتبيّن لنا ما إذا كانت مقبولة أم لا.
دراسة مدى ضعف وشذوذ القول الأول
كما أُشير سابقاً، فقد قال المرحوم السيد في متن المسألة السادسة من العروة: قولان. ولم يذكر القول الثالث. وقد صرّح المرحوم السيد الحكيم والمرحوم السيد الخوئي بأن هذا الاحتمال أو القول القائل بصحة العقد والمهر معاً، هو قول ضعيف جداً وشاذ، وبسبب ضعفه وشذوذه لم يُشَر إليه.
والآن نريد أن نرى ما إذا كان هذا القول شاذّاً وضعيفاً أم لا؟ كما ألمحنا، فقد ذكر الشيخ الطوسي هذا القول في “الخلاف”؛ ويجب أن نرى ما إذا كان غير الشيخ الطوسي قد ذهب إلى هذا القول أم لا؛ وإذا كانوا قد قالوا به، فهل هو حقاً قول ضعيف وشاذ؟
-
قال الشيخ الطوسي في الخلاف: «إِذَا زَوَّجَ الْأَبُ أَوِ الْجَدُّ مَنْ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ»، أي من يمتلك الجد أو الأب إجبارها على النكاح، بمعنى من لهما الولاية عليها؛ «مِنَ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْكَبِيرَةِ بِمَهْرٍ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، ثَبَتَ الْمُسَمَّى، وَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»؛ وظاهر هذه العبارة هو صحة العقد وصحة المهر معاً؛ غير أنه يقول بدفع المهر بالمقدار المذكور في العقد؛ فالعقد إذن صحيح، والمهر صحيح أيضاً، ولا يجب مهر المثل هنا. ثم يسوق دليلاً على ذلك، وسندرج دليله في عِداد الأدلة.
-
وأبو حنيفة يتبنى هذا القول أيضاً، وقد أشار الشيخ الطوسي نفسه في “الخلاف” إلى ذلك قائلاً: «وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ». بيد أن الشافعي له رأي آخر؛ إذ يرى الشافعي صحة العقد، ولكن المهر باطل. ويتابع الشيخ قائلاً: «وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْطُلُ الْمُسَمَّى، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»، أي أن المقدار الذي ذكروه والذي هو أقل من مهر المثل باطل، ولكن يجب مهر المثل.
وفضلاً عن الشيخ الطوسي، فقد أشار آخرون أيضاً إلى هذا القول، ولو في حدود كونه قولاً واحتمالاً؛ لكنهم لم يقولوا بضعفه أو شذوذه مثلاً. ومن هؤلاء: -
يقول المرحوم المحقق الحلي في الشرائع: «الثَّانِيَةُ: إِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، هَلْ لَهَا أَنْ تَعْتَرِضَ؟»، أي إذا زوّج ولي البنت، الصغيرة بأقل من مهر المثل، فهل يمكن للبنت أن تعترض وتردّ؟ «فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهَا الِاعْتِرَاضَ»؛ أي أن في ذلك تردداً؛ والأظهر أن لها حق الاعتراض. ووفقاً لهذا القول والاحتمال، فإن ظاهر العبارة يفيد صحة العقد؛ لكنه يتردد في لزوم المهر المسمى من عدمه.
-
ويقول المرحوم العلامة في القواعد: «الْخَامِسُ: أَنْ يُزَوِّجَ الْوَلِيُّ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَفِي صِحَّةِ الْمُسَمَّى قَوْلَانِ»؛ وهو ظاهراً لا يتردد في صحة أصل هذا العقد، ولا ينقل قولاً مخالفاً؛ ولكنه في مسألة المهر يقول بوجود قولين.
