The news is by your side.

الدرس السابع والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس السابع والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثاني: دراسة اختصاص وعدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية – الطرق الخمسة – الطريق الثاني – إشكال بعض الأعاظم على الجواب الرابع – الطريق الثالث

4 شعبان 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث في الطرق والأدلة التي تدل على اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. وقد خضع الطريق الثاني، وهو مسألة وحدة السياق، للدراسة والإشكال. وقد أُجيب عن هذا الطريق بعدة أجوبة، وطُرحت إشكالات عليها. والجواب الرابع هو أن وحدة السياق ترتبط بالإرادة الاستعمالية لا بالإرادة الجدية. فـ “ما” في «ما لا يعلمون» و«ما اضطروا إليه» و«ما استكرهوا عليه» وسائر الفقرات قد استُعملت في معنى واحد. ولكن يوجد فرق بينها في الإرادة الجدية؛ ففي موضع أُريد منها الفعل، وفي موضع آخر أُريد الأعم من الفعل والحكم. ولذا، في «ما لا يعلمون» أُريدت الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية معاً، وهذا لا يخل بوحدة السياق أصلاً، وعليه يثبت شمول حديث الرفع للشبهات الحكمية، أو على الأقل يثبت عدم اختصاصه بالشبهات الموضوعية.

إشكال بعض الأعاظم على الجواب الرابع

أورد صاحب “منتقى الأصول” إشكالين على هذا الجواب:

الإشكال الأول

إن ادعاء ارتباط وحدة السياق بالإرادة الاستعمالية دون الإرادة الجدية هو ادعاء بلا دليل. فهو يقول: إن قولكم بأن وحدة السياق ترتبط بالإرادة الاستعمالية وأن الإرادة الجدية خارجة عن دائرة وحدة السياق، هو مجرد ادعاء لم يُقم عليه أي دليل. ولذا، ليس من المعلوم أن يكون هذا الأمر مقبولاً، وبأي دليل تحصرون وحدة السياق في دائرة الإرادة الاستعمالية فقط؟

الإشكال الثاني

سلّمنا أن وحدة السياق ترتبط بالإرادة الاستعمالية وصرفنا النظر عن الإشكال الأول، ولكن هل هذه الوحدة موجودة في الإرادة الاستعمالية أم لا؟
الإرادة الاستعمالية تعني في الواقع ما أُريد من اللفظ وما استُعمل فيه اللفظ. وقد قلنا في الجلسة السابقة أيضاً إن جملة «أكرم العلماء» مثلاً تدل على معنى عام، وقد استُعملت كلمة «العلماء» في المعنى العام. فلو ذُكرت قرينة متصلة إلى جانبها مثل «أكرم العالم إلا الفاسق»، إما بنحو الاستثناء أو الوصف أي «أكرم العالم العادل»؛ فهنا المراد من العالم في هذه الجملة هو العالم العادل لا الفاسق. وفي القرينة المتصلة -إن كنتم تذكرون- قالوا إن الخاص أو القرينة المتصلة متى ما جاءت، فإنها تمنع من انعقاد ظهور العام في العموم. ولكن الأمر ليس كذلك في القرينة المنفصلة؛ ففي المورد الذي يُستعمل فيه لفظ عام ثم يُذكر الخاص منفصلاً، فإن تلك القرينة المنفصلة أو المخصص المنفصل يمنع من حجية العام في العموم لا من ظهوره، لأن الظهور في العموم قد انعقد قبل مجيء هذه القرينة. فالعمل الذي تقوم به القرينة المنفصلة والخاص المنفصل هو أنها لا تدع ذلك العموم يكون حجة وتمنع من حجية العام.
وبناءً على هذا، في مثل حديث الرفع حيث تكررت كلمة “ما” في عدة فقرات، فإنها جميعاً بمثابة القرينة المتصلة، والقرينة المتصلة ترتبط بتلك الإرادة الاستعمالية بعينها. لذا لا يمكننا القول إن “ما” في «ما لا يعلمون» و«ما اضطروا إليه» قد استُعملت في معنى واحد، إذ إن المراد الاستعمالي نفسه يختلف فيها. فلو أُريدت وحدة السياق، لوجب أن يكون المراد في جميعها هو الفعل.
لأنه في الجواب الرابع، لا تأتي “ما” بمعنى الشيء المبهم حتى نقول إنها بمعنى واحد في جميع الفقرات. ففي النهاية، أي معنى يريدونه من “ما”، فإنه بالنظر إلى اتصال هذه الفقرات بعضها ببعض، تأخذ حكم القرينة المتصلة ولا تَدَع “ما” تُستعمل في معنى واحد في هذه الموارد.
ولو قلنا إن “ما” بمعنى الشيء المبهم الذي تخرجه صِلَته عن الإبهام، وأن ذلك يختلف في مقام الانطباق، كما ذهب إليه المحقق الحائري وتبعه في ذلك المحقق الخوئي، لكان هذا كلاماً آخر. ولكنه يريد القول بأن المراد الاستعمالي من “ما” واحد في جميع هذه الفقرات وأن وحدة السياق متحققة. بيد أن إشكال صاحب المنتقى هو أن الإرادة الاستعمالية هنا ليست واحدة.
وبالتالي، بالنظر إلى أن “ما” تُحمل على الفعل في سائر الفقرات، فلو أردنا هنا حملها على الفعل والحكم معاً، لانخرمت وحدة السياق. إذن الإشكال الثاني هو أن “ما” الموصولة في هذه الفقرات لا تمتلك وحدة حتى بحسب المراد الاستعمالي.

