The news is by your side.

الدرس الأربعون، أصالة البراءة، البراءة العقلية، الأمر الثاني

الدرس الأربعون
أصالة البراءة – البراءة العقلية – الأمر الثاني: مستند البراءة العقلية – الوجه الرابع – إشكال الشهيد الصدر – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة

24 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة: ذكرنا في البراءة العقلية -بالمعنى المشهور بين الأصوليين في الأعصار المتأخرة- أنه قد أقيمت مستندات وأدلة متعددة لتبيينها؛ حيث عرضنا حتى الآن ثلاثة وجوه لتقريب قاعدة “قبح العقاب بلا بيان”، وناقشنا إشكالات الشهيد الصدر (قدس سره) عليها. وبقي لدينا الوجه الرابع الذي سنعرضه هاهنا مع بيان مناقشات الشهيد الصدر عليه.

الوجه الرابع

والدليل الرابع صاغه أيضاً المحقق الأصفهاني (قدس سره) كشأن الوجه الثالث؛ ومفاده أن الحكم الشرعي لا يتصف بكونه حكماً حقيقياً ذا باعثية ومحركية إلا إذا وصل إلى المكلف. فإذا انتفى وصول الحكم، سُلبت عنه خاصية الباعثية والمحركية؛ وكل ما خلا من الباعثية لم يعد حكماً في الحقيقة والواقع.

وينطلق المحقق الأصفهاني في تبيين هذا الوجه من مسلكه الخاص في حقيقة الحكم الشرعي وتصنيفه إلى “حكم إنشائي” و”حكم حقيقي”. فيرى أن الحكم الإنشائي هو ما يتحقق بمجرد الجعل والإنشاء من لدن المولى، دون أن يُفترض فيه داعي البعث والتحريك الفعلي للمكلف. وأما الحكم الحقيقي، فهو ما جُعل أساساً بداعي بعث المكلف وتحريكه حقيقةً نحو المتعلق؛ أي إن الشارع يشرع الحكم ويضعه لغرض انبعاث المكلف وتحركه نحو الفعل. ومن ثم، تغدو الباعثية والمحركية من الدواعي المهمة والرئيسة والأساسية في إنشاء الحكم وجعله.

فمتى اتصف الحكم بالباعثية والمحركية كان حكماً حقيقياً؛ بل يرى (قدس سره) حضور هذا الداعي حتى في الأوامر الامتحانية أو الاستهزائية؛ كأن يكون غرض الآمر اختبار المكلف وامتحانه، ومثاله الأمر الإلهي لإبراهيم (عليه السلام) بذبح ولده إسماعيل (عليه السلام). فلم يكن مراد الحق سبحانه ذبح إسماعيل واقعاً، بل كان الغرض هو الامتحان؛ غير أن هذا الحكم قد صدر بداعي البعث والتحريك؛ أي لكي يقوم إبراهيم (عليه السلام) ويأخذ الشفرة ويضجع ولده عازماً على الذبح. فما دام هذا الداعي موجوداً في صياغة الخطاب، كان الحكم حقيقياً؛ وأما مع انتفاء هذا الداعي وخلوه من الباعثية والمحركية، فلا يتصف بالحكم حقيقةً، ومن ثم سماه المحقق الأصفهاني “حكماً إنشائياً” في قبال “الحكم الحقيقي”.

ثم يرتب على ذلك قوله: إن وجه قبح العقاب بلا بيان يرجع لكون انتفاء البيان ملازماً لانتفاء وصول التكليف إلى المكلف؛ ومن ثم تنتفي الباعثية والمحركية بالتبع. ومع غياب المحركية، ينتفي الحكم الحقيقي في رتبة سابقة؛ وإذا انتفى الحكم الحقيقي، فلا موضوع للعقاب على تركه أصلاً؛ لكون العقاب متوقفاً على وجود التكليف، والفرض انتفاؤه هاهنا. فمعاقبة المكلف على ترك فعل لم يتوجه إليه تكليف حقيقي بشأنه أمر قبيح عقلاً بالوجدان.

إشكال الشهيد الصدر

أورد المرحوم الشهيد الصدر (قدس سره) إشكالين على هذا الوجه، على نسق إشكالاته السابقة ومسلكه الخاص:

الإشكال الأول

يرى السيد الصدر أن مجرد إنشاء الحكم صالح للمحركية والبعث بنفسه في فرض الوصول الاحتمالي. وتوضيحه: أنه إذا احتمل المكلف وجود التكليف -وهنا لا يرى الشهيد الصدر وجوب الاحتياط من باب تنجيز العلم الإجمالي بل من باب حق الطاعة- أو بتعبير آخر، متى ما تحقق الوصول الاحتمالي للتكليف، فإن حق الطاعة وحق المولوية الإلهية يقتضيان لزوم إتيان المكلف للتكليف المحتمل ورعايته.

