The news is by your side.

الدرس الحادي والعشرون، المسألة 5، المقام الثاني

الدرس الحادي والعشرون
المسألة 5 – المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير – أدلة الأقوال – أدلة القول الأول – الدليل الأول: الروايات العامة – الدليل الثاني: العمومات – الدليل الثالث: الروايات الخاصة – الرواية الأولى – الرواية الثانية – دراسة الروايتين الأولى والثانية

17 جمادى الأولى 1447 هـ

أدلة الأقوال

يدور البحث حول لزوم النكاح الذي يوقعه الأب أو الجد للصبي من عدمه. وقد أشرنا إلى وجود قولين في المسألة؛ وذكرنا هذه الأقوال إجمالاً، وعلينا الآن دراسة أدلتها.

أدلة القول الأول

القول الأول، وهو القول بلزوم التزويج وأن الصبي لا يمتلك خياراً بعد البلوغ ولا يسعه نقض العقد الذي أوقعه الأب أو الجد، هو قول المشهور، بل ادعى البعض الإجماع عليه أيضاً. ولعل هذا القول قد اشتهر منذ زمان المحقق الحلي فما بعد، وذهب الكثير من الفقهاء إلى اللزوم، ولا سيما بعد المحقق الحلي. وقد ذُكرت عدة أدلة لهذا القول.

الدليل الأول: الروايات العامة

  1. الروايات الدالة على التوارث. وقد سبق أن ذكرنا هذه الروايات في مورد الصبية أيضاً؛ وبيّنا تقريب الاستدلال بتلك الروايات على لزوم عقد كهذا، ولن نكرره هاهنا. ومن هذه الروايات: صحيحة محمد بن مسلم، ورواية عبيد بن زرارة الدالة على التوارث بعد البلوغ؛ فمثلاً إذا توفي الزوج قبل البلوغ، فإن هذه البنت ترث بعد البلوغ. وهذه الروايات تدل على لزوم مثل هذا العقد.

  2. الروايات الدالة على عدم صحة طلاق الأب نيابة عن الصبي؛ كرواية الحلبي التي قرأناها آنفاً. فوفقاً لهذه الروايات، لو زُوّج الصبي من قِبل الأب أو الجد من شخص آخر، فليس للأب أن يُطلّق عنه؛ ولذا، فإن عدم صحة الطلاق من قِبل الأب يدل على لزوم العقد.

  3. الروايات الدالة على صحة التزويج دون أن ترتب عليه حكماً كالتوارث بعد البلوغ أو عدم صحة الطلاق. بل اكتفت بتقرير صحة التزويج بشكل كلي؛ وأنه لو زوّج الأب أو الجد الصبي من غيره، فهو صحيح. وقد قرأنا هذه الروايات سابقاً؛ والروايات في هذا الباب كثيرة ولعلها تبلغ حد الاستفاضة، ولذا يسعنا القول بأن بعض هذه الروايات قد صدرت عن الإمام المعصوم (عليه السلام) يقيناً.

ويبدو أن الروايات التي تفيد صحة تزويج الأب بشكل كلي، لا تدل على اللزوم. وذلك لأن المدعى هو عدم الخيار؛ فالقائل بهذا القول يريد القول بأن الصبي لا يمتلك خياراً بعد البلوغ وأن هذا العقد لازم؛ فيجب عليه الالتزام بالعقد الذي أوقعه أبوه له. ولكن الرواية تدل على صحة التزويج؛ وصحة التزويج لا تلازم عدم خيار الصبي بل هي أعم منه؛ فالدليل إذن أعم من المدعى. فهذه الروايات تدل على صحة التزويج؛ والمدعى هو لزوم التزويج؛ وصحة التزويج تنسجم مع فرض لزوم التزويج، وتنسجم كذلك مع فرض جواز الفسخ؛ فلا يتنافى القول بأن العقد الذي يوقعه الأب للصبي صحيح، مع القول بأنه جائز أيضاً؛ بمعنى أن الصبي يسعه نقض ذلك العقد بعد البلوغ. ولذا، لا تصلح هذه الروايات لإثبات لزوم عقد النكاح في هذا المقام.

الدليل الثاني: العمومات

الدليل الرابع يتمثل في العمومات الدالة على لزوم العقد، سواء كان عقد نكاح أم غيره؛ وبعبارة أخرى، مقتضى الأصل الأولي في باب العقود هو عدم الخيار. والمراد بالعمومات أمثال قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1) الدال على لزوم كل عقد؛ والنكاح يُعد واحداً من هذه العقود أيضاً. ولذا، وبموجب آية {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، فإن العقد الذي أوقعه الأب والجد للصبي واجب الوفاء. ومعنى وجوب الوفاء هو أن هذا العقد غير قابل للفسخ ولا يثبت الخيار فيه. ولذا، لا يحق للصبي نقض هذا العقد بعد البلوغ؛ لأن {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يقتضي التزام الصبي بالعقد الذي أوقعه أبوه. إذن، الدليل الرابع هو الأصل الأولي في باب العقود أو العمومات التي يُستفاد منها لزوم الوفاء بكل عقد، وأن النكاح يُعد واحداً من هذه العقود أيضاً.

