The news is by your side.

الدرس السابع عشر، المسألة 5، المقام الأول

الدرس السابع عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الثانية – البحث الدلالي – الإشكال الأول والإجابة عنه – الإشكال الثاني

28 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

يدور البحث حول الرواية الثانية من الروايات المعارضة للروايات الدالة على لزوم نكاح الصغيرة التي زوّجها الأب أو الجد من شخص آخر. وقد ذكرنا وجود عدة روايات معارضة للروايات الدالة على اللزوم؛ ونقلنا الرواية الأولى وأخضعناها للدراسة، وتبين أن رواية أبي عبيدة الحذاء لا تعارض تلك الروايات.

الرواية الثانية هي رواية يزيد الكناسي؛ وقد بيّنا تقريب الاستدلال بها. وأشرنا إلى وجود بحث سندي وآخر دلالي حول هذه الرواية؛ وقد استعرضنا في الجلسة السابقة البحث السندي بالتفصيل، وقلنا بوجود رأيين حول يزيد الكناسي ورواياته. وكانت حصيلة البحث ورأينا المختار هو أنه نظراً لنقل هذه الرواية في بعض الكتب الأربعة كـ (التهذيب) و(الاستبصار)، وكذلك لرواية الأجلاء عن يزيد الكناسي، فإنها لا تعاني من ضعف سندي. ولذا، فإن هذه الرواية معتبرة من الناحية السندية.

البحث الدلالي

لو أردنا إحصاء مجموع الإشكالات المطروحة حول دلالة هذه الرواية، لوجدنا عدة إشكالات. ويتعين علينا أن نرى ما إذا كانت هذه الإشكالات الدلالية قابلة للدفع عن هذه الرواية أم لا.

الإشكال الأول

استند الشيخ الطوسي إلى هذه الرواية لإثبات التفصيل بين الصغير والصغيرة في لزوم العقد وعدم لزومه؛ حيث يرى أن هذه الرواية تدل على التفصيل بين الصغير والصغيرة؛ بمعنى أنها تثبت الخيار للصغير ولكنها لا تثبته للصغيرة. وما يمثل موضوع بحثنا الفعلي هو ثبوت الخيار للصغيرة، في حين يعتقد الشيخ الطوسي أن هذه الرواية لا تدل على ثبوت الخيار للصغيرة، بل تدل على ثبوته للصغير. وهذا في الواقع إشكال على دلالة هذه الرواية، مفاده أن هذه الرواية لا تدل على جواز العقد أو عدم لزوم عقد النكاح.

الإجابة

لكن يبدو أن هذا الإشكال غير وارد على دلالة الرواية، وبحسب الظاهر لم يقع في هذه الرواية أي تفريق بين الصغير والصغيرة، بل أثبتت الخيار لكليهما. فسؤال الراوي هو: «مَتَى يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ وَلَا يَسْتَأْمِرَهَا؟»، أي متى يصح للأب أن يزوّج ابنته دون استطلاع رأيها؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بأن البنت إذا زوّجها أبوها، كان لها الحق بعد البلوغ في فسخ هذا العقد أو إمضائه. وبطبيعة الحال، فقد ذكر (عليه السلام) حكم الصغير في تتمة الرواية أيضاً.

وكأن الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية اعتبر الاستئمار لازماً قبل البلوغ وإلى حين بلوغ البنت تسع سنين؛ ولكن ليس بمعنى أن يُستطلع رأيها قبل البلوغ، بل المراد هو أن هذه البنت متى بلغت سن الرشد، كان بوسعها إجازة هذا العقد أو رده، وهذا الإمضاء أو الرد هو للعقد الفضولي؛ فما لم تمضه، لا يُعد العقد واقعاً، بل يُعتبر معلقاً وموقوفاً على إجازة البنت. فمجرد جعل حق الخيار للبنت بعد البلوغ يدل بحد ذاته على عدم لزوم العقد.