نتيجة البحث في الطريق الثاني

فَتَحَصَّل مما ذكرنا كله، أن الطريق الثاني أيضاً لا يمكنه إثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية والأفعال الخارجية. والجواب الصحيح عن هذا الطريق هو ما بيّنه المحقق الحائري، وهو كلام متين ومحكم؛ ومفاده أن “ما” في النهاية قد وُضعت للدلالة على الشيء المبهم، وقد استُعملت في المعنى ذاته، وهي بهذا المعنى في جميع الفقرات، ولا يحصل أي تغيير في معنى “ما”. غاية الأمر، وبما أن الصلة تُذكر لتبيين الموصول بغية إخراجه من الإبهام، فإن الصلات تختلف في هذه الفقرات. والاختلاف الحاصل بينها من حيث الاشتمال على الحكم وعدمه إنما يرتبط بالانطباق الخارجي لاختلاف مصاديقها ومواردها؛ ففي موضع تنحصر في الفعل كـ «ما لا يطيقون»، وفي موضع آخر تعم الفعل والحكم كـ «ما لا يعلمون». وبناءً عليه، ينتفي الطريق الثاني أيضاً.

الطريق الثالث

المدعى هو اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. فلو ثبت هذا الاختصاص، لَمَا بقيت لهذا الحديث فائدة في البراءة، ولَمَا أمكننا الاستناد إليه لإثبات البراءة في الشبهات الوجوبية والتحريمية التي هي محل بحثنا.
والآن، فإن الطريق الثالث لإثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية هو:
لقد قلنا سابقاً إن إسناد الرفع إلى “ما” الموصولة في فقرات مثل «ما اضطروا إليه» أو «ما استكرهوا عليه» هو إسناد مجازي. أي إننا بحاجة إلى مصحح لكي نسند الرفع إلى «ما لا يطيقون». فـ «ما لا يطيقون» أو «ما اضطروا إليه» لا يمكن أن تُرفع مباشرة، ولذا يحتاج الرفع إلى تقدير ليكون هو المرفوع الحقيقي. إذ لا معنى لرفع الاضطرار أو الإكراه نفسه، لأن جميع هذه الأمور موجودة في أمة النبي (ص)، ومن الناحية التكوينية لم تُرفع. لذا يجب القول بأن جميع الآثار قد رُفعت، أي يجب أخذ شيء في التقدير؛ وهو رفع جميع آثار الفعل الإكراهي أو الفعل الاضطراري؛ وهذا هو مصحح الإسناد لكي نسند الرفع إلى جميع الآثار لا إلى الشيء نفسه.
الآن، لو كان الموصول في «ما لا يعلمون» مختصاً بالفعل ولا يشمل الحكم والشبهات الحكمية، لكان إسناد الرفع إلى «ما لا يعلمون» إسناداً مجازياً شأنها شأن تلك الفقرات. بمعنى أنه لو كان المراد من “ما” في «ما لا يعلمون» هو الشبهة الموضوعية والفعل الخارجي، فبما أن الرفع لا يمكن أن يُسند مباشرة إلى «ما لا يعلمون»، فيجب إذن أخذ شيء في التقدير، والمقدر هنا هو “جميع الآثار” أسوة ببقية الفقرات، أي رفع جميع آثار ما لا يعلمون، على وِزان سائر الفقرات. أي جميع آثار الفعل المجهول، جميع آثار الفعل المُكره عليه، جميع آثار الفعل الاضطراري. فالإسناد مجازي في جميع الفقرات بشكل متساوٍ تماماً بواسطة تقدير “جميع الآثار”، حيث يُسند الرفع حقيقة إلى تلك “الآثار جميعها”، ومجازاً إلى ذلك الفعل المضطر إليه أو المُكره عليه، وقِس على هذا.