إذن، فقد أشار كل من المرحوم المحقق الحلي والعلامة الحلي إلى هذا القول دون أن يُستفاد من عبارتهما ضعف هذا القول وشذوذه؛ فلو كان الأمر كذلك، لَما صيغ بهذه العبارة قطعاً. وعليه، فشخص كالشيخ الطوسي قد نقل هذا القول، ويبدو أن رأيه الخاص في كتاب “الخلاف” هو هذا عينه. -
وفي “المبسوط” أيضاً أُشير إلى هذا المطلب؛ حيث ينقل في البداية أصل المسألة ثم يقول: «وَقَالَ غَيْرُهُ إِذَا كَانَ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ ثَبَتَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا»، أي أنهم يعتبرون صحة العقد وصحة المهر مقتضى المذهب.
وبناءً على ذلك، فإن اعتبار المرحوم السيد الحكيم لهذا القول أو الاحتمال شاذّاً ليس بصحيح. فهو يقول إن هذا الاحتمال شاذ، أي كأن لا قائل به؛ وإن كان له قائل، فقوله لا يعتد به. كما يصرّح المرحوم السيد الخوئي بوضوح بأن هذا القول ضعيف، وبسبب ضعفه لم يُذكر. وعبارة السيد الخوئي هي كالتالي: «إِلَّا أَنَّ ضَعْفَهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ أَهْمَلَ الْمَاتِنُ ذِكْرَهُ»، أي أن سبب عدم بيان صاحب العروة لهذا القول وعدم إشارته إليه، يعود لوضوح ضعفه. وعلى أي حال، يجب علينا دراسة هذا القول لنرى هل هو ضعيف أم لا؛ ولكننا لا يمكننا الالتزام بشذوذه أو كونه احتمالاً بل قولاً شاذّاً، وذلك بالنظر إلى العبارات التي نقلتها لكم. وخير شاهد على رد هذا الادعاء، هو تعبير الشيخ الطوسي نفسه الذي يقول: «وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا»؛ فضلاً عن أنه هو نفسه قد قبله، والآخرون أشاروا إليه كاحتمال على الأقل.
إذن، هذا القول أو الاحتمال ليس قولاً أو احتمالاً شاذّاً.
أدلة القول الأول: صحة ولزوم العقد والمهر
غالباً ما لم يتعرض الأعلام لأدلة هذا القول، نظراً لاعتبارهم إياه قولاً شاذّاً أو ضعيفاً جداً. ونحن سنسرد سريعاً قائمة بالأدلة التي ذُكرت لهذا القول لنرى ما إذا كان بإمكاننا قبول هذه الأدلة أم لا. وقد ذكر الكثيرون، بدءاً من الشيخ الطوسي نفسه ومروراً بالمرحوم العلامة ونجله صاحب الإيضاح وغيرهم، أدلةً يبدو غالباً أنها مأخوذة من المتقدمين.
الدليل الأول
سأقرأ عبارة الشيخ لكي أوضحها؛ لقد قال: «ثَبَتَ الْمُسَمَّى وَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»، وظاهر هذا القول أن هذا العقد صحيح، وأن المهر الأقل من مهر المثل الذي ذكروه يثبت أيضاً. ثم يقول: «دَلِيلُنَا أَنَّ الْمُسَمَّى لَا خِلَافَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَمَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فَعَلَيْهِ الدَّلَالَةُ»؛ فوفقاً للقاعدة والأدلة، فإن المهر الذي يُبيّن ويُقرَّر يكون واجباً على الزوج؛ فيجب عليه أداؤه. إذن، فالمقتضي لدفع المهر المسمى موجود؛ وعلى من يقول بوجوب دفع مهر المثل، أن يقيم الدليل على سبب عدم دفع المهر المسمى ووجوب دفع مهر المثل بدلاً منه؛ يجب عليه أن يقيم الدليل على عدم وجوب المهر المسمى هنا ولزوم إعطاء مهر المثل، في حين أنه لم يقم أي دليل. فكأنه يقول إن المقتضي للزوم المهر المسمى موجود والمانع مفقود، وعليه يجب المهر المسمى؛ بمعنى أن العقد صحيح والمهر كذلك صحيح ولازم.
