The news is by your side.

الدرس الرابع والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الأول

الدرس الرابع والخمسون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الأول: الكتاب – الآية الثالثة – دراسة الآية الثالثة – الإشكال الأول وجوابه – الإشكال الثاني – شرح رسالة الحقوق – حق الصوم – البيان الإجمالي

19 جمادى الآخرة 1447 هـ

الآية الثالثة

الآية الثالثة التي استُدل بها لإثبات أصل البراءة هي قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِیُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى یُبَیِّنَ لَهُمْ مَا یَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ) [التوبة: 115]؛ ومعنى هذه الآية الكريمة هو: «وما كان الله ليحكم بضلال قوم أو يعاقبهم بعد أن هداهم ولطف بهم، حتى يبيّن لهم ما يجب عليهم اتقاؤه واجتنابه؛ لأن الله بكل شيء عليم».

إن عبارة (وَمَا كَانَ اللَّهُ…) تشير إلى السُنّة الإلهية الثابتة والمطردة، ومفادها أن الله سبحانه وتعالى لا يضل قوماً بعد أن هيّأ لهم أسباب الهداية وأتاحها (كإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية). والمقصود بالإضلال هنا -بناءً على رأي المستدل- هو العقاب والتعذيب؛ وعليه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب قوماً بعد أن هداهم، حتى يبيّن لهم ويقيم عليهم ما به يتقون العقاب ويجتنبون به المعصية.

وعبارة (مَا یَتَّقُونَ) تعني ما يجب عليهم فعله أو تركه؛ إذ التقوى في حقيقتها هي مجانبة المعصية وامتثال الأوامر والنواهي الإلهية. وبناءً على ذلك، تجري السُنّة الإلهية على هذا المنوال. وهذا هو خلاصة الاستدلال بالآية الكريمة بالنظر إلى النقاط المذكورة؛ فالله سبحانه لا يعاقب أحداً إلا بعد بيان موجبات التقوى وأوامره ونواهيه للناس. وهذا المضمون يماثل تماماً مساق الآية الكريمة: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]، حيث تفيد: «أننا لا نعاقب قوماً حتى نرسل إليهم رسولاً يبلغهم التكليف ويوضحه لهم». وهذه الآية تجري على ذات الميزان والنسق وتدل على هذه القاعدة، وتقرر: أن سُنّة الله تقضي بألّا يعاقب قوماً ما لم يبيّن لهم أوامره ونواهيه؛ وعليه، فمن دون البيان والإعلام ووصول التكليف إلى المكلفين، لن يعاقب أحد، وهذا عين معنى البراءة. وهذا تقريباً هو محتوى الاستدلال بهذه الآية الكريمة.

وبناءً على ذلك، يتعين الالتفات هنا إلى أمور عدة:

  1. إن عبارة (وَمَا كَانَ اللَّهُ) تشير إلى السُنّة والمنهج الإلهي الثابت؛ أي إن الشأن الإلهي لم يكن كذلك أبداً.

  2. قوله (لِیُضِلَّهُمْ) يؤول بمعنى “ليعذبهم”.

  3. قوله (مَا یَتَّقُونَ) يؤول بمعنى “ما يوجب التقوى”؛ أي الأوامر والنواهي التي تترتب التقوى على طاعتها وامتثالها.
    ومع هذا البيان، لا نجد فارقاً بين هذه الآية والآية الأولى؛ فكما كانت الآية الأولى دالة على البراءة، فإن هذه الآية تدل على البراءة أيضاً.

دراسة الآية الثالثة

الإشكال الأول

أورد المحقق الأنصاري (قدس سره) هنا إشكالاً نظير إشكاله على الآية الأولى، واعتبر أن هذه الآية واردة في شأن الأمم السابقة. ففي آية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] أورد الشيخ الأنصاري -إن تذكرون- إشكالاً مفاده عدم صلاحية الآية للاستدلال؛ نظراً لكونها أولاً تختص بالأمم الماضية، وثانياً تتحدث عن العقاب الدنيوي. فالله سبحانه يقول: «إنا لم نبتلِ الأمم السابقة بالعذاب الدنيوي إلا بعد إرسال الرسل وتبيين موجبات التقوى لهم». ومن هنا، لا تصلح الآية للاستدلال على أصل البراءة. وهذا الإشكال ينحل في واقعه إلى وجهين وإشكالين؛ إذ أشكل الشيخ من جهتين:

  1. إن العقاب المنظور فيه هو العقاب الدنيوي.