إن قلت: لا تشمل هذه العمومات ما نحن فيه، لأن {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} بمعنى أوفوا بعقودكم؛ فحين يأمر بالوفاء بالعقود، فهو يعني الوفاء بعقودكم أنتم. والعقد الواقع من قِبل الأب لهذا الطفل قبل البلوغ لا يُعد عقد الصبي، بل هو عقد الأب؛ فخطاب {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} غير موجه للصبي، بل للأب أو الجد؛ ولذا لا يمكنهما نقض العقد، ولكن الصبي يسعه نقض هذا العقد بعد البلوغ لأنه ليس عقده ليشمله قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.

قلت: إن تزويج الأب أو الجد للصبي من غيره، إنما ينطلق من باب الولاية عليه؛ فهو ليس وكالة، ولا كصنيع الفضولي، بل يزوج الأب الصبي من غيره من باب امتلاكه لهذا الخيار والصلاحية. ولذا، فعقد الولي هو عين عقد المولى عليه؛ ولهذا السبب، فإن قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} الذي يشمل الولي، يشمل المولى عليه قهراً أيضاً؛ لأن هذا العقد يُعد عقده. فحين يُوقع الولي العقد بناءً على ولايته، فكأن عقده هو عقد المولى عليه؛ فلو شمل قوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} كل عقد أوقعه أي شخص، فإنه يشمل عقد الولي، وعقد الولي هو عين عقد المولى عليه. فقد أوقع هذا العقد نيابة عنه ولصالحه وبالخيار والصلاحية التي يمتلكها. ولذا، فإن القول بأن قوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} لا يشمل المولى عليه ولا يتناول الصبي، قول غير سديد.

حتى الآن، ذكرنا أربعة أدلة تُطرح بوصفها أدلة عامة؛ وبعض هذه الأدلة تدل على اللزوم، وبعضها الآخر لا يمتلك الدلالة.

الدليل الثالث: الروايات الخاصة

إلى جانب هذه الأدلة، لدينا روايات خاصة تدل على لزوم عقد كهذا. وهذه الروايات متعددة وسننقل بعضاً منها لنرى ما إذا كانت تدل على هذا المطلب أم لا. ومن جملة هذه الروايات: رواية عبيد بن زرارة ورواية الفضل بن عبد الملك؛ وقد نقل المرحوم السيد الخوئي هاتين الروايتين واستند إليهما.

رواية عبيد بن زرارة: «عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ (عليه السلام): إِنْ كَانَ لِابْنِهِ مَالٌ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ مَالٌ فَالْأَبُ ضَامِنُ الْمَهْرِ ضَمِنَ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ».

رواية الفضل بن عبد الملك: «عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ (عليه السلام): لَا بَأْسَ. قُلْتُ: يَجُوزُ طَلَاقُ الْأَبِ؟ قَالَ (عليه السلام): لَا. قُلْتُ: عَلَى مَنِ الصَّدَاقُ؟ قَالَ (عليه السلام): عَلَى الْأَبِ إِنْ كَانَ ضَمِنَهُ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَهُ فَهُوَ عَلَى الْغُلَامِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَ، وَقَالَ (عليه السلام): إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَهُ فَذَاكَ إِلَى ابْنِهِ، وَإِنْ زَوَّجَ الِابْنَةَ جَازَ».

بناءً على رواية زرارة، يقع المهر على عاتق الغلام؛ أي إن هذا المهر في العقد الواقع يقع على عاتق الصبي أو “الغلام” بتعبير الرواية. فإذا لم يكن لهذا الغلام مال، أو ضمن الأب المهر، وقع ذلك على عاتق الأب. والإطلاق القائم في هذه الرواية يدل على وجوب المهر حتى إذا فُسخ؛ ولازم هذا الحكم هو عدم تأثير هذا الفسخ. فتقريرها بوقوع المهر على عاتق الغلام، وإن لم يكن له مال وقع على عاتق الأب، يدل بالالتزام على اللزوم؛ لأنه لو لم يكن العقد لازماً، لما وقع المهر على عاتق الأب. فمجرد وقوعه على عاتق الأب، يكشف عن لزوم هذا العقد.

ونجد نظير ذلك في رواية الفضل بن عبد الملك. فهذه روايات استند إليها المرحوم السيد الخوئي، وقبل بها بعض الفقهاء الآخرين أيضاً.

فهل تدل هذه الروايات على اللزوم أم لا؟ لقد أُوردت عدة إشكالات على هذه الروايات الخاصة. وأحد الإشكالات هو أن هذه الروايات ليست في مقام البيان من هذه الجهة؛ لأننا لكي نستدل بهذه الروايات، يجب أولاً إثبات إطلاقها؛ والإطلاق متوقف على كون هذه الروايات في مقام البيان من هذه الجهة، أي من جهة اللزوم أو عدم اللزوم؛ والحال أن هذه الروايات ليست في مقام البيان من هذه الجهة، بل تكتفي ببيان من يقع على عاتقه المهر. وحين لا تكون في مقام البيان من هذه الجهة، فلا إطلاق لها؛ ومتى ما انتفى إطلاقها، لم يصلح استعمالها كدليل دال على لزوم هذا النكاح.

بحث الجلسة القادمة

لقد استُند إلى بعض الروايات الأخرى في هذا المقام كروايات خاصة دالة على اللزوم. وسوف نتكفل بدراسة هذه الروايات في الجلسة القادمة إن شاء الله.