الدرس الثاني والأربعون، أصالة البراءة، البراءة العقلية
الدرس الثاني والأربعون
أصالة البراءة – البراءة العقلية – دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة – آثار نظرية حق الطاعة – الأثر الأول والثاني والثالث والرابع
19 ربيع الأول 1447 هـ
آثار نظرية حق الطاعة
في الجلسة الماضية، وبغية دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، استعرضنا بإيجاز نظرية «حق الطاعة»، وبيّنا في تلك الجلسة موضوع هذه النظرية وقلمرها وقيدها، وتبيّن ما هو الإشكال الأساسي لدى الشهيد الصدر على الرأي المشهور في هذه المسألة.
ثمة مطلب آخر متبقٍّ، سنعمد بعده — إن شاء الله — إلى دراسة هذه النظرية دراسةً أكثر دقةً وتفصيلاً. وبما أن هذا المطلب قد أثار تساؤلات واستفسارات، فلا بدّ من إشارة موجزة إليه.
وعلى أيٍّ حال، فإن الالتزام بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يترتب عليه جملة من النتائج في علم الأصول، كما أن إنكاره سيُفضي حتماً إلى آثار مختلفة. فبين القول بأن العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، والقول بعدم قبحه — مما يستوجب الأخذ بالاحتياط في موارد احتمال التكليف — بُعدٌ شاسع وفارقٌ جوهري.
الأثر الأول
بناءً على نظرية حق الطاعة، يكون الأصل العملي الأعم «أصالة الاحتياط»؛ لكون الاشتغال اليقيني بالذمة ثابتٌ إجمالاً أو محتملٌ على الأقل، ولا بدّ أن يكون الفراغ من الذمة يقينياً كذلك. فوفق هذا المسلك، تشتغل ذمة المكلف بكل تكليف محتمل. وهذا المنهج يختلف عن النظرية التي لا ترى اشتغال الذمة إلا حين الوصول والبيان. ففي نظرية حق الطاعة، يستوجب كل تكليف محتمل اشتغال الذمة به، مما يوجب الاحتياط حتى حصول اليقين بالبراءة. ومرجع ذلك إلى أن حق الطاعة يشمل جميع التكاليف المحرزة أياً كان نوع الإحراز، سواءٌ أكان إحرازاً تاماً أم ناقصاً.
وهذا منهج استنباطي يُستند إليه في مواضع عديدة، وكثيراً ما يجعله فقهاؤنا مستنداً لفتاواهم. ومن البديهي أن ثمة فارقاً جوهرياً بين أن يكون الأصل العملي الأعم أصالة الاحتياط أو أصالة البراءة. فوفق هذه النظرية، لا يسوغ للفقيه العدول عن أصالة الاحتياط العقلي إلا في موضعين اثنين:
الأول: أن يجد دليلاً قاطعاً على نفي التكليف ويحصل له يقين بعدم وجوده.
الثاني: أن يحصل للفقيه يقين — على الرغم من احتمال التكليف — بأن الشارع قد أصدر ترخيصاً في ترك ذلك التكليف.
ففي هاتين الحالتين يجوز للفقيه العدول عن أصالة الاشتغال.
وقد ذكر الشهيد الصدر صورتين أخريين أيضاً لرفع اليد عن أصالة الاشتغال، فتكون مجموعها أربع صور. غير أنه لما كانت النتيجة العملية لهاتين الصورتين موافقةً لأصالة الاشتغال، فقد أُعرض عن ذكرهما هنا. وللمهتمين بالتوسع، الرجوع إلى تقريرات أصول الشهيد الصدر وإلى كتاب «الحلقات». فعلى هذا الأساس، الأصل الأولي هو الاحتياط في كل موضع يُحتمل فيه التكليف، إلا في الحالتين المذكورتين.
والترخيص في ترك الاحتياط يتحقق تارةً بجعل الشارع الحجية لدليل ظني غير قطعي — كأن يقول: «صَدِّقِ الثِّقَةَ» — فحين يقول زرارة وهو ثقةٌ: «لا تجب صلاة الجمعة»، يكون لنا حينئذٍ أن نترك هذا التكليف مع احتمال وجوبه. ففي مثل هذه الموارد يصبح الدليل الظني — كخبر زرارة — مجوِّزاً للعدول عن الأصل الأولي وهو الاحتياط. وتارةً يتحقق بجعل أصل كـ«أصالة الحلية»، كأن يقول الشارع: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ»، فيكون في الحقيقة قد أصدر إذناً بترك الاحتياط والترخيص في مخالفة التكليف المحتمل.
