The news is by your side.

الدرس الثاني والثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الثاني والثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – استعراض المباحث المتعلقة بحديث الرفع إلى هنا والمباحث المتبقية – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثالث: دراسة اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية وشموله للأمور العدمية – كلام المحقق النائيني – الصورة الأولى – الصورة الثانية

11 شعبان 1447 هـ

استعراض المباحث المتعلقة بحديث الرفع إلى هنا والمباحث المتبقية

لقد وصل بحثنا في حديث الرفع إلى هنا، وهو أن هذا الحديث يدل على البراءة ويمكن أن يستدل به القائلون بالبراءة في الشبهات الحكمية. وبالطبع، لم ينتهِ البحث في هذا الحديث بعد. ففي البداية بُين أنه يجب تبيين أجزاء هذا الحديث بدقة، ولا سيما فقرة «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ». وقد قُدمت ملاحظات ومطالب حول معنى “الرفع”. كما أشير إلى عدة مطالب متعلقة بـ “الرفع”، وبيّنّا مطالب حول “ما” الموصولة وإسناد “الرفع” إلى “ما”.
والمطلب الثاني الذي طال فيه البحث كان حول شمول هذا الحديث للشبهات الحكمية، وهل أن هذا الحديث يشمل الشبهات الموضوعية والحكمية أم لا. وفي هذا الصدد، طُرحت الآراء والأقوال والأدلة، وكانت النتيجة أن هذا الحديث يشمل كلا النوعين من الشبهة.
وقد بقيت عدة مطالب أخرى، يرتبط بعضها بهذا البحث نفسه في باب البراءة؛ ومنها: هل أن هذه العناوين، ومن بينها «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، تشمل الأحكام غير الإلزامية أيضاً أم لا؟ فمثلاً، هل هذا الرفع للحكم المجهول أو الموضوع المجهول ناظر إلى الواجبات والمحرمات فحسب، أم أنه يشمل المستحبات أيضاً؟ وكذلك، هل حديث الرفع والعناوين المندرجة فيه تشمل الأحكام العدمية والأمور العدمية أيضاً أم لا؟ على سبيل المثال، لو وقع الترك متعلقاً للإكراه، فهل يُرفع هو أيضاً؟ ثمة مباحث من هذا القبيل مطروحة تندرج جميعها بنحو ما في إطار بحثنا هذا. ففي النهاية، لو قلنا بالبراءة واعتبرنا هذا الحديث شاملاً للمستحبات، فبطبيعة الحال يمكن للبراءة أن ترفع حتى الحكم المستحب المجهول أو المجهول المستحب. أو مثلاً، هل أن ما لا نعلمه يشمل الفعل فقط أم أنه يشمل الترك أيضاً؟ وكذلك، هذا الامتنان المطروح في حديث الرفع والذي قيل إن الحديث قد ورد في مقام الامتنان، هل هو امتنان شخصي أم نوعي؟ هذه ملاحظات يجب علينا تناولها الآن.
وعلاوة على ذلك، لدينا بحث أيضاً حول سائر فقرات الحديث؛ كـ «رُفِعَ الْخَطَأُ» أو «مَا اخْطَئُوا عَلَيْهِ» أو «رُفِعَ النِّسْيَانُ»، فما المراد منها؟ أو ما المقصود بـ «الطِّيَرَةُ» و«الوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ» و«الْحَسَدُ»؟
إذن، وإلى هنا، لا يزال بحثنا في حديث الرفع متمحوراً حول فقرة «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وتبيين أبعادها وشرحها. ولاحظوا أن البحث قد يتعقد كثيراً أحياناً، فيتوه هذا المسار عن البعض. فنحن ما زلنا نواصل البحث في القسم المتعلق بهذه الفقرة واستجلاء أبعادها المختلفة. وقد بقي بحثان أو ثلاثة في هذا القسم، ترتبط جميعها بالأبعاد والجهات المختلفة للحديث، أي فقرة «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، ويمكن القول إنها تحدد نطاقه. وبعد ذلك، سيكون لدينا بحث حول سائر فقرات هذا الحديث وسنذكره إن شاء الله. وعندما ينتهي هذا البحث، سننتقل إلى [المبحث التالي]. ويُطرح بحث حديث الرفع حتى الآن بوصفه الرواية الأولى في الاستدلال لإثبات البراءة.