  2. إن الآية خاصة بالأمم السابقة، وليست في مقام تأسيس قاعدة كلية عامة هنا.

وقد ذكر الشيخ في الموضع ذاته أن الآية -بالنظر إلى هاتين النكتتين- إنما هي في مقام الإخبار لا الإنشاء؛ والآية لكي تدل على البراءة يتعين كونها في مقام الإنشاء وتأسيس الحكم، أما حين تكون في مقام الإخبار المحض الحاكي عن كيفية تعامل الله مع الأمم السابقة، فلن تعود صالحة للاستدلال على أصل البراءة.

السؤال: …

الأستاذ: إذا كانت الجملة خبرية وليست في مقام الإنشاء، فلا يسوغ لنا استنباط حكم وقانون شرعي منها. ومثاله: حين ينقل الله سبحانه قصة نبي الله يوسف (عليه السلام)، فإن المقام يقيناً ليس مقام إنشاء حكم شرعي، فلا يصح استنباط الأحكام منه تعبداً. بيد أن المتكلم قد يخبر تارة، ويكون إخباره هذا في مقام إنشاء الحكم؛ ومثاله إخبار المعصوم (عليه السلام) في مقام الجواب عن سؤال بقوله: “يفعل كذا”، فهو يخبر ظاهراً، لكنه في واقع الأمر وبقرينة السؤال يؤسس وينشئ الحكم الشرعي. وتارة يكون الكلام إنشائياً بالذات، وتارة أخرى يكون خبرياً محضاً لا يمت إلى مقام الإنشاء بصلة.

جواب الإشكال الأول

لقد لاحظتم هذه الآية وكيفية استدلال الأصوليين بها لإثبات البراءة، وما أورد عليها من إشكالات؛ فهل يسعنا القول بدلالتها على المدعى أم لا؟ مقتضى التحقيق في فقه الآية الكريمة يظهر وجود احتمالات عدة فيها، وهذه الاحتمالات تدور غالباً مدار كلمة (لِیُضِلَّهُمْ)؛ إذ يتركز البحث في هذه الفقرة بالخصوص، لكون عبارة (وَمَا كَانَ اللَّه) لا ينبغي التوقف عندها طويلاً؛ لكون اللفظ فعلاً ماضياً ظاهراً في الزمن، بيد أنه منسلخ عن الزمان كما أسلفنا في الآية الأولى بقرائن واضحة. فحين يقال (وَمَا كَانَ اللَّهُ…) فإنه يشير في واقع الأمر إلى سُنّة جارية وقانون إلهي مطرد يقضي بأن الشأن الإلهي لم يكن كذلك في الماضي ولن يكون في المستقبل؛ وعليه فإن ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري من جعل (مَا كَانَ اللَّه) لفظاً ماضياً يختص بالزمن السالف والأمم الماضية غير سديد في مقام الاستدلال، والجواب عن إشكاله هذا بيّن، وهو ذات الجواب الذي قررناه في الآية الأولى تماماً.

أما في ناحية عبارة (مَا یَتَّقُونَ)، فمعناها جلي ظاهر، وهو ما يكون سبباً وموجباً للتقوى؛ أي إن الله سبحانه لا يعاقب قوماً -أو يعبر عنه بالإضلال في الآية- دون أن يبيّن لهم أسباب المعصية والطاعة ليتجنبوا الأولى ويمتثلوا الثانية. وهذا الركن من الاستدلال تام ولا غبار عليه.

الإشكال الثاني

يتركز مدار البحث الأساسي في الركن الثاني من الاستدلال؛ حيث ذهب المستدل إلى حمل لفظ (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى “ليعذبهم”. غير أنه -كما قيل- يمكن تصوير احتمالات أخرى لمعنى اللفظ في المقام.

الاحتمال الأول

أحد الاحتمالات يقرر حمل لفظ (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى “ليحكم بضلالتهم” أو “ليجعلهم في زمرة الضالين”؛ فيكون المعنى: أن الله لا يحكم بضلالة قوم حتى يبيّن لهم ما يتقون.

