الدرس الرابع والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الرابع والستون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – كلام المحقق العراقي – الشاهد الخامس ودراسته
6 رجب 1404 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
أفدنا المطلب سابقاً بأن معالم البحث الدلالي في حديث الرفع منوطة بتحرير الجهات الثلاث المقررة في لفظ «الرفع». وكان محور المعالجة في المطلب الثالث يدور مدار استكشاف الهوية الصياغية للرفع، وأنه هل يجرى برسم الرفع الظاهري الإثباتي أم الرفع الواقعي الثبوتي؟ وكما سلف، فإن هذا التميز محدد رئيس لصلاحية الحديث في الانضواء تحت لواء أدلة البراءة.
وقد استعرضنا ونقشنا حتى الآن أربعة شواهد؛ ثلاثة منها ساقها السيد الخوئي، والشاهد الرابع أثاره المحقق العراقي مستنداً إلى مقتضى «مقام الامتنان»، حيث فرغنا في الجلسة السابقة من قراءة الإشكالين الموجهين إليه والجواب عنهما عرفاً وصناعة.
الشاهد الخامس
وينعقد البحث في هذه الجلسة حول الشاهد الخامس المقرَّر في كلمات المحقق العراقي (قدس سره)؛ وهو برهان صناعي دقيق يبتني على انضمام مقدمتين عقليتين لتشييد مدعى الرفع الظاهري:
-
المقدمة الأولى: أن «رفع كل شيء نقيض وجوده». ومفادها أن الرفع والوجود في أي موضوع هما بمثابة النقيضين؛ فإذا ثبت وجود الشيء استحال رفعه، وإذا جرى رفعه انتفى وجوده حتماً.
-
المقدمة الثانية: أن «النقيضان في مرتبة واحدة». وقوامها أن التناقض صياغةً يشترط فيه اتحاد الرتبة بين الطرفين؛ فلا يتصور انقداح التناقض بين أمرين يقع أحدهما في رتبة متقدمة أو متأخرة عن الآخر، بل إن “الوحدة الرتبية” ركيزة عقلية مقومة لحقيقة النقيضين.
النتيجة: مقتضى انضمام هاتين القدمتين أن “الرفع” يجب أن يقع بالدقة في نفس المرتبة الرتبية التي يقع فيها “المرفوع”؛ وحينئذٍ لو التزمنا بأن الرفع هاهنا واقعي (أي يمس ذات الحكم الواقعي)، لأفضى ذلك إلى محال؛ لكون الرفع والمرفوع لا يقعان حينئذٍ في مرتبة واحدة، بل يتولد بينهما تقدم وتأخر رتبي؛ ومعه يتعين صناعياً القول بالرفع الظاهري؛ تحرزاً من المحذور.
أما المقدمة الأولى فواضحة الجلاء عرفاً وعقلاً؛ إذ رفع الشيء مساوق لنفي وجوده، فلا غبار عليها. أما المقدمة الثانية فكذلك؛ لاستقرار القواعد العقلية على أن النقيضين لا بد أن يجتمعا في رتبة واحدة؛ إذ مع اختلاف الرتبة يرتفع عن التناقض حقيقةً.
والشأن كل الشأن في كيفية تطبيق هذا البرهان على محل كلامنا (ما نحن فيه)؛ فالمراد من قضية «رفع كل شيء نقيض وجوده» بالقياس للمقام يتطلب تعيين أطراف النقيض؛ والنقيض للرفع هو المرفوع. فعليه يتعين قياس رتبة «الرفع» برتبة «المرفوع» لإثبات وحدتهما الرتبية.
فلو قررنا أن المرفوع هو “الحكم الظاهري” والرفع ظاهري كذلك، لاتحدا رتبةً واستقام المطلب بلا محذور. أما لو سلكنا مسلك القول بأن الرفع ظاهري والمرفوع هو “الحكم الواقعي”، لارتفعت الوحدة الرتبية ولتولد الاختلاف بالضرورة.
ووجه هذا الاختلاف الرتبي: أن رفع الشيء رتبةً يتأخر بالضرورة عن طروء الشك في ذلك الشيء أو الجهل به؛ وعليه يتسلسل المطلب ثبوتاً كالتالي: ثبوت الحكم الواقعي أولاً، ثم عروض الشك والجهل بهذا الحكم الواقعي ثانياً، ثم ورود الرفع ثالثاً. فيتحصل أن الرفع متأخر بمرتبتين رتبيتين عن أصل الحكم الواقعي؛ لكونه متأخراً عن الجهل، والجهل متأخر عن ذات المعلوم (وهو الحكم الواقعي). وحيث إن الحديث ينطق بعبارة «رُفع ما لا يعلمون»، فالمرفوع هو الشيء المشكوك والمجهول؛ بيد أن متعلق هذا الشك هو الحكم الواقعي.