المطلب الثالث: دراسة اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية وشموله للأمور العدمية

والمطلب الثالث الذي سنتناوله استكمالاً للمباحث السابقة، هو: هل العناوين المذكورة في حديث الرفع مختصة بالأمور الوجودية أم أنها تشمل الأمور العدمية أيضاً؟ لاحظوا ما المقصود بالشمول للأمور العدمية؟ لتوضيح المطلب، نذكر مثالاً. وهذا البحث من جملة المباحث التي يترتب عليها ثمرات فقهية كثيرة وهو غني جداً.
على سبيل المثال، افرضوا أن شخصاً نذر أن يشرب من ماء الفرات، وهو المثال الذي ذكره المرحوم النائيني نفسه. ونظراً لأن شرب ماء الفرات ذو رجحان وفقاً لبعض الروايات، فقد انعقد نذره، وبطبيعة الحال فإن «أَوْفُوا بِالنُّذُورِ» توجب الوفاء بهذا النذر. فإن لم يعمل بهذا النذر، فقد ارتكب حراماً من باب مخالفته للنذر، ويترتب على ذلك كفارة أيضاً. إذن فمخالفة النذر لها حرمة تكليفية وتثبت الكفارة معاً.
والآن، افرضوا أن شخصاً أجبر الناذر على ترك الشرب ومنعه من شرب ماء الفرات وأجبره على تركه (أي أُكره على الترك). فالسؤال هو: هل يشمل حديث الرفع مثل هذا الشخص أم لا؟ هل هذا الحديث يشمل التروك والأمور العدمية أيضاً أم لا؟ لقد قلنا حتى الآن إنه لو وقع الإكراه على الفعل، فإن آثار ذلك الفعل الإكراهي تُرفع. ولكن لو وقع الإكراه على الترك، فهل يرفع حديث الرفع آثاره أيضاً؟ وبنفس الترتيب، تُطرح المسألة في مورد الاضطرار أيضاً. فتارة ينشأ الاضطرار لترك عمل ما؛ فهل يرفع حديث الرفع آثار الترك الاضطراري أيضاً؟ وحتى في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» قد لا يكون الترك نفسه معلوماً ويكون مجهولاً في بعض الموارد. في «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ». ففرضنا هو أن هذه العبارة أعم من الأفعال الخارجية والأحكام الشرعية؛ فهي تشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً. والآن، البحث في أن «مَا لَا يَعْلَمُونَ» تارة تكون فعلاً وتارة أخرى تكون تركاً. ونحن نريد أن ندرس هل الرفع يجري على الترك أيضاً أم لا؟

كلام المحقق النائيني

وهنا، يقول المرحوم النائيني تحديداً -والذي طرح هذا البحث بتفصيل أكبر- إن حديث الرفع لا يجري في مورد الترك. ثم يقدم توضيحات ويذكر شواهد أيضاً لهذا المدعى.
وخلاصة مدعاه هي أن عمل حديث الرفع هو تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ لأن “الرفع” يقابل “الوضع”. و”الوضع” يعني تنزيل المعدوم منزلة الموجود. فعندما يضع شخص شيئاً (سواء في عالم التكوين أو في مجال الاعتبار والتشريع)، فإنه يزيل ما ليس بموجود أو يجعل حكماً؛ فأساساً “الوضع” يعني تنزيل المعدوم منزلة الموجود. أما “الرفع” فبقرينة التقابل مع “الوضع”، له عكس هذا المعنى؛ أي تنزيل الموجود منزلة المعدوم. فهو ينزّل الموجود منزلة المعدوم.
وفي هذا المثال نفسه الذي ذُكر: لو نذر شخص أن يشرب من ماء الفرات ثم أجبروه على الترك (أي أُكره أو اضطر للترك)، فهنا لا يمكن لحديث الرفع أن يقول: أنت الذي لم تشرب من هذا الماء، أنزلك منزلة من شرب منه. فلا يمكنه أن ينزل المعدوم منزلة الموجود.
ثم يربط المرحوم المحقق النائيني هذا البحث بمسألة نسيان السورة أو جزء من أجزاء الصلاة. وأصل المدعى هو أن حديث الرفع لا يجري هنا أصلاً. والسبب في أن هذا البحث يُطرح غالباً بهذه المناسبة، هو الثمرة التي تظهر خاصة في بعض أجزاء العبادات المركبة؛ إذ قد تُؤدى عبادة ما، ولكن يحدث نسيان لجزء منها، أو حتى يُكره الشخص على ترك جزء أو يضطر لتركه.
والآن، يُبحث فيما لو قرأ شخص مثلاً الصلاة بلا سورة بسبب نسيان أو اضطرار لترك ذلك الجزء، فهل يمكن لحديث الرفع أن يكون مؤثراً وفاعلاً هنا أم لا؟ وما هو أثره؟
السؤال: …
الأستاذ: نحن الآن في مقام نقل كلام المحقق النائيني فحسب… والمسألة من زاوية أخرى هي هل يترتب أثر على هذا الترك أم لا؟ من هذا المنظور أن حديث الرفع… البحث هنا هو أن ذلك الشخص قد نذر أن يشرب من ماء الفرات وهو الآن لم يشرب. ففي النهاية قد حصلت مخالفة للنذر. وهذه المخالفة والموافقة نحن ننتزعها… وهذا الذي تقولونه، يعني ترك الواجب الذي هو حرام…
ويتابع المرحوم النائيني قائلاً: لو قرأ شخص الصلاة ونسي السورة بوصفها جزءاً من الصلاة، فإن حديث الرفع لا يمكن أن يجري هنا. لأننا تارة ندرسه بلحاظ الجزء نفسه، وتارة أخرى بلحاظ المركب؛