وبموجب هذا الاحتمال، يؤول معنى الآية الكريمة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يحكم بضلال قوم ولا يدرجهم في سلك الضالين إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وإعراضهم عن دعوة الأنبياء؛ فعندئذٍ يدرجهم سبحانه في زمرة الضالين. وعلى هذا الفرض، فإن الصيرورة في زمرة الضالين تمثل عقاباً دنيوياً بحد ذاته؛ كقولنا في الصلاة: (غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلَا الضَّالِّینَ) [الفاتحة: 7]؛ أي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم وغير الضالين. فمجرد صيرورة الإنسان أو الجماعة في زمرة الضالين يعد عقاباً وجزاءً، ومعلوم أن هذا الإضلال إضلال كيفري وجزائي وليس إضلالاً ابتدائياً؛ لكون الباري جل وعلا لا يضل أحداً ابتداءً بالوجدان. والآيات الكريمة من قبيل: (یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ) [النحل: 93] لا تنظر مطلقاً إلى الإضلال الابتدائي؛ إذ يمتنع عقلاً وتشريعاً أن يضل الله أحداً ابتداءً، فهذا يتنافى مع فلسفة الخلق والبعث ومع جملة من الأصول العقلية، ولا نريد الخوض في تفصيل هذا المطلب هنا. وعلى كل حال، توجد قرائن متعددة تقضي برد هذا المعنى وتزييفه؛ فكل إضلال يصح نسبته إلى الله سبحانه إنما هو إضلال كيفري عقابي بالتبع.

وبناءً على هذا التقريب، يصير معنى الآية الكريمة: أن الله سبحانه لم يدرج قوماً في زمرة الضالين إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ومخالفتهم لها عن عمد وعناد. ولو استقر هذا الاحتمال، لم يعد للآية الكريمة صلة بأصل البراءة. وهذا احتمال مصور في الباب.

بحث الجلسة القادمة

وثمة احتمالان آخران مصوران في المقام يتعين علينا موازنتهما ودراستهما؛ لنرى أي الاحتمالات الثلاثة -خلافاً لما ارتضاه المستدل- أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة وأوفق بمساقها، وهل يسعنا إقامة قرينة وشاهد على تعينه أم لا.

شرح رسالة الحقوق

حق الصوم

يتعرض الإمام السجاد (عليه السلام) للحق الثالث في الترتيب وهو حق الصوم؛ حيث يقول: «وَ أَمَّا حَقُّ الصَّوْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِكَ وَ سَمْعِكَ وَ بَصَرِكَ وَ فَرْجِكَ وَ بَطْنِكَ».

البيان الإجمالي

نشرع أولاً -كالمعتاد- في بيان توضيح إجمالي لهذه الفقرة الشريفة، ثم نعرج على استخلاص النكات المستفادة منها.

العبادة الأولى التي تعرض لها الإمام كانت الصلاة، ثم الحج، ويأتي الصوم ثالثاً في هذا السياق.

وقد افتتح الإمام الكلام في العبادات الثلاث بعبارة «أَنْ تَعْلَمَ» (أي أن توقن وتدرك): «فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ…»

أي أن توقن بأن الصوم ستر وحجاب ممدود من الله سبحانه وتعالى على لسانك، وسمعك، وبصرك، وفرجك، وبطنك؛ فهو بمثابة العازل والواقي لها. ولو أردنا صياغة المعنى بعبارة معاصرة، لقلنا: إن الله سبحانه وتعالى يستر بالصوم تلك الأعضاء والجوارح التي تمثل المنطلق والمجرى الأساسي لزلات الإنسان وهفواته؛ وهي: اللسان، والسمع، والبصر، والفرج، والبطن (أي الغرائز والاحتياجات الإنسانية التي تدفع بقوة نحو الإشباع والارتواء ولو من غير وجه مشروع). فالإمام يصف الصوم بأنه حجاب يضرب عليها جميعاً.

