The news is by your side.

الحدود الشرعية لحفظ النفوس والضوابط الفقهية لتعطيل المراسم الدينية مؤقتاً

فقه الأوبئة والنازلات: الحدود الشرعية لحفظ النفوس والضوابط الفقهية لتعطيل المراسم الدينية مؤقتاً

إن الجمود والتصلب في إقامة المراسم والطقوس الدينية إبان انتشار الأوبئة الفتاكة يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومبدأ وجوب حفظ النفوس.اللامبالاة وإهمال الضوابط الصحية للوقاية يمثلان جناية على النفس وإضراراً بالغير يستوجبان الحرمة التكليفية والضمان الدياتي والشرعي.تفشي الأمراض مسألة تكوينية يقرها العلم ويؤيدها العقل؛ وإنكار العدوى بالتمسك بالقراءات السطحية لبعض النصوص يضر بسمعة ومناعة الحوزة العلمية.

توطئة: يرى البعض بجهالة أن الإصرار والتحجر في إقامة المراسم والطقوس الدينية إبان انتشار الأوبئة الفتاكة يمثل ضرباً من الغيرة الدينية؛ بينما يمثل هذا السلوك مفسدة وإضراراً بالنفس والغير. وفي ظل انتشار فيروس كورونا المستجد، يبرز آية الله السيد مجتبى نورمفيدي بوصفه فقيهاً يجمع برصانة بين التمسك بالمنهج السلفي التقليدي المعتبر وبين الاستنارة والوعي العلمي بمتطلبات العصر؛ واصفاً تصريحات بعض غافلي الحوزة حول إنكار انتقال العدوى علمياً بأنها ممارسات تضر بسمعة ومناعة الحوزة العلمية وعلماء الدين. ويؤكد عضو المجلس العلمي لمركز الأئمة الأطهار الفقهي وجوب حماية وصيانة نفوس المؤمنين كواجب حتمي ومصيري ملقى على عاتق الدولة الإسلامية بمقتضى الفقه والقانون.

وفيما يلي النص الكامل لحوار شبكة “اجتهاد” مع أستاذ درس خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة:

أبعاد وجوب حفظ النفس وحظر تعريضها للتهلكة

شبكة اجتهاد: للحد من تفشي وانتشار هذا الفيروس، هل يجب إغلاق المجمعات العامة والترفيهية كالمسابح ودور السينما، أو الأماكن المقدسة والمذهبية كالعتبات والمراقد المشرفة؟ وما هو حكم المشاركة في المراسم الدينية إبان هذا الوباء؟ وهل يثبت وجوب فرض الحجر الصحي على المدن المصابة؟

الأستاذ نورمفيدي: قبل الخوض في تبيين حكم هذه المصاديق الجزئية، يتعين علينا أولاً تأصيل المبدأ الكلي العام المتمثل في “وجوب الوقاية من الابتلاء بهذا المرض وحظر المساهمة في تفشيه وانتشاره بين الناس”؛ وحين يتضح هذا الركن الفقهي يسهل علاج بقية الفروع والمصاديق يقيناً. وفي تقديري، بمقتضى حكم العقل، والنقل، وصريح الآيات القرآنية والروايات الشريفة وبناء العقلاء؛ يتحتم على الإنسان صيانة صحته وحفظ سلامة بدنه كواجب حتمي ولا بديل عنه؛ لكون العقل يحكم بوجوب حفظ النفس ودفع الضرر المحتمل. وصحيح أن طائفة من الأصوليين قد حصروا وجوب دفع الضرر المحتمل في الضرر الأخروي فحسب، غير أنه إذا كان الضرر دنيوياً جلياً وكانت نسبة احتماله قوية ومحققة الوجود، فإن العقل يحكم بوجوب دفع مثل هذا الضرر الدنيوي المهلك يقيناً.

شبكة اجتهاد: هل ترجع هذه المسألة لباب الفطرة الإنسانية أم لحكم العقل؟

الأستاذ نورمفيدي: هي حقيقة يقرها حكم العقل وتدعو إليها الفطرة التكوينية للإنسان معاً. فالجبلة والفطرة تفرض على الإنسان السعي الدؤوب لصيانة حياته ودفع المهالك عنها. وفي علم الأخلاق، يُبحث تلازم الخوف الفطري من الموت؛ مبيناً أن جزءاً من هذا الخوف يمثل نعمة ولطفاً إلهياً صِيغ في كينونة البشر لحمايتهم من التلف؛ فلو خلا وجود الإنسان من هذا الخوف الطبيعي لألقى بنفسه في مواطن التهلكة والبيئات الخطرة بلا احتراس؛ ومن هنا فإن هذا الخوف الطبيعي -إلى جانب كونه وازعاً فطرياً يدفع العبد لتفادي المهالك التي تؤول لحتفه- يُمثّل مدركاً عقلياً يقضي بوجوب صيانة النفس؛ فالقضية يحكمها العقل والفطرة تلازماً.