الصورة الأولى

في الصورة الأولى لا يكون فاعلاً لأن:
أولاً: الرفع يعني أن هناك شيئاً يجب أن يُرفع. فـ “الرفع” بحاجة إلى موضوع ومتعلق؛ والترك ليس شيئاً ولا جزءاً ليقع متعلقاً للرفع. فالصلاة قد قُرئت بلا سورة. والصلاة نفسها شيء واحد؛ فهي مركب نُقص منه جزء، ولكن هذا الجزء نفسه، هذه السورة المنسية نفسها، ليست شيئاً في الأساس ليتعلق بها الرفع. هذا بلحاظ السورة والجزء نفسيهما.
إذن يقول المحقق النائيني: كأنما يريد حديث الرفع هنا أن يكون مؤثراً وفاعلاً إما بالنسبة للجزء المنسي، أو بالنسبة للمركب الفاقد لهذا الجزء. ولا يخرج عن هاتين الحالتين. ولا يمكن أن يشمل الرفعُ الجزءَ نفسه بدليلين لكي نقول إن أثر حديث الرفع يظهر بالنسبة للجزء المنسي: لأنه أولاً، الرفع يحتاج إلى موضوع ومتعلق، والجزء المنسي في الواقع ليس بشيء، والترك ليس بشيء.
ثانياً: نفترض أن هذا الشخص قد أتى بهذا الجزء في العبادة؛ كأن أتى بالسورة في الصلاة مثلاً. فلو أراد حديث الرفع أن يؤثر، فما هو الأثر الذي كان سيتركه بلحاظ هذا الجزء؟ يجب أن نقول إن صلاة هذا الشخص كانت صحيحة؛ فلو كان قد أتى بهذا الجزء، لكانت الصلاة صحيحة بلحاظ هذا الجزء، والآن وقد لم يأتِ به، فلو أراد الرفع أن يؤثر هنا، فيجب أن نقول إنه يرفع الصحة، وهذا خلاف المقصود. ومعنى هذا الكلام هو أن هذه العبادة تفسد. فلو أُريد رفع الصحة بحديث الرفع، لكان هذا نقضاً للغرض وخلافاً للمقصود؛ لأن أثر السورة (لو وُجدت) كان هو الصحة. والآن وقد جاء حديث الرفع، فيجب إذن أن يرفع هذا الأثر؛ أي يقول إنها ليست صحيحة، وهذا خلاف الامتنان. فحديث الرفع قد ورد أصلاً في مقام الامتنان، فلو كان مقدراً لحديث الرفع أن يشمل هذه الأجزاء المتروكة، سواء بسبب النسيان أو الاضطرار أو الإكراه، لكان هذا خلاف الامتنان وخلاف المقصود.
علاوة على ذلك، فإن الصحة والفساد لا علاقة لهما بالشارع أصلاً؛ فهذا حكم العقل. فعقلنا عندما يرى المأمور به ويرى المأتي به، أي ما أُمر به وما أتى به المكلف، فإذا رأى تطابقاً بينهما، حكم بالصحة. فيقول العقل إن هذا صحيح. وإذا لم يَرَ تطابقاً بينهما، حكم بالفساد. إذن فمسألة الصحة والفساد ليست حكم الشارع؛ بل أمرها بيد العقل. وبناءً عليه، فإن حديث الرفع لا يمكن أن يكون مؤثراً بحسب الجزء.

الصورة الثانية

أما بلحاظ الكل، أي أن نقول إن لحديث الرفع تأثيراً بلحاظ هذا المجموع، هذا المركب الفاقد للجزء. ففي هذه الصورة، لو أراد أن يكون له هذا التأثير، ونظراً لمعنى “الرفع”، فيجب أن ينزل المعدوم منزلة الموجود؛ أي يقول إن المركب الفاقد للجزء كالمركب الواجد له. وهذا يعني تنزيل المعدوم منزلة الموجود، في حين أن حديث الرفع له عكس هذا المعنى. فقد قلنا إن عمل “الرفع” هو تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود.
وبناءً عليه، فإن حديث الرفع لا يمكن أن يكون مؤثراً وفاعلاً لا بلحاظ الجزء المفقود (الجزء المتروک) ولا بلحاظ المركب الفاقد للجزء. إذن لا أثر لحديث الرفع ولا دور له بالنسبة للترك والأمور العدمية. وهذا هو أصل مدعى المحقق النائيني. وبالمناسبة، يتابع سماحته البحث حيث طُرحت إشكالات هنا أيضاً، وسنتابعها غداً إن شاء الله.