وما كان منشأ لاستنباط الشيخ الطوسي، هو أن الإمام (عليه السلام) قال في رده على سؤال الراوي، إن البنت لا تُستأمر. ونفي الاستئمار واستطلاع الرأي، يعني أن العقد لازم. ولكن عندما يُمنح هذا الحق للبنت لتجيز هذا العقد أو ترده بعد البلوغ، فمعنى ذلك أن حق الخيار ثابت لها. ولذا، لا يسعنا القول بأن هذه الرواية تدل على لزوم النكاح بالنسبة للصغيرة.

وقد ذكر الإمام (عليه السلام) في تتمة الرواية أن الغلام يمتلك هذا الخيار أيضاً. ولكن بما أن سن بلوغ البنت هو تسع سنين، فقد حدد الإمام (عليه السلام) سن بلوغ الغلام والوقت الذي يسعه فيه رد هذا النكاح بخمسة عشر عاماً. فيجب أن يبلغ الغلام خمسة عشر عاماً ليتسنى له رد العقد. ولذا، لا يمكن استنباط التفصيل من هذه الرواية قطعاً، ولم تفرق هذه الرواية بين البنت والغلام في مسألة ثبوت الخيار؛ والفرق الوحيد المذكور بين البنت والغلام يتعلق بسن البلوغ؛ فقد حددت سن بلوغ البنت بتسع سنين وسن بلوغ الغلام بخمسة عشر عاماً. وبناءً على ذلك، فإن ادعاء الشيخ الطوسي القائل بعدم دلالة هذه الرواية على لزوم العقد بالنسبة للصغيرة ليس صحيحاً.

السؤال: …

الأستاذ: عندما شرعنا في المسألة الخامسة، بحثنا في الجلسة الأولى بالذات معنى الخيار في هذا المورد وهذه المسألة. وقلنا إن هناك احتمالين لمعنى الخيار:

أحدهما: الخيار في فسخ النكاح أو إمضائه؛ بمعنى أن هذا العقد قد وقع مسبقاً ويتصف بالصحة الفعلية، ولكن يحق للبنت أو الغلام – مثلاً – نقضه في وقت ما. وهو كخيار العيب وخيار الغبن؛ غاية الأمر أن زمان إعماله هو ما بعد البلوغ، وإلا فهو في الواقع عقد قابل للفسخ. وقلنا إن تعبير الخيار في عبارات الفقهاء غالباً ما يُحمل على هذا المعنى؛ لاسيما في العصر الحاضر.

والمعنى الآخر للخيار: هو الخيار بمعنى رد العقد أو إجازته؛ بمعنى أن العقد قد وقع فضولياً ويتصف بالصحة التأهلية والشأنية، لا بالصحة الفعلية؛ فهو كشأن كافة العقود الفضولية لم تبلغ صحته حد الفعلية بعد، ولكنه متى ما أُجيز اكتسب الحتمية والفعلية. وقد ذكرنا هناك أن الخيار قد استُعمل في بعض الروايات بهذا المعنى. وهذه الرواية من الروايات التي تطرح الخيار في الواقع بمعنى رد العقد أو إجازته؛ شأنها شأن سائر العقود التي تقع فضولياً. …. نعم، لا شك أن الولاية لها أمد؛ غير أن المسألة هي أنه إذا ثبتت الولاية، فمعنى ذلك أن الأب أو الجد كان يمتلك الحق شرعاً في تزويج هذه البنت أو هذا الغلام من شخص آخر. إذن، فهو لا يُعد فضولياً بمعنى من المعاني؛ فالفضولي هو من يفتقر للأهلية والصلاحية الشرعية لإبرام عقد النكاح. ولكن الأمر هاهنا ليس كذلك؛ لأنه متى ما ثبتت الولاية، كان الأب أو الجد يمتلك هذا الحق. ولذا، نقول بصدد هذه الرواية إنها لا تفتقر للدلالة على لزوم العقد بالنسبة للبنت فحسب، بل يُستفاد منها الخيار أيضاً. وهذا الخيار بحسب ظاهر الرواية يتمثل في أن نعتبر هذا العقد واقعاً على نحو فضولي؛ ولكننا نريد القول بأنه إذا ثبتت الولاية، فلم يعد هذا العقد فضولياً. غاية الأمر أنه قد جُعل للبنت أو الغلام هذا الخيار في عدم إمضاء هذا العقد وفسخه. …. فالحديث هاهنا ليس عن الولي العرفي.