ثم يعلل ذلك بقوله: «لِیَسْتُرَكَ مِنَ النَّارِ»؛ أي ليكون واقياً وحصناً لك من عذاب النار. فالصوم في حقيقته حائل يفصل بين الإنسان وتلك الجوارح الموبقة التي تجر صاحبها إلى المهالك والنار، ليبقى بمنأى عن عذابها. وسنبين لاحقاً كيف يؤدي الصوم هذا الدور الفاعل؛ إذ كلامنا ينصب الآن على البيان الإجمالي فحسب.

ويتابع الإمام بالاستناد إلى الحديث النبوي الشريف: «وَهَکَذَا جَاءَ فِي الْحَدِیثِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ»؛ والحديث إذا أطلقه الأئمة (عليهم السلام) انصرف لخصوص كلام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). فالصوم درع ووقاية من النار. ثم يقول الإمام: «فَإِنْ سَكَنَتْ أَطْرَافُكَ فِي حجَبِتهَا رَجَوْتَ أَنْ تَكُونَ مُحْجُوبًا»؛ أي لو استقرت جوارحك وأطرافك (السمع والبصر واللسان والبطن وغيرها) خلف هذا الحجاب الإلهي وهمدت نيران شهواتها الكامنة فيها، رجوت وصح لك الأمل بأنك في حصانة وستر من النار؛ ومعناه أنك قد أَمِنْتَ العقاب، وصار هذا الحجاب مانعاً من وصول النار إليك.

ثم يحذر الإمام بقوله: «وَ إِنْ أَنْتَ تَرَكْتَهَا تضْطَرِبُ فِي حِجَابِهَا وَ تَرْفَعُ جَنَاحَ الْحِجَابِ»؛ أي لو أرسلت لجوارحك العنان ولم تضبطها بضابط الصوم المعتبر، وتركت البصر واللسان والسمع والبطن وغيرها تعيث بلا رقيب، فإنها ستضطرب خلف سترها وتسعى لرفع حجابها وهتك حظيرتها؛ بمعنى أنها ستنزع للخروج من خلف هذا الحجاب الإلهي الواقي بين الإنسان والمعصية. فإذا خرجت هذه الجوارح من خلف الحجاب وهتكت الستر بالانغماس في المناهي وخروجها عن جادة الاعتدال والقانون الشرعي: «فَتَطَّلِعُ إِلَى مَا لَیْسَ لَهَا»؛ أي تطمح وتتطلع لما ليس بحق لها. ذلك أن الجوارح ما دامت مستورة خلف الحجاب تكون بمعزل عن الحرام وعمياء عنه، فإذا رُفع الحجاب وتطلعت لما حُرّم عليها -كأن يرسل المكلف بصره بالشهوة مثلاً، فالصوم ممسك للبصر تعبداً، فإذا غفل الصائم عن حقيقة الصوم وأرسل بصره متطلعاً للحرام- مالت النفس لمعصية الله؛ « والقُوَّةُ الْخَارِجَةُ خَارِجَةٌ عَنْ حَدِّ تَقْوَى اللَّهِ»؛ أي يؤول الأمر بالجوارح للخروج بالكلية عن حيطة التقوى وحدودها المرسومة شرعاً؛ وعندئذٍ: «لَمْ تَأمن أَنْ تَخْرِقَ الْحِجَابَ وَ تَخْرُجَ مِنْهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»؛ فلا يأمن المكلف من هتك الستر وزوال العصمة.

وما عاقبة هتك الحجاب؟ يقول (عليه السلام): «وَ تَخْرُجُ مِنْهُ»؛ أي تخرج الجوارح من كنف الحجاب لتستقبل عذاب النار مباشرة؛ لكون الحجاب في بدء الكلام وصف بـ «لِیَسْتُرَكَ مِنَ النَّارِ»، فهو العازل والواقي، فإذا فُقد بسب سوء الرعاية وتجرؤ الجوارح، تلاشت الحصانة وقع الهلاك. ثم يختم الإمام بـ «وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»؛ تأكيداً على أن نيل هذه المنزلة وضبط الجوارح رهن بالتوفيق الإلهي والمدد الغيبي، نظراً لصعوبة الترويض والمجاهدة. وهذا مجمل البيان لهذه الفقرة الشريفة، وسنتناول نكاتها بالتفصيل والتحليل لاحقاً بمشيئة الله.