الدرس الحادي والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الحادي والستون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الأول: معنى الرفع – القول الثاني والثالث – المطلب الثاني: رفع تشريعي أم تكويني؟ – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – شواهد الرفع الظاهري – الشاهد الأول، الثاني، الثالث – كلام الشيخ الأنصاري – إشكال المحقق النائيني على إشكال الشيخ الأنصاري
30 جمادى الآخرة 1404 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
أفدنا المطلب في الجلسة السابقة بأن فهم حديث الرفع وفقه سياقه صناعياً منوط بمعالجة الأجزاء الثلاثة المكونة له بدقة بالغة؛ حيث يقرر المستدلون بهذه الرواية أن مفاد «رُفع ما لا يعلمون» هو رفع وإزالة ما لا يحاط به علماً من قِبل المكلف (سواء أكان من قبيل الحكم الصِرف أم من قبيل الحكم والموضوع معاً)؛ ومآله أن كل حكم لا علم للمكلف به فإن الله سبحانه قد رفعه عن عاتقه، وهذا عينه حقيقة البراءة المقررة. ولتجلية هذا المطلب، بیّنّا أنه يتعين أولاً تعيين المراد الاستعمالي من لفظ «الرفع»، واستعرضنا الأقوال الثلاثة في المورد؛ حيث تبيّن تزييف القول الأول للمحقق النائيني القائل باستعمال الرفع في مقام الدفع حقيقةً وبلا عناية وتجوّز، وبقي لدينا قولان آخران.
القول الثاني والثالث
-
القول الثاني: يذهب إلى أن «الرفع» مستعمل في معناه الحقيقي والموضوع له أصالة؛ وصياغته الوجدانية: أن الشئ إذا ثبت وتولد في الخارج وكان مقتضي استمراره متوفراً، فجرى الحيلولة دون تأثير هذا المقتضي بإيجاد مانع يقطعه، صدق الرفع حقيقة. وهو مستعمل هاهنا في هذا المعنى بالدقة، بيد أن ذلك الأمر الثابت والمرفوع يُحمل تارة على الأحكام الشاقة الثابتة في حق الأمم السابقة، ويُحمل تارة أخرى على أصل الحكم الثابت المقتضي للاستمرار في نفس الشريعة، لکن يرتفع ويتنحى بلحاظ طروء العناوين الخاصة كالجهل والاضطرار والإكراه فلا يثبت في حق المعنونين بها.
-
القول الثالث: يقرر أن «الرفع» هاهنا مستعمل في معنى «الدفع» مجازاً؛ بعناية أن المانع يتوجه نحو أصل حدوث الحكم وتشريعه من البدء، فيصد المقتضي عن إحداث أثره، ويوجد مانعاً في وجه اقتضاء الحدوث.
ولكل واحد من هذين الاتجاهين أنصار وأوجه في كلمات الأعاظم، ويتعين علينا في رتبة لاحقة تحديد أي الوجهين هو المقبول فقهياً؛ وهذا الأمر منوط ومستند بالدقة لما سيأتي تحريره في المسائل القادمة؛ ولاسيما جهة البحث في معنى اسم الموصول «ما» وكيفية الإسناد وعلاقته بمتعلقه؛ لذا سينجلي هذا المحور تماماً عقب الفراغ من إيضاح شؤون الأجزاء الثلاثة للحديث.
المطلب الثاني: رفع تشريعي أم تكوینی؟
وتنصب المعالجة في المطلب الثاني حول تحديد هوية الرفع من حيث كونه تشريعياً أم تكوينياً. والتحقيق المستقر أن الرفع هاهنا رفع تشريعي محض لا تكويني؛ إذ الرفع التكويني ملازمه الوجداني انتفاء وارتفاع أصل العناوين التسعة كـ الخطأ، والإكراه، والاضطرار، والنسیان من لوحة الخارِج وبطلان تحققها في أمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اصلاً، وهو خلف الوجدان وساقط بالضرورة؛ لشهودنا القاطع بوقوع الخطأ وتكرر النسيان وطروء الاضطرار والإكراه في شؤون الأمة الخارجيّة باستمرار؛ ومتى استحال الرفع تكويناً لكونه خلاف الواقع، تعين انصراف الرفع إلى جهة التشريع والاعتبار؛ وهي نكتة صناعية تجب العناية بها.
المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟
والمسألة الثالثة في هذا المضمار: هل هذا الرفع المقرَّر في الحديث هو من قبيل الرفع الواقعي الثبوتي أم الرفع الظاهري الإثباتي؟
-
الرفع الواقعي: مراده إزالة ومحو الحكم الثابت في نفس الأمر والواقع (في اللوح المحفوظ) أو الحكم المقرر كلياً في الشريعة الذي جهله المكلف، بحيث يُرفع من صفحة الواقع ثبوتاً في حق الجاهل؛ فينتفي الحكم واقعاً بانتفاء العلم به.