وأحياناً لا يُعطى الترخيص في ترك الاحتياط، كما في الموارد التي يجعل فيها الشارع أصل الاحتياط — كالاحتياطات الواجبة في باب الدماء والفروج والأموال — فلا يُرخَّص في ترك الاحتياط فيها. وكذا حين يجعل الحجية لأمارة كـ«صَدِّقِ الثِّقَةَ» في خبر يُثبت تكليفاً، فهذا يستلزم العمل به. فإذا أخبرت الأمارة بأن «صلاة الجمعة ليست واجبة»، كان ذلك ترخيصاً في ترك التكليف المحتمل. أما إذا أخبر زرارة بأن «صلاة الجمعة واجبة»، فمعنى ذلك أنك لا يحق لك ترك هذا التكليف المحتمل.
إذن، فوفق مسلك «حق الطاعة»، الأصل الأعم الذي يمكن للفقيه الاستناد إليه هو «أصالة الاشتغال» أو «الاحتياط العقلي». وأما وفق مسلك قبح العقاب بلا بيان، فالأصل الأعم هو «أصالة البراءة». وهذا يكشف عن منهج استنباطي خاص، وفارقٌ عظيمٌ بين أن يكون الأصل الأولي ومقتضى حكم العقل في موارد الشك واحتمال التكليف هو البراءة أو الاشتغال.
الأثر الثاني
يرى الشهيد الصدر أن الإشكالات التي يواجهها المشهور في مسألة جعل الحجية للظنون تنتفي وفق مسلك حق الطاعة. فهو يقول: إذا قلنا بقبح العقاب بلا بيان، واجهنا إشكالات لا بدّ من حلها بوجه ما، وقد قدّم المشهور حلولاً لتلك الإشكالات غير أن تلك الحلول بدورها لا تخلو من إشكال. في حين أنه وفق نظرية حق الطاعة، تُرفع تلك الإشكالات من رأسها.
فيقول: إن المشهور ملزمٌ في بعض الموارد بقبول تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان، في حين أن هذه القاعدة — لو كانت حكماً عقلياً — لا تقبل التخصيص أصلاً؛ إذ لا يمكن القول: إن العقاب بلا بيان قبيحٌ عقلاً إلا في هذه الموارد! لأن حكم العقل لا يقبل التخصيص. بينما إذا التزمنا بالاحتياط وأوجبنا الإتيان بكل تكليف محتمل، فلا نواجه هذا الإشكال البتة.
الأثر الثالث
وفق مسلك حق الطاعة، يستحق المتجرّي العقوبة، خلافاً لمسلك قبح العقاب بلا بيان الذي لا يُثبت استحقاق المتجرّي للعقاب. والوجه في ذلك: أن موضوع حق الطاعة وفق هذه النظرية هو مجرد الانكشاف، سواءٌ أكان انكشافاً تاماً أم ناقصاً. فكما بيّنا في الجلسة الماضية، موضوع حق الطاعة ليس الوجود الواقعي للتكليف، ولا الوجود الواقعي للتكليف مضافاً إليه انكشافه، بل الموضوع هو الانكشاف وحده. ومن ثمَّ، فمتى ظنّ المكلف بتكليف — سواءٌ يقيناً أو ظناً أو شكاً أو وهماً — لزمه الإتيان به؛ لأن موضوع حق الطاعة هو التكليف المنكشف.
وإذا لم يتحقق الانكشاف، أو تحقق الانكشاف ولم يكن ثمة تكليف في الواقع، فلا يثبت حق الطاعة عندئذٍ. فحق الطاعة إنما يثبت حين يبلغ المكلف درجةً من الانكشاف — ولو وهماً — في ما يخص التكاليف، سواءٌ وُجد التكليف في الواقع أم لم يوجد.
فإذا جعلنا موضوع حق الطاعة مركباً من «الوجود الواقعي للتكليف» و«الانكشاف» معاً، فالمتجرّي في هذه الحال لم يُخلّ بحق الطاعة؛ لأن الفرض أنه لا تكليف في الواقع. فحتى وإن تحقق الانكشاف، إلا أنه لما لم يكن ثمة تكليف فعلي، فلا يثبت حق الطاعة في حق المتجرّي، ومن ثمَّ لا يستحق العقوبة. هذا فيما لو قلنا إن موضوع حق الطاعة مركبٌ من التكليف الواقعي والانكشاف معاً.
أما إذا قلنا إن موضوع حق الطاعة هو «الانكشاف» وحده — كما أشرنا سابقاً، وهو ما يذهب إليه الشهيد الصدر نفسه — فإن المتجرّي يستحق العقوبة؛ لأن وجود التكليف الواقعي لم يعد موضوعاً معتبراً، فسواءٌ وُجد التكليف في الواقع أم لم يوجد، متى ما احتُمل وجود تكليف تحقق موضوع «حق الطاعة» ووجب الإتيان به. والمتجرّي يعلم بالتكليف ويتركه وإن لم يكن ثمة تكليف فعلي في الواقع؛ لأن الوجود الواقعي للتكليف لم يكن موضوعاً لحق الطاعة.