السؤال: …
الأستاذ: نحن نريد أن نسرد هذه الأدلة بشكل فهرس ثم نجيب عنها دفعة واحدة؛ وذلك لأننا تقريباً، وبما يتناسب مع كل دليل، يمكننا الاستفادة من الأدلة التي سنذكرها لاحقاً للقول ببطلان المهر في الرد على هذه الأدلة. وهذا معلوم؛ فهو يقول المقتضي موجود والمانع مفقود.
دراسة الدليل الأول
الجواب هو: لِمَ يقول إن المانع مفقود؟ ولِمَ يقول «وَمَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فَعَلَيْهِ الدَّلَالَةُ»؟ إن القائلين بوجوب مهر المثل يمتلكون الدليل؛ وسنذكر أدلتهم لاحقاً ولا نريد الخوض فيها الآن. فإذا كانت تلك الأدلة، وهي ليست بالقليلة، وافية بالمقصود، فستكون خير مانع في قبال وجوب المهر المسمى.
الدليل الثاني
الدليل الثاني الذي ذكروه، هو الآية الكريمة: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)؛ فهذه الآية واردة في الطلاق قبل الدخول. وتقول إنه إذا طلق شخص زوجته قبل الدخول، فيجب عليه دفع نصف ما فرضه لها. وهنا لم تفرّق الآية بين مهر المثل أو ما هو أقل منه أو أكثر منه أو مساوٍ له، بل أكدت على وجوب دفع نصف ما فرضتموه؛ أي المهر المسمى. وعليه، فقد تُرِكَ التفصيل في هذه الآية بين ما إذا كان المهر المسمى معادلاً لمهر المثل أو أقل أو أكثر منه. وبالتالي، فإن عموم هذه الآية يقتضي وجوب المهر المسمى؛ ومجرد عدم التفصيل بين هذه الصور، يُعدّ بحد ذاته خير دليل على أن المهر المسمى لازم وواجب في كل الأحوال.
الدليل الثالث
الدليل الثالث هو بضع روايات؛ منها:
-
ما نُقل عن النبي (ص): «أَدُّوا الْعَلَائِقَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْعَلَائِقُ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُون»، فهو يأمر بأداء العلائق. وقد سُئل النبي (ص) عن ماهية العلائق؟ فقال: ما تراضى عليه الأهلون. ومن المعلوم أن أحد مصاديق “ما تراضى عليه الأهلون” هو المهر؛ وهذا عام يشمل كل شيء ويستوعب أي تراضٍ. ومن جملة مصاديق “ما تراضى عليه” هو هذا المقدار من المهر المسمى. ولذا لا يمكنهم إعطاء غيره. ويجب عليهم ألا يدفعوا غيره بل يدفعوه هو بعينه.
-
في رواية أخرى نُقلت أن النبي (ص) كان يزوج بناته بخمسمائة درهم أو دينار. فكون رسول الله (ص) قد جعل هذا المقدار مهراً، في حين أن مهر المثل لبنت النبي (ص) أرفع من ذلك بكثير؛ فمن ذا الذي يضاهي النبي (ص) ليُقاس مهر ابنته به؟ فلو كان العقد بأقل من مهر المثل غير جائز أو كان مهرها باطلاً، لَما أقدم النبي (ص) على هذا الفعل قطعاً. وبما أن النبي (ص) قد فعل ذلك، فيُعلم منه الجواز.
السؤال: …
الأستاذ: لقد أوضحنا في الدرس السابق وبيّنا أن المقصود من بطلان المهر؛ هو أن هذا المهر غير نافذ ويجب عليهم دفع مهر المثل. … كلا الطرفين لا؛ طرف واحد هو الولي وطرف … البحث يدور حول قولهم إن هذا باطل، فماذا يعني ذلك؟ يعني أن من حق هذه البنت الاعتراض؛ متى؟ بعد البلوغ. فإذا قبلت بهذا المهر بعد البلوغ، فبها ونعمت؛ وإلا فالبحث ليس كلياً؛ بل البحث في تزويج هذه البنت من قبل الولي.
بحث الدرس القادم
بقيت بضعة أدلة أخرى سنبينها في الدرس القادم، وسنقوم بدراستها بعد ذلك.