ويقرر الشهيد الصدر أن هذا الوجه يؤول في حقيقته إلى المصادرة على المطلوب؛ لكون النزاع الأصلي والأساسي يدور مدار سعة وضيق دائرة “حق الطاعة” و”حق المولوية”. فالمستدل قد افترض مسبقاً ضيق حق الطاعة وحصر دائرته بالتكاليف الواصلة تفصيلاً أو القطعية، وأخرج التكليف المحتمل من حيز حق الطاعة. في حين أن هذا الفرض هو عين موضع النزاع والبحث؛ ومن ثم تغدو المحاجة مصادرة واضحة. إذ إننا نبتغي إثبات سعة دائرة حق الطاعة لتعم التكاليف المحتملة والمجهولة أيضاً.

وعليه، يخلص الإشكال الأول إلى أنه بناءً على سعة حق الطاعة -وهو الحق عندنا- فإن التكاليف المحتمل بيانها تكون واجبة الإتيان والامتثال عقلاً.

الإشكال الثاني

ويقرر الشهيد الصدر في إشكاله الثاني أنه لو سلمنا جدلاً بانتفاء الحكم الحقيقي بالمعنى الذي صوره المحقق الأصفهاني (أي فرضنا عدم تحقق الحكم الحقيقي)، فإن العقل يظل مستقلاً بلزوم إتيان التكليف المحتمل؛ نظراً لكون ملاك الحكم يرتكز على المصالح والمفاسد الكامنة في متعلق التكليف، بل يتعدى ذلك إلى تعلق إرادة المولى وكراهته ذاتاً. وهذه الحقائق التكوينية ثابتة ومحفوظة في اللوح الواقعي الإلهي، وهي كافية بذاتها لفرض لزوم الامتثال عقلاً.

وتبيين ذلك: أن احتمال التكليف -حتى مع فرض انتفاء رتبة الخطاب والحكم الحقيقي- يلازم احتمال وجود المصلحة في الفعل أو المفسدة في الترك. فإذا احتملتُ وجود المفسدة في فعل ما، فإن العقل يحكم بلزوم الاجتناب والتباعد عنه؛ لكون دفع المفسدة لازماً عقلاً وإن خلا المورد من تشريع الخطاب الحقيقي. وكذا الحال في فرض احتمال المصلحة؛ حيث يستقل العقل بلزوم الإتيان رعاية للملاك. وأكثر من ذلك، فإن احتمال التكليف يلازم احتمال تعلق الإرادة أو الكراهة النفسانية الإلهية بالفعل؛ فاحتمال الحرمة يعني احتمال كراهة المولى سبحانه وخط سخطه على هذا الفعل، ومجرد احتمال عدم رضا المولى كافٍ عقلاً لزوم الاجتناب حذراً من خرق ربقة العبودية؛ وإن قطعنا بانتفاء صدور الحكم الحقيقي والخطاب الإنشائي الفعلي.

فغاية ما أثبته تقريب المحقق الأصفهاني هو انتفاء الحكم الحقيقي؛ ولكن هل يسوغ ذلك القول بانتفاء ملاك الحكم؟ أو انتفاء مبادئه التكوينية؟ أو انتفاء الإرادة والكراهة الإلهية الواقعية؟ كلاً بالوجدان. ومع ثبوت احتمالها، يلزم المكلف عقلاً الإتيان والامتثال؛ لكون حق الطاعة يقتضي رعاية ما يحبه المولى ويتمناه أو ما يبغضه ويكرهه بمجرد احتمال ثبوته في أفق نفسه القدسية. وحق المولوية الإلهي قاضٍ بذلك بلا ريب.

ومن ثم يخلص الشهيد الصدر إلى انتفاء تمامية وصلاحية هذه الوجوه الأربعة لإثبات قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ ما يعني تداعي ركيزة البراءة العقلية بالكلية. ويستقر رأيه الشريف على أن العقل يقضي بلزوم الامتثال والاحتياط في كل تكليف محتمل؛ فالأصل الأولي عقلاً في الشبهات والتكاليف المحتملة هو الاحتياط، ما لم يثبت ترخيص من قبل الشارع تبارك وتعالى ينفي هذا اللزوم؛ وهو المقدار المأذون به بموجب الأمارات والأصول العملية المرخصة في رتبة لاحقة.