أما لو اعتبرنا أن الموصول في «ما لا يعلمون» أعم، وقلنا إن «ما لا يعلمون» تعني أن الفعل الذي لا نعلمه والحكم الذي لا نعلمه قد رُفعا (أي أن الرفع يتعلق بالفعل بوصفه موضوعاً خارجياً، ويتعلق بالحكم أيضاً)، فإن لازمه أن يكون الإسناد حقيقياً في مورد ومجازياً في مورد آخر، ومن الممتنع أن نرتكب الحقيقة والمجاز معاً في إسناد واحد، فنلحظ الإسناد المجازي والحقيقي في آن واحد. لأنه لو قلنا إن المراد من “ما” هو الموضوع الخارجي فالأمر واضح: رفعُ الفعل المشكوك الذي لا تعلمونه، «رُفع ما لا يعلمون»؛ فلو كان المراد من “ما” هو الفعل، فبطبيعة الحال سيكون الإسناد مجازياً كباقي الموارد، لأن الفعل المشكوك نفسه لا يُرفع بل تُرفع آثاره. أما لو أردنا أن يكون المراد من “ما” الموصولة هو الحكم بدلاً من الفعل، فهنا لا يكون الإسناد مجازياً بعد ذلك، بل هو إسناد حقيقي، لأن رفع الحكم لا محذور فيه البتة. فيمكن أن يُسند الرفع حقيقة إلى الحكم المجهول أو المشكوك، ولا نحتاج بعد ذلك إلى تقدير. فلو قلنا إن المراد هو الشبهات الحكمية، فإنها تقع مرفوعة بنفسها. ولو كان المراد من “ما” هو الفعل لوجب أخذ شيء في التقدير: رفع جميع آثار الفعل الإكراهي، جميع آثار الفعل المجهول، أما لو كان المراد هو الحكم والتكليف، فإن الرفع يمكن أن يرفعه هو حقيقة، أي رفع الحكم المجهول. ففي هذه الصورة يصبح الإسناد حقيقياً، ولا يمكن في إسناد واحد أن يجتمع الإسناد الحقيقي والمجازي في آن معاً، فهذا مستحيل. ففي النهاية، في الإسناد الواحد (إسناد الرفع إلى “ما”)، إما أن نرتكب المجاز ونأخذ شيئاً في التقدير، أو نلتزم بالحقيقة ونقول بعدم وجود شيء في التقدير، ولا يمكن الجمع بينهما.
إذن، ما يبيّنه المستدل في الطريق الثالث هو أننا لو اعتبرنا حديث الرفع شاملاً للشبهات الحكمية، للزم من ذلك اجتماع إسنادين (الإسناد الحقيقي والمجازي) في إسناد واحد وهذا محال، وعليه فإن حديث الرفع لا يشمل الشبهات الحكمية.
وخلاصة هذا الدليل هو قياس استثنائي ذكره المستدل، بيانه: لو شمل حديث الرفع الشبهات الحكمية، للزم أن يوجد في الإسناد الواحد إسناد حقيقي وإسناد مجازي معاً.
لكنه لا يمكن أن يجتمع في الإسناد الواحد إسناد حقيقي وإسناد مجازي.
إذن، حديث الرفع لا يشمل الشبهات الحكمية.

بحث الجلسة القادمة

الآن، هل هذا الدليل تام أم لا؟ لقد قدم المحقق الخوئي جوابين عن هذا الطريق، وسنبيّن نحن أيضاً جواباً واحداً.