فكأن مفاد الحديث يؤول إلى التالي: إن الحكم الواقعي الذي تجهلونه مرتفع عنكم في ظرف الظاهر؛ ومع هذا التقريب، يقع الرفع متأخراً بمرتبتين عن الحكم الواقعي، فيستحيل أن يكون نقيضاً له؛ لاستحالة التناقض مع اختلاف الرتبة. فلو كان الرفع مساوياً لرفع الحكم الظاهري لصح؛ لأن الرفع الظاهري يرفع برسم النقيض الحكم الظاهري المستقر في رتبته، أما مساسه للحكم الواقعي فيلزم منه التفكك الرتبي المذكور.
فثبت بهذا البرهان الصناعي للمحقق العراقي استحالة عروض الرفع الواقعي في المقام، وتعين مصير الرفع إلى الصبغة الظاهرية؛ تفادياً لمخالفة قضية «النقيضان في مرتبة واحدة».
دراسة الشاهد الخامس ومحاكمته
وقد أُثيرت في وجه هذا البيان مناقشة دقيقة؛ حاصلها: أن هذا البرهان الذي شيده المحقق العراقي هاهنا يطابق بالدقة والملاك النكتة الصناعية المستعملة في مسألة “امتناع أخذ قصد القربة (أو قصد الامتثال) في متعلق الحكم”، وكذا مسألة “امتناع أخذ قيد العلم بالحكم في متعلق نفس الحكم”.
وإذا استذكرتم مباحث الأصول في مرحلة السطح، فإن من جملة الأدلة العقلية التي سيقت لإبطال فرض اختصاص الأحكام بالعالمين (أي أخذ قيد العلم في متعلق الجعل) هو لزوم “الدور المحال”. فلو أراد الآمر إناطة وجوب صلاة الجمعة بقيد علم المكلف بهذا الوجوب (بأن يقول: أمرتكم بصلاة الجمعة مقيدةً بعلمكم بوجوبها)، لدار الأمر واستحال؛ لكون الحكم ثبوتاً وإنشاءً يتوقف رتبةً على قيد العلم به، ومن جهة أخرى فإن العلم بالحكم معلول ويتوقف رتبةً على ثبوت نفس المعلوم (وهو الحكم)؛ فيتولد الدور الواضح: العلم بالحكم متوقف على الحكم، والحكم متوقف على العلم بالحكم. ولذا استقر قول الأعاظم بأن أخذ قيد العلم في متعلق الحكم مستلزم للدور باطلاً.
وما قرره المحقق العراقي في المقام يسبح في نفس هذا الوادي العقلي؛ حيث يرى أن رفع الحكم الواقعي مباشرةً ممتنع لرجوعه إلى هذا السنخ من المحاذير الرتبية؛ فصياغته تلتقي تماماً مع مسألة امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر.
إذ القائل باعتبار قصد الامتثال وقصد القربة في قيود الحكم يستحيل عليه أخذ هذا القيد في نفس الخطاب الإنشائي الموجه؛ لورود محذور الدور بعينه؛ فالأمر يتوقف على قصد الامتثال (بما هو قيد في متعلقه)، وقصد الامتثال يتوقف رتبةً على وجود أصل الأمر ليصح توجيه القصد إليه؛ فيدور: قصد الأمر متوقف على الأمر، والأمر متوقف على قصد الأمر؛ وهو دور واضح البطلان.
وهكذا المورد هاهنا بالدقة؛ فحيث قرر الشارع إناطة الجعل بالعالمين، لزم الدور؛ لأن العلم بالحكم (المعلوم) متأخر رتبةً عن ذات المعلوم، فلو جُعل المعلوم مقيداً بالعلم، لصار الشيء متقدماً ومتأخراً في آن واحد.
وقد استغل المحقق العراقي هذه الأداة الصناعية ليبرهن بها على امتناع الرفع الواقعي؛ إذ لو كان الرفع واقعياً للزم الدور والمحذور الرتبي؛ فبادر المستشكل أولاً بتلخيص وتجلية حقيقة مرام العراقي ليرد عليه ثانياً بأن هذا الإيراد ليس شيئاً جديداً، بل هو عين المطلب المستوفى في باب أخذ القيود؛ ومن ثم فإن الجواب الذي يرفع الغائلة هناك هو عينه الذي يرفعها هاهنا بلا تفريق.
والجواب المحرر في ذلك الباب لدفع شبهة الدور (في أخذ قيد العلم أو قصد الامتثال في متعلق الأمر)، يبتني على تفصيل جوهري؛ حاصله: أن محذور الدور إنما يستقر ويتنجز لو كان لفظ “الحكم” الواقع في طرفي التوقف ناظراً إلى حقيقة وجودية واحدة بمرتبة متحدة؛ كما لو فرضنا لحاظ الحكم بـ “وجوده الذهني” أو بـ “وجوده الخارجي” في كلا الطرفين معاً؛ فحينئذٍ يتحقق الدور ويبطل المطلب.