-
الرفع الظاهري: مفاده أن أصل الحكم والزام الشارع باقٍ ومستقر في نفس الأمر والواقع، وأن الالزام بحسب الواقع ثابت لا يتطرق إليه المحو؛ بيد أنه متى ما جهله المكلف ولم يحط به علماً، فإنه يُرفع عنه في ظاهر التشريع مأمنةً له؛ أي أن أصل الحكم ثابت واقعاً لکن فعلیته والزام الوجوب أو الحرمة تتنحى ظاهراً. وقد صاغ المرحوم الآخوند الخراساني هذا المعنى في كفايته بعبارة رشيقة؛ حيث قال: «فَالْإِلْزَامُ الْمَجْهُولُ مِمَّا لَا یَعْلَمُونَ فَهُوَ مَرْفُوعٌ فعلاً». فالإلزام المجهول الذي لا نقف على حكمه الآن مرتفع فعلياً؛ ومآله الرفع الظاهري؛ أي أن هذا الإلزام مرتفع في ظرف الظاهر.
والسؤال المطروح هاهنا: هل رفع «مَا لَا یَعْلَمُونَ» ناظر إلى الرفع الواقعي أم الظاهري؟ ذهب جمع من الأعلام إلى كونه رفعاً ظاهرياً، وحشدوا لتشييد هذا المدعى جملة من القرائن والشواهد الصالحة، وهو بحث دارت رحاه في كلمات المحقق النائيني وتلميذه الأجل المقررة للمطلب.
شواهد الرفع الظاهري
وقد عُضد هذا المذهب بثلاثة شواهد رئيسية:
الشاهد الأول
أنه لو سلكنا مسلك القول بالرفع الواقعي، لترتب عليه تالي فاسد لا يمكن الالتزام به صناعة؛ وهو قضية “اختصاص الأحكام بالعالمين بها”، وهو باطل قطعاً وإجماعاً في المذهب. فالبرهان ينعقد بصياغة قياس استثنائي كالتالي:
-
المقدمة الأولى (الملازمة): لو كان المراد من الرفع هاهنا هو الرفع الواقعي، لزم بالضرورة اختصاص الأحكام الشرعية بالعالم، وانتفاؤها في حق الجاهل واقعاً.
-
المقدمة الثانية (بطلان التالي): لكن التالي باطل بالضرورة الفقهية والوجدان التشريعي.
-
النتيجة (بطلان المقدم): فالمقدم باطل حتماً (أي أن فرض الرفع الواقعي ساقط).
وبعبارة أخرى: إن الرفع الواقعي يقتضي انعدام توجيه أصل التكليف والخطاب إلى الجاهل ثبوتاً، ومآله تخصيص التشريع بالعالم؛ والملازمة في الشرطية الأولى جليّة؛ لأننا متى ما رفعنا التكليف واقعاً بملازم الجهل، انقطع الخطاب عن الجاهل رأساً. والمقدمة الثانية صغروياً واضحة؛ لاستقرار القاعدة الأصولية الكبرى المسماة بـ “قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل” المستوفاة حقها تفصيلاً في موضعها، وقوامها أن الأحكام مشتركة بين الصنفين. فيتحصل قطعاً انتفاء الرفع الواقعي؛ ويستقر معنى «رُفع» في حدود رفع فعلیة الإلزام ظاهراً، دون محو أصل الحكم من الواقع واللوح المحفوظ؛ لما فيه من عروض المحاذير المذكورة.
الشاهد الثاني
أن “تناسب الحكم والموضوع” في هذا السياق يقضي بقوة بأن الرفع ظاهري لا واقعي. وبيان وجه التناسب هاهنا: أننا بإزاء قضية «رُفع مَا لَا یَعْلَمُونَ» المحتوية على حكم وموضوع وإسناد بينهما؛ فالحكم هو «الرفع» والموضوع هو «مَا لَا یَعْلَمُونَ». والتناسب الصياغي بينهما يقتضي أموراً: منها: لزوم فرض ثبوت الشئ وتحققه أولاً ليصح توجيه الرفع إليه ثانياً؛ فمتى شکكنا في حكم أو جهلنا خصوصية وصفة فيه، وجب رتبةً وجود أصل الشئ واقعاً لتنصبّ عليه صفة الجهل أو الشك؛ إذ عنوان «الجهل» مفهوم إضافي يفتقر بالضرورة إلى واقع وثبوت خارجي يتعلق به؛ وإلا لانتفى موضوع الجهل رأساً.
فلو قيل بالرفع الواقعي، لصار الجهل بالشئ مساوقاً لعدمه وانعدامه رأساً؛ فحيثما حصل الشك والجهل انعدم الشئ، وهو تهافت وافتقار لِلموضوع؛ وهذه قرينة داخلية حاسمة تبرهن على أن الكلام حینما يساق في الرفع فإنما يراد به الرفع الظاهري لا الواقعي؛ لشهود هذا التناسب المحكم القاضي بأن الشئ الثابت واقعاً والذي جهله المكلف قد رُفع عنه ظاهراً ترفيهاً له لا واقعاً. فهذا شاهد وقرينة بينة على مدعى الرفع الظاهري.