السؤال: …

الأستاذ: لقد ذهب هؤلاء (الأخباريون) إلى القول بالاحتياط في الشبهات التحريمية؛ بيد أن مستندهم في إثبات وجوب الاحتياط يرتكز على الأدلة الشرعية الروائية لا العقلية؛ فلم يكن منطلقهم نفي قاعدة قبح العقاب بلا بيان عقلاً ابتداءً، بل تنجيز الاحتياط بالنصوص الشرعية. كما أنهم تشبثوا بقاعدة دفع الضرر المحتمل عقلاً لتخريج الاحتياط، مع كون المعول لديهم هو النص الأثري. وعلى كل حال، فإن مبنى مسلك حق الطاعة يفترق جوهرياً عن مسلك الأخباريين وصياغتهم الأصولية.

وقد اشتهرت هذه النظرية في الأوساط الأصولية باسم “نظرية حق الطاعة”؛ وكنا قد تعرضنا لطرحها وتفصيلها ودراستها المعمقة في ثنايا دروسنا الأصولية قبل ما يربو على ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً، وصدرت تفصيلاتها في بحوثنا المكتوبة والمطبوعة؛ ويمكن للراغبين مراجعتها واستقصاء تفاصيلها هاهنا. غير أننا سنكتفي في هذه الجلسات بعرض مجمل ومختصر لها في حدود جلسة أو جلستين، لبيان ركائزها ودفع الإشكالات الواردة عليها رغبة في وضوح الثمرة المعرفية العميقة لهذا المبنى.

دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة

يقع البحث هاهنا في مدار البراءة العقلية؛ ونعني بها قاعدة “قبح العقاب بلا بيان” التي استقرت كمسلك مشهور وسائد في الفضاء الأصولي منذ عصر الوحيد البهبهاني (قدس سره) وإلى يومنا هذا. وحينما بزغ نجم الشهيد الصدر (قدس سره) بوصفه مبدعاً ومبتكراً لنظرية “حق الطاعة”، تصدى لمناقشة البراءة العقلية وتجفيف ركائزها بالكلية.

وفي مقام التحقيق التاريخي عما إذا كانت هذه النظرية من إبداعاته المحضة أم أن لها جذوراً تسبق عصره، يتعين القول بأن بعض الباحثين يعثر على إشارات تلوح بهذا المعنى في كلمات الآخوند الخراساني (قدس سره) في كفاية الأصول. كما أن المحقق الداماد (قدس سره) أشار لمبنى حق الطاعة في كتاب “محاضرات في أصول الفقه” (وهو تقريرات أبحاثه الأصولية بقلم تلميذه السيد طاهر الأصفهاني إمام جمعة أصفهان الراحل؛ وقد صدر حديثاً بطبعة محققة ضمن موسوعة آثار المحقق الداماد).

وكذلك صنف صاحب “منتقى الأصول” (قدس سره) نفسه في معسكر المنكرين لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث صرح بانتفاء قبح عقاب العبد على ترك التكليف المحتمل واقعاً، وإن لم يصرح بلفظ مسلك حق الطاعة.

وعلى أية حال، فإن المحقق الصدر (قدس سره) هو من تولى بسط هذا المسلك ورسم حدوده المنهجية وتأطيره في قالب صناعي متكامل؛ وتبعه في هذا المنهج لفيف من تلامذته الأجلاء بعد رحيله.

وخلاصة هذه النظرية تتقرر في أن التكليف إذا اتصف بالقطع واليقين، حكم العقل بلزوم الامتثال والاحتياط؛ لكون الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني بالصناعة. وأما إذا كان التكليف محتملاً ومجهولاً، فإن عقل المكلف يستقل أيضاً بلزوم الاحتياط وإتيان المحتمل.

فالاحتياط لازم عقلاً في كلا الفرضين (القطع والاحتمال)؛ ووجه لزومه في فرض التكليف المحتمل هو رعاية “حق الطاعة” الإلهي؛ ووجهه في فرض القطع هو منجزية العلم وقاعدة الاشتغال.

وينعكس أثر هذا المبنى على مواضع شتى ومسائل متعددة في علم الأصول؛ فلا ينحصر أثره في هذا الموضع فحسب، بل يمتد بظلاله إلى مسألة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، ومنجزية العلم الإجمالي، ومبحث التجري، وإمكان التعبد بالظن، وحجية خبر الواحد وغيرها من أمهات المسائل الأصولية.

بحث الجلسة المقبلة

نسعى بمشيئة الله تعالى وتيسيره في الجلسة المقبلة لاستكمال هذا المطلب وإنهائه، عبر تسليط الضوء على هذه النظرية وإيراد الإشكالات البنيوية عليها ثم العبور لمتابعة السير الأصولي المعهود.