ومعنى “الحكم بالوجود الذهني”: هو صرف تصور مفهوم الحكم وانتزاعه في صقع الذهن؛ كمفهوم «وجوب الصلاة». وأما “الحكم بالوجود الخارجي أو الواقعي”: فهو حقيقة الجعل والإنشاء الصادر من المولى والمثبت في صفحة التشريع واللوح المحفوظ؛ كقوله «واجبة صلاة الجمعة في عصر الغيبة»؛ فهو وجود خارجي للحكم وتشريع حقيقي متقرر، وليس مجرد تصور ذهني صِرف.
لو صغنا التوقف بأن العلم بالحكم متوقف على الوجود الذهني للحكم، والوجود الذهني متوقف على العلم (بأن يُلحظ الذهني في الطرفين)، لدار واستحال. وكذا لو لُحظ الوجود الخارجي في الطرفين بأن يقال: الحكم بالوجود الخارجي متوقف على العلم، والعلم متوقف على الوجود الخارجي؛ لكان دوراً صريحاً باطلاً.
بيد أننا لو صححنا المطلب بجعل أحد الطرفين ناظراً إلى “الوجود الخارجي للحكم” والطرف الآخر ناظراً إلى “الوجود الذهني”، لتقوض ارتكاز الدور وانقطع رأساً. فنقول صياغةً: إن العلم بالوجود الخارجي للحكم يتوقف رتبةً على تقدم تحقق الحكم الخارجي ثبوتاً؛ وهو شأن كل علم بالقياس إلى معلومه الخارجي، إذ لا ينقدح العلم بشيء ما لم يكن ذلك الشيء متحققاً في رتبة سابقة؛ فالعلم بالحكم متوقف على الوجود الخارجي للحكم.
وأما الوجود الذهني للحكم فكيف يُصنع به؟ بما أن كل حكم يتوقف بالضرورة على فرض وجود موضوعه ومتعلقه، بل إن النسبة الصياغية بين الحكم وموضوعه هي أشبه بنسبة المعلول إلى علته؛ فالحكم يقع معلولاً لفرض وجود الموضوع والتعلق؛ لذا يتأخر الحكم رتبةً عن موضوعه.
وحيث إن الموضوع (كعنوان الصلاة مثلاً) قابل لأن يُقيد بقيد العلم؛ لكون العلم يتوقف على معلومه؛ فيسوغ للشارع حينئذٍ أن يصيغ خطابه هكذا: «إن الصلاة التي علمتم بوجودها الذهني، أوجبتها عليكم في الخارج»؛ فحينئذٍ يتوقف الحكم (الخارجي) على ما هو مستقر للحكم في الذهن، وينقطع الدور ولا نقع في محظور أبداً. وبذلك يتضح تمايز الجهة؛ فالإناطة مساقها التوقف بين الوجود الخارجي للحكم والوجود الذهني له.
السؤال: …
الأستاذ: هذا التوقف المتبادل بين العلم والحكم؛ إنما اختلف فيه المراد من لفظ “الحكم” صياغةً بين الطرفين؛ فالعلم بالحكم متوقف على الوجود الخارجي للحكم، بينما توقف الحكم على العلم مساقه توقف الوجود الخارجي على الوجود الذهني للحكم.
السؤال: …
الأستاذ: المستشكل حينما أفاد بأن هذا الدليل مطابق بالدقة للبحث السابق، أراد بذلك سريان وجريان نفس هذا الجواب والتحليل في موردنا؛ والوجه فيه ظاهر؛ إذ بالتفكيك الرتبي بين الوجودين من قِبل الشارع ينحل الإشكال. نعم، العلم بالحكم… هذا تماماً كقضية أن العلم بوجود هذه المدرسة يتوقف على تحقق الوجود الخارجي للمدرسة؛ وهذا صحيح وجداناً. فالعلم بالشئ يتوقف على وجوده الخارجي؛ ولكن هل يسوغ لنا في المقابل تقييد هذا الموضوع بقيدٍ أُخذ فيه العلم؟… لا فرق؛ فهذا هو عينه تزاوج «الصلاة» مع القصد، فهل يؤول هذا الصنيع إلى الوجود الذهني أم لا؟ هذا ما يتعين علينا إخضاعه للمحاكمة والموازنة لنرى مدى استقامته.
وهذا التخريج هو عين الجواب الذي طرحه المرحوم الشهيد الصدر في وجه المحقق العراقي؛ رامياً من وراء ذلك لإثبات أن الرفع في الحديث لا يتعين كونه ظاهرياً بموجب هذا البرهان الرتبي؛ بل يمكن صياغته واقعياً في رتبة متحدة بلا طروء أي محذور عقلي