الدرس الثامن، المسألة الرابعة، المقام الثاني
الدرس الثامن
المسألة الرابعة – المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة – أدلة اشتراط المصلحة – الدليل الثاني ودراسته – الدليل الثالث ودراسته – الدليل الرابع ودراسته – نتيجة البحث في المقام الثاني
27 ربيع الأول 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة وقع البحث في أدلة اشتراط المصلحة في نفوذ عقد الجد والأب للبنت؛ وذكرنا أنه قد تُمُسِّك بعدة أدلة لبيان أن ولاية الأب والجد مشروطة بمراعاة المصلحة؛ بمعنى أنه إذا لم تُراعَ المصلحة، تسقط الولاية أساساً. وقد أوردنا الدليل الأول وتبين أنه لا يفي تماماً بالمقصود.
الدليل الثاني: انصراف المطلقات
يعتمد الدليل الثاني على ملاحظة إطلاقات أدلة النكاح؛ بمعنى أنه منفك عن مسألة الآية ودلالتها على اشتراط المصلحة في تصرفات الجد والأب المالية. فهو يسعى لإثبات اعتبار المصلحة بخصوص باب النكاح، بصرف النظر عن ثبوت هذا الشرط في التصرفات المالية أو عدمه، وذلك بالاستناد إلى دعوى انصراف المطلقات. وتوضيح المطلب:
إن أدلة النكاح الدالة على ثبوت ولاية الأب والجد على البنت مطلقة؛ أي إن ولاية الأب بموجب هذه الأدلة غير مشروطة بمراعاة المصلحة، ويقتضي إطلاقها صحة التزويج ونفوذه سواء روعيت فيه المصلحة أم لا. إلا أن هذه المطلقات منصرفة إلى التزويج الذي ينطوي على مصلحة. وعليه، فإن مطلقات باب النكاح التي تثبت الولاية على البنت بنحو الإطلاق، منصرفة إلى فرض مراعاة المصلحة؛ فالدعوى هنا هي انصراف اللفظ إلى خصوص صورة المصلحة.
دراسة الدليل الثاني
يمتاز هذا الدليل من بعض الجهات بخلوه من عيوب الدليل الأول؛ إذ كنا ملزمين في الدليل الأول بطي مرحلتين: إثبات اشتراط التصرفات المالية بالمصلحة أولاً، ثم التعدي من الأموال إلى النكاح ثانياً. ولذا كان عمدة الإشكالات هناك هو عدم ثبوت هذا الشرط في الأموال بموجب الآية، فضلاً عن إثباته في النكاح. أما هذا الدليل فهو في غنى عن تلك المرحلة الأولى، بل يتجه مباشرة إلى الأدلة المطلقة في ولاية النكاح، مدعياً انصرافها إلى صورة مراعاة المصلحة.
والسؤال المطروح هنا: ما هو وجه الانصراف؟ وبأي مسوغ يُدعى الانصراف في المقام؟ فالانصراف لا يثبت بلا سبب، بل يفتقر حتماً إلى قرينة؛ إما لفظية أو حالية أو كثرة الاستعمال، فالانصراف مسبب عن سبب بالنتيجة. فأي سبب هنا يوجب الانصراف؟ ولذا ذهب بعض الأعلام كالمرحوم السيد الحكيم إلى منع دعوى الانصراف هاهنا.
لكن يمكن أن يقال: إن الانصراف ناشئ من واقع مفهوم الولاية وحقيقتها؛ فلو حللنا مقولة الولاية -بلا فرق بین الولاية على الأموال أو الولاية في النكاح- لاتضح أنها حقيقة تقتضي لزوم مراعاة الولي لمصلحة المولى عليه. وعليه، يصح القول بأن سبب الانصراف هو حقيقة الولاية نفسها، التي لا تنفك في نظر العرف عن مقولة المصلحة. فالولایة تعني قيمومة وسد ثغرة شخص أو جماعة يعجزون عن إدارة شؤونهم بأنفسهم، فيتكفل بها شخص آخر؛ ومن الطبيعي عرفاً أن من يتبوأ هذا الموقع يجب عليه مراعاة مصلحة المولى عليه لا مصلحة نفسه. وبما أننا سنفرد هذا المطلب كدلیل مستقل، فإننا نرجئ تفصيل دراسته إلى موقعه. فالنتيجة في الجملة أنه في قبال منع المرحوم السيد الحكيم، ربما يقال بصلاحية هذا الوجه لتعليل الانصراف استناداً إلى حقيقة الولاية والتأمل في معناها.