الشاهد الثالث
وثمة شاهد آخر جلبوه في هذا المقام؛ حاصله: أن موارد الجهل بالحكم -وعلى الرغم من نفي القائلين بالبراءة لوجوب الاحتياط فيها- إلا أنهم يطبقون كلمتهم على ثبوت “حسن الاحتياط” واستحبابه عقلاً وشرعاً؛ فمعركة البحث بين البراءتيين والإخباريين إنما تدور رحاها مدار وجوب الاحتياط وعدمه، لا أصل حسنه ورجحانه؛ فجميع الأطراف لا ينازعون درءاً دراية في حسن الاحتياط. والسؤال الصياغي: ما هو منشأ حسن الاحتياط؟ إن حقيقته مبنية على فرض وجود حكم واقعي مجهول تحتمل إصابته؛ فنحتاط لإدراك ذلك الواقع الغائب عنا وتجنب تفويته؛ ومن ثم فلا يستقيم حسن الاحتياط بحال إلا مع القول بالرفع الظاهري؛ إذ لو كان الواقع مرتفعاً بالرفع الواقعي بموجب حديث الرفع، لصار الاحتياط لغواً وعارياً عن أي حسن ورجحان استحبابي؛ لانتفاء المحتمل واقعاً. فهذه قرينة مضافة تنهض بالمدعى.
وعليه، فبموجب تظافر این الشواهد الثلاثة، يسوغ لنا الجزم بأن الرفع في الحديث ظاهري لا واقعي. ومع وضوح این القرائن، إلا أن المطلب لم يسلم من ورود المناقشات والإشكالات العلمية.
كلام الشيخ الأنصاري
لِأني الشيخ الأنصاري (قدس سره) يسلك مسلكاً مغايراً بالكلية؛ فلا يرتضي صياغة الرفع الواقعي ولا الظاهري على النحو المتقدم؛ بل يقرر في کلامه: أن المرفوع بالذات هاهنا هو “وجوب الاحتياط”؛ وبيانه: أن الحكم متى كان مشكوكاً ومجهولاً، فإن الشارع يعمد إلى رفعه وتأمينه؛ وكيف يتم این الرفع صیاغةً؟ يتم عبر نفي إيجاب الاحتياط في مورده؛ فبصرف عدم إيجاب الاحتياط يرتفع ذلك الحكم المشكوك عن عاتق المكلف إثباتاً.
فالشيخ الأعظم لا يرى أن المرفوع هو نفس الحكم الواقعي، بل يرى أن المرفوع هو وجوب الاحتياط؛ لکن هذا لا يعنی عنده كونه رفعاً ظاهرياً بالصياغة الدارجة، بل هو يعود بتعيين متعلق الرفع إلى عنوان آخر؛ فمفاد «رُفع مَا لَا یَعْلَمُونَ» عنده هو الحكم بعدم وجوب الاحتياط صِرفاً؛ وهذا هو مذهب الشيخ.
إشكال المحقق النائيني على الشيخ الأنصاري
وقد أورد الأعلام على مسلك الشيخ الأنصاري إشكالات قوية (تصدى لها المحقق النائيني والسيد الخوئي)؛ وحاصل إشكال المحقق النائيني: أن ما أفاده الشيخ الأعظم من جعل المرفوع بالدقة هو وجوب الاحتياط «فِیهِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ» الظاهرة؛ وبيان وجه المسامحة صياغةً ما قرره بقوله: «فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَوْصُولِ نفس الْأَحْکَامُ الْوَاقِعِیَّةُ لَأَنَّهَا هِیَ الْمَجْهُولَةُ». فاسم الموصول “ما” بلحاظ تبادره العرفي والسياقي ينصرف إلى نفس الأحكام الواقعية؛ لأنها هي التي تقع مورداً ومحطاً لجهل المكلف؛ والرفع طبقاً لقواعد المحاورة يلحق ويتعلق بذات الشئ الذي جُهل؛ وحيث إننا نجهل الحكم الواقعي، وجب تعلّق الرفع بذات الحكم الواقعي المجهول؛ ومن ثم فلا مجال لادعاء جعل وجوب الاحتياط هو المرفوع ابتداءً لتشييد نفي وجوبه بالتبع.
فيتحصل عند النائيني: أن ظاهر الحديث قضية تقضي برفع نفس الحكم الواقعي المجهول ظاهراً وإزالته عن لوحة العهدة؛ نعم، ينبثق عن رفع هذا الحكم المجهول ويتولد منه نتيجه فقهية هي “عدم إيجاب الاحتياط”؛ لا أن وجوب الاحتياط هو المرفوع بالذات؛ فالمتيقن سياقاً هو ارتفاع هذا الحكم المجهول ظاهراً، جعلاً من الشارع للسعة والتسهيل في حق العباد.
بحث الجلسة القادمة
تلخیص المطلب حتى هاهنا: أنه يتأتى لنا الارتكاز والاعتماد على الشواهد الثلاثة المقررة لإثبات أن المراد من الرفع في الحديث هو الرفع الظاهري؛ بيد أن ملامح بعض الكلمات تومئ إلى القول بالرفع الواقعي؛ فلذا يتعين علینا دراسة این الخدشة والموازنة بينهما في الجلسة المقبلة بحول الله تعالى، لنرى مدى تمامية الإيراد من عدمه.