ويرى الشهيد الصدر أن العقل يوجب الامتثال رعايةً لحق المولى واحتراماً له. والمتجرّي يقطع بالتكليف في حين لا تكليف في الواقع. فإذا لم يعمل بهذا التكليف المنكشف، فقد أخلّ بحرمة المولى وخالف حق مولويته ولم يراعِ حق الطاعة، فاستحق العقوبة. ولا فرق في هذه الجهة بينه وبين العاصي؛ إذ العاصي خالف تكليفاً منكشفاً ذا واقعية، والمتجرّي خالف تكليفاً منكشفاً لكن لا واقعية له وراءه. فكلاهما مشتركٌ في عدم رعاية حق المولى وإهداره وكسر حرمته، فكلاهما — في نظر العقل — مستحقٌّ للعقوبة. في حين أنه وفق المسلك المشهور، لا يستحق العقوبة إلا العاصي دون المتجرّي.
الأثر الرابع
وفق مسلك حق الطاعة، يمكن الترخيص في مخالفة جميع أطراف العلم الإجمالي؛ خلافاً لمسلك قبح العقاب بلا بيان الذي لا يجيز ذلك. وتوضيح ذلك:
في حال اليقين بوجوب صلاة الجمعة — أي العلم التفصيلي — لا يمكن للشارع الإذن بمخالفته. إذ معنى ذلك أن الشارع يقول من جهة: يجب عليكم صلاة الجمعة (وهذا هو معنى اليقين والعلم التفصيلي؛ أي أنني متيقنٌ بأن الشارع قد أمر بإقامة صلاة الجمعة)، ثم إذا رُخِّص في مخالفة هذا العلم التفصيلي كان معناه: يجوز لك ترك صلاة الجمعة، وهذا محال. فلا يمكن إذن الترخيص من قِبَل الشارع في مخالفة «العلم التفصيلي».
أما في «العلم الإجمالي» فالبحث في أن الشارع هل يستطيع الإذن في مخالفته أم لا؟ فمثلاً، إذا كان لديك علمٌ إجمالي بأن في وقت الظهر من يوم الجمعة إما صلاة الجمعة واجبة وإما صلاة الظهر — أي عندك علمٌ إجمالي بوجوب إحداهما — فهل يستطيع الشارع أن يقول: إنني أجيز لك في ظهر الجمعة ترك كلتيهما؟ هذا هو الترخيص في مخالفة العلم الإجمالي.
والجدير بالتنبيه أن طرح هذا التساؤل بحثٌ ثبوتي لا إثباتي. لسنا نريد البحث في ما إذا كان الشارع قد فعل ذلك أم لا، بل نريد معرفة هل يمكن ذلك أصلاً من ناحية الشارع. هل يمكن للشارع أن يفعل هذا؟ (لسنا الآن بصدد إثباته في مورد من الموارد، بل نبحث في مجرد إمكانه). فوفق نظرية حق الطاعة يمكن الترخيص في مخالفة جميع أطراف العلم الإجمالي، وأما وفق مسلك قبح العقاب بلا بيان فلا يمكن ذلك.
وقد يبدو هذا غريباً: كيف يمكن — مع قبول نظرية حق الطاعة — الترخيص في المخالفة؟ أي أنه وفق نظرية حق الطاعة «يمكن» للشارع أن يأذن لنا في مخالفة العلم الإجمالي؛ فيأذن مثلاً بارتكاب جميع أطراف العلم الإجمالي إذا كان تحريمياً، أو ترك جميع أطرافه إذا كان وجوبياً. ففي مثال صلاة الجمعة وصلاة الظهر، يمكن للشارع أن يقول: إذا حصل لك علمٌ إجمالي بوجوب إحداهما، اتركهما كلتيهما! وهذا أحد آثار نظرية حق الطاعة… نعم! فذهننا قد تشكّل وفق البراءة العقلية وقبح العقاب بلا بيان. فطبيعياً وفق المسلك المشهور لا معنى أصلاً للترخيص في مخالفة جميع أطراف العلم الإجمالي، بينما وفق مسلك حق الطاعة يكون ذلك ممكناً.
موضوع الجلسة القادمة
نظراً لضيق الوقت وانتهاء مدة الجلسة، وحاجة هذا البحث إلى مزيد من التوضيح، نُرجئ هذا المبحث إلى الجلسة القادمة، وسنعمد — إن شاء الله تبارك وتعالى — بعد استعراض الأثر الخامس إلى الشروع في دراسة الإشكالات.