الدليل الثالث: تحليل ماهية الولاية
ومفاده أن الولاية والقيمومة تعني بالعموم حق التصرف في الأموال والأنفس؛ فتارة تثبت للمرء ولاية على الأموال بمعنى حق التصرف في مال المولى عليه، وتارة يثبت للنبي (ص) ولاية على الأنفس بمعنى صلاحية التصرف في شؤون البشر كافة. فلماذا يُجعل شخص في هذا المنصب وتثبت له الولاية ويُختار قيماً؟
كما أسلفنا، يرى العرف أن عمدة العقلاء يعجزون أحياناً عن إدارة شؤونهم الخاصة، فلا يسعهم التصرف في أموالهم كالسفيه، أو يعجزون مطلقاً عن القرار والتصرف في أي شأن كالمجنون والصغير؛ وهنا يشرع العرف الولاية والقيمومة ليقوم الولي بتدبير شؤون المولى عليه. وحينئذٍ، هل يسوغ للولي المتكفل بهذه الشؤون أن يتصرف كيفما يشاء وبأي نحو يهواه، أم إن سرپرستی وقيمومته إنما جُعلت لتمضية الأمور وفق المصلحة؟ وهي مصلحة المولى عليه بالتأكيد لا مصلحة الولي ذاته. إن تحليل هذا السلوك العقلائي يكشف لنا بوضوح أن الولاية نوع اختيار وحق مُمنوح للولي لأجل حفظ مصالح المولى عليه، وقد أمضى الشارع هذا البناء العقلائي وسيرتهم. ومن الطبيعي أن من يوضع في هذا الموضع لا يسعه الاكتفاء بخلو الفعل من المفسدة، بل يلزمه توخي المصلحة حتماً.
وبناءً عليه، لو فككنا حقيقة الولاية لكانت النتيجة هي اعتبار المصلحة؛ لأن الملاك العرفي في جعل الولاية لشخص هو تتبع مصالح المولى عليه، ولا معنى لجعل قيم يتصرف بلا مصلحة وإن خلا فعله من المفسدة؛ إذ الفرض الخالي من المصلحة والمفسدة معاً قد لا يتلاءم مع جوهر الولاية حقيقة.
السؤال: …
الأستاذ: هل توردون الإشكال على هذا الدليل بالخصوص أم على وجه الكلية؟ … سؤالي هو: هل هنالك إلزام في عموم التصرفات المالية؟ بالنتيجة ثمة شؤون يواجهها الفرد في حياته الاعتيادية ويتحتم عليه تتبعها، سواء تعلقت بالأموال أم بغيرها، ولا يشترط أن يكون الفعل ضرورياً ليفتقر إلى الولي. نعم، لو كان الأمر ضرورياً ولا ولي للمكلف، قام الحاكم بالتدبير من باب الولاية الحسبية. لكن الفرض في صغار وأيتام ومجانين يعجزون عن القيام بشؤونهم (فلا يسعهم التصرف المالي ولا القرار في شؤون حياتهم قاطبة). وبعضهم كالسفيه يقتصر عجزه على المال، وبعضهم يعمه مطلقاً. فهذا الصنف لا يمكن تركه سدى، بل لا بد من قيم يتولى شؤونه؛ وهذا القيم إما الأب أو الجد أو الحاكم أو عدول المؤمنين؛ فرعاية الضعفاء وجعل الأولياء لهم أمر عقلائي لازم أمضاه الشارع. وبعض تلك الأفعال قد يكون واجباً وبعضها راجحاً؛ كمن يملك داراً ويريد تعويضها، فهذا راجح وقد لا يكون كذلك. ونحن نريد استكشاف هل يكفي مجرد خلو الفعل من المصلحة والمفسدة، أم يجب أن يتصف بالرجحان وتكمن فيه المصلحة فوق مرتبة عدم المفسدة؟
فالدليل الثالث يستنتج -عبر تحليل حقيقة الولاية وماهيتها وكونها أمراً عرفياً مأخوذاً من بناء العقلاء- أن الشارع قد أمضى ذلك، ولذا فإن حفظ مصالح المولى عليه أمر ضروري؛ إذ المدار العرفي في الرجوع إلى شخص وجعل الولاية له هو صيانة مصالح المولى عليه؛ فحينئذٍ هل يسعنا القول بجواز أن يأتي الولي بفعل عارٍ عن المصلحة بحجة خلوه من المفسدة؟ هذا الدليل ينفي ذلك.
إن قلت: إن مسألة الولاية ليست على هذا النحو بأن يكون جعل القيم لحفظ المصالح؛ وبتعبير آخر إن الولاية ليست مأخوذة من العرف ولا أثر لبناء العقلاء هنا. بل إن ما يثبت الولاية لنا هو بيانات الشارع؛ ومنها ما ورد في بعض الروايات: «أنت ومالك لأبيك»، حيث تفيد أن الولاية ثابتة للأب عليك وعلى مالك. فهل قُيدت هذه الولاية بالمصلحة، أم إن مفادها أنك ومالك ملك للأب وله أن يصنع ما يشاء وثابت له مطلق الاختيار؟ وبناءً عليه، فإن ركيزة الدليل الثالث باطلة من أساسها حین تبتغي إثبات لزوم المصلحة عبر تحليل ماهية الولاية.