الإشكال الثاني

الإشكال الثاني هو الإشكال الذي أورده الشهيد الثاني على هذه الرواية، حيث قال إن هذه الرواية مبتلاة بالاضطراب وتخالف الأصول. فكيف تخالف الأصول أو تعاني من الاضطراب؟ نذكر بعض الأمثلة على الأمور المذكورة في هذه الرواية والتي تخالف الأصول أو – بعبارة أخرى – تخالف الإجماع. وقد ذكر المرحوم السيد الخوئي وآخرون بعضاً من هذه الأمور التي تمنع من الأخذ بهذه الرواية. فصحيح أن سندها قد حظي بالقبول، إلا أن محتواها ومضمونها غير قابل للالتزام به.

المورد الأول

من أهم الأمور المذكورة في هذه الرواية والتي لا تُعد مقبولة وتخالف الإجماع، هو التفصيل بين البنت البالغة وغير البالغة. فبناءً على هذه الرواية، إذا زُوّجت البنت البالغة من شخص آخر من قِبل الأب، فلا حق لها في فسخ هذا العقد؛ ولكن إذا زُوّجت البنت غير البالغة من شخص آخر، كان لها حق نقض النكاح بعد بلوغها. فقد نصت الرواية على: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَتَى يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ وَلَا يَسْتَأْمِرَهَا؟»؛ أي متى يصح للأب أن يزوّج ابنته من شخص آخر دون أن يستطلع رأيها؟ فكان جواب الإمام (عليه السلام): «إِذَا جَازَتْ تِسْعَ سِنِينَ»، أي إذا تجاوزت التاسعة وبلغت؛ «فَإِنْ زَوَّجَهَا قَبْلَ بُلُوغِ التِّسْعِ سِنِينَ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ»؛ أما إذا زوّج هذه البنت من شخص آخر قبل التاسعة، فإن هذه البنت يحق لها نقض هذا النكاح بعد بلوغها التاسعة. فما معنى هذا؟ معناه أن البنت البالغة إذا زوّجها أبوها من شخص آخر، لا يحق لها فسخ هذا النكاح؛ ولكن إذا زُوّجت البنت غير البالغة (الصغيرة) من شخص آخر، يحق لها نقض النكاح بعد بلوغها. وهذا التفصيل مخالف للإجماع، ولم يقل به أحد؛ أي إن هذه الرواية تتضمن حكماً لم يلتزم به أي من فقهاء الشيعة.

السؤال: …

الأستاذ: كأنها تشير إلى صنفين؛ فالسؤال هو متى يمكن للأب أن يزوج ابنته من شخص آخر دون أن يستطلع رأيها؟ «إِذَا جَازَتْ تِسْعَ سِنِينَ»، أي إذا بلغت البنت تسع سنين، جاز للأب أن يزوجها من غيرها دون استطلاع رأيها؛ وهذا يعني أن البنت لا تملك خياراً وأن الخيار كله بيد الأب. ثم يطرح في تتمة الكلام فرعاً وفرضاً آخر قائلاً: إن زوجها من شخص آخر قبل التاسعة، كان لها الخيار بعد البلوغ. إذن، الخيار قد ثبت للبنت التي زُوّجت قبل البلوغ، لا لتلك البنت التي تجاوزت التاسعة. وهذا التفصيل يخالف الإجماع ويخالف الأصول، ولا يقبل به أحد.