الجواب: كما بينا سابقاً، فإن مسألة الولاية لها ریشه وعرف عقلائي؛ فالجاري في العرف تعيين قيم لليتيم والصغير الذي لا سرپرست له، فلها أصل عقلائي بلا ريب. علاوة على ذلك، فإن القول بكون الولاية متلقاة محضاً من لسان الشارع كـ «أنت ومالك لأبيك» -من دون ملاحظة السيرة العرفية- يلزمه الالتزام بجواز تصرف الأب في مال ولده حتى مع المفسدة؛ لأن ظاهر عبارة «أنت ومالك لأبيك» يفيد أنه كما يسوغ للأب التصرف في ماله كيفما شاء حتى مع المفسدة، فكذا يملك النفوذ في شؤونك وأموالك وإن انطوى على المفسدة؛ وهو تالٍ لا يلتزم به أحد. وقد حققنا في المقام الأول أن نفوذ تصرف الولي مشروط بالخلو من المفسدة حتماً، ولم يقبل أحد بخلافه. فهذا يكشف عن الجذر العرفي للولاية الذي يقضي بأن ملاك القيمومة والسرپرستی هو حفظ مصلحة المولى عليه؛ وهذا مطلب مهم وجوهري.
ولذا يبدو أن الدليل الثالث دليل مقبول وتام؛ والمصلحة في نفسها ذات مفهوم واسع يستوعب الشؤون المادية والمعنوية معاً. أما مسألة تشخيص الولي للمصالح وإدراكها فخارجة عن محل بحثنا؛ والمهم أنه حين يشرع في فعل يتعلق بالمولى عليه، يجب أن ينقدح في ذهنه أنه يتحرى مصلحته. والإنسان بطبعه يلاحظ المصالح فيما يأتي به من أفعال لولا العوارض والطوارئ؛ وقد يخطئ في تطبيق المصداق، لكنه حتى في فرض الخطأ يكون متقيداً في لبه بابتغاء مصلحة المولى عليه.
الدليل الرابع: النصوص الروائية
ويستند الدليل الرابع إلى بعض الروايات؛ حيث يرى المستدل أن جملة من أخبار باب النكاح دالة على اعتبار المصلحة.
الرواية الأولى
(عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ إِنَّ الْجَدَّ إِذَا زَوَّجَ ابْنَةَ ابْنِهِ وَ كَانَ أَبُوهَا حَيّاً وَ كَانَ الْجَدُّ مَرْضِيّاً جَازَ). بموجب هذه الرواية، فإن من جملة شروط جواز تزويج الجد ونفوذه مع حياة الأب هو كون الجد “مرضياً”. والرضا يؤول لمعنى اتصاف فعله بالمصلحة؛ أي إن تصرفه يقع وفق مصلحة البنت وتُراعى فيه غبطتها. ورغم الإشكالات الواردة على الرواية والتي تعرضنا لها في مقام آخر، إلا أن قيد «وكان الجد مرضياً» يفيد رضا العرف بمطابقة فعله للمصلحة، إذا غضضنا الطرف عن حمله على العدالة (وقد منعنا دلالته عليها سابقاً).
الرواية الثانية
(عَنْ فَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: لَا تُسْتَأْمَرُ الْجَارِيَةُ الَّتِي بَيْنَ أَبَوَيْهَا إِذَا أَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا هُوَ أَنْظَرُ لَهَا). حيث نفى الإمام (ع) لزوم الاستئمار ونظر المشورة من البنت الباكر العيش مع أبويها إذا أراد الأب تزويجها. والعلة تكمن في ذيل الرواية وهو العمدة: «هو أنظر لها»؛ أي إنه أشد تجربة وحنكة وأقوى على تشخيص مصالحها. ونفي استقلال البنت واختيارها إنما يدور مدار هذه العلة. وصحيح أن الأب قد يخطئ في المصداق فيرى المصلحة في غير موضعها، وكذا بينا سابقاً أن الرواية لا تنفي استقلال البنت مطلقاً بل جمعنا بينها وبين سائر الأخبار؛ ليبقى بحث كونه ولادة استقلالية أو شركة في القرار موضوعاً آخر. لكن العمدة أن التعليل جاء بقيد «أنظر لها»؛ والنظر الأعمق يساوق رعاية مصلحة البنت. لذا لا يبعد القول بنظارة هذه الرواية أيضاً إلى اعتبار المصلحة.
نتيجة البحث في المقام دوم
فتحصل مما ذكرنا كله أننا عرضنا أربعة أدلة؛ وفي الجملة فإن بعض هذه الأدلة وافٍ بإثبات اعتبار المصلحة، وهو ما نراه لازماً لا سيما في زماننا هذا. وبناءً عليه، ورغم ذهاب الإمام (ره) والمرحوم السيد إلى الاحتياط الوجوبي، إلا أننا نفتي بوجوب مراعاة المصلحة؛ بمعنى أن ولاية الولي منوطة ومشروطة بالمصلحة.