المورد الثاني

لقد أُثبت الخيار للغلام في بداية الرواية، ثم ذُكر له فرضان لاحقاً وفُصّل بينهما. «فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، إِنَّ الْغُلَامَ إِذَا زَوَّجَهُ أَبُوهُ وَلَمْ يُدْرِكْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَ وَبَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ يُشْعِرُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ يُنْبِتُ فِي عَانَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ»، فإذا زوّج الأب غلامه من شخص آخر ولم يكن بالغاً، كان له الخيار إذا بلغ خمسة عشر عاماً، أو نبت الشعر في وجهه، أو نبت في عانته قبل ذلك. وهذه مباحث تتعلق بالبلوغ؛ فإما أن يبلغ سناً معيناً في حال لم تظهر عليه هذه العلامات قبلاً، أو إذا ظهرت هذه العلامات قبلاً فلا يُلتفت إلى السن. فهنا يقرر أن له الخيار قبل البلوغ. ولكن في تتمة الحديث، يُسأل عما لو صرح الغلام بعد البلوغ بعدم رغبته في هذه المرأة وأظهر كراهته لها، فذُكر في هذه الرواية تفصيل لم يقبل به أحد؛ «قُلْتُ: فَإِنْ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ، فَمَكَثَ مَعَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَدْرَكَ بَعْدُ فَكَرِهَهَا وَتَأَبَّاهَا؟ قَالَ: إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي زَوَّجَهُ وَدَخَلَ بِهَا وَلَذَّ مِنْهَا وَأَقَامَ مَعَهَا سَنَةً فَلَا خِيَارَ لَهُ إِذَا أَدْرَكَ»، فإذا زُوّج هذا الغلام من امرأة، وعاش معها فترة كسنة، وتلذذ منها واستمتع، فإذا بلغ لم يعد له خيار؛ أما إذا لم يحصل ذلك في هذه المدة، فله الخيار بعد البلوغ.

السؤال: …

الأستاذ: إذا ثبت هذا بعد البلوغ، فقد ورد في بعض الروايات “على الجارية” أو “على الغلام”، فعليه أن يدفع هذا المهر بنفسه؛ لأن الأب أو الجد كان يحق لهما إبرام هذا النكاح.

المورد الثالث

ومن الأمور الأخرى المخالفة للإجماع أو الأصول في هذه الرواية، أنه قال في حق الغلام مثلاً أن يبلغ خمسة عشر عاماً أو ينبت الشعر في وجهه أو يظهر الشعر على عانته؛ فقد ذُكر نبات الشعر في الوجه كعلامة للبلوغ، ولكن الفقهاء لم يفتوا بذلك.

وبطبيعة الحال، هذا قابل للحل؛ فلدينا في الروايات مسألة نبات الشعر في الوجه؛ ولكن ما هي النسبة بين السن وهذه العلامات الطبيعية، وكيف يمكن الجمع بين هذه الروايات المختلفة؟ لقد أوردنا جميع هذه الروايات بالتفصيل في بحث بلوغ البنات في كتاب (دراسة فقهية لبلوغ البنات) المطبوع؛ الروايات الدالة على أن مناط البلوغ هو السن، والروايات الدالة على أن للبلوغ علامات طبيعية، والعمدة في كيفية الجمع بينها؛ ولاسيما في حق البنت. لأنه في الغلمان عادةً ما تظهر العلامات الطبيعية قبل بلوغهم الخامسة عشرة، ولكن الأمر ليس كذلك في البنت؛ فالعلامات الطبيعية كالحيض أو بعض العلامات الأخرى لا تتحقق عادةً قبل بلوغ التاسعة. وحينها يُطرح السؤال: إذا كان المناط هو السن، فلماذا ذُكرت هذه العلامات الطبيعية إذن؟ وقد سلكنا هناك مسلكاً يمكنكم الرجوع إليه.