شبكة اجتهاد: هل تلتزمون بحجية “قاعدة الملازمة” (بين حكم العقل وحكم الشرع)؟

الأستاذ نورمفيدي: نعم، نقر بها يقيناً؛ ولكن بالضوابط والشروط المقررة لها في علم الأصول.

شبكة اجتهاد: ينكر البعض قاعدة الملازمة بدعوى عجز العقل عن الإحاطة بتمام المصالح والمفاسد الواقعية للأحكام، مما يفرض احتمال علم الشارع بمصالح ومفاسد تعجز عقولنا عن إدراكها.

الأستاذ نورمفيدي: إن قاعدة الملازمة التي قررها الأصوليون في حقل “العقل العملي” ومباحث الحسن والقبح العقليين (كحسن العدل وقبح الظلم) تنطوي على ضوابط تخصصية؛ وبما أن “ظلم النفس والإضرار بها بغير مصلحة راجحة” يمثل مصداقاً جلياً وصارخاً للظلم القبيح عقلاً، فبمقتضى الملازمة في هذا القدر المتيقن يمكننا يقيناً استكشاف وتأصيل الحكم الشرعي بالحظر والتحريم لكل سلوك يؤول للإضرار بالنفس وإهلاكها.

وبالنسبة للقطع واليقين بوجوب حفظ النفس، فإن هذا القطع واليقين يُمثّل نتاجاً وحصيلة لحكم العقل وتأصيل العقلاء والشرع؛ وعليه فلا تعارض بين المقاربتين. أما من الناحية الشرعية والنصية، فإن قوله تبارك وتعالى:

«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»

يرسم معلماً حاسماً لحرمة الإقدام على كل سلوك يؤول لإهلاك النفس؛ والتهلكة في الآية الشريفة ذات دلالة عامة تشمل الهلاك الدنيوي والأخروي على حد سواء.

صيانة النفوس وحكم الاستثناء في فريضة الجهاد والعبادات المعطلة

شبكة اجتهاد: إن التواجد في جبهات الجهاد وما شاكلها ينطوي بطبيعته على إهلاك دنيوي للنفس وبذل للمهج؛ فهل تشملها الآية الشريفة بالحظر؟

الأستاذ نورمفيدي: كلا؛ فالجهاد والتضحية في سبيل الله خارجة بالدليل التخصصي عن حظر التهلكة في الآية؛ لوجود مصلحة دينية وعقائدية أسمى وأولى بالرعاية تتمثل في صيانة حياض الإسلام وحفظ كرامة الأمة ومقدساتها وعزتها؛ فالآية تحظر التضحية بالنفس بغير مصلحة راجحة. ولدينا قاعدة فقهية مسلّمة تقضي بـ “وجوب حفظ النفس” وحرمة تعريضها للقتل أو التلف؛ ويتعين على المكلف اجتناب الممارسات التي تؤول لحتفه.

وقد زخرت نصوص السنة وأحاديث العترة الطاهرة بالحث الأكيد والتوجيه البليغ على صيانة النظافة والصحة الفردية؛ وصحيح أن بعض هذه التوصيات ينطوي على بركات معنوية، غير أن لها آثاراً دنيوية حاسمة ترتبط بسلامة الأبدان وحفظ الصحة؛ وإن الإضرار بالصحة والسلامة يمثل مصداقاً من مصاديق “الإسراف المحرم شرعاً”؛ فالإسراف لا يقتصر على المأكل والمشرب، بل يشمل تبديد نعم الله كافة، وتعريض نعمة الصحة والسلامة للتلف والهلاك هو إسراف محرم شرعاً؛ مما يتيح لنا الاستناد لأدلة حرمة الإسراف والتبذير في هذا المبحث الفقهی.

وهذا المنهج تقره سيرة العقلاء وبناؤهم العملي، ولا نجد في أدلتنا رادعاً أو مانعاً شرعياً يمنع هذا البناء؛ بل تذخر نصوص الشريعة بتأييد سيرة العقلاء في الوقاية من الأوبئة؛ ولعل الدليل الأقوى والأبسط على عظيم رعاية الشريعة لحفظ النفوس يبرز في إباحتها وتجويزها لارتكاب المحرمات كأكل الميتة في حال الاضطرار تخلصاً من الهلاك؛ فصيانة النفس بلغت رتبة تسقط معها المحرمات والمحظورات الشرعية؛ وعليه فإن وجوب حفظ النفس وصيانتها هو حكم عقلي، وشرعي، وعقلائي محكم ومسلّم؛ وكل سلوك يؤول لتضييع هذا الواجب هو محرم يقيناً.

وفي ظل الابتلاء بانتشار فيروس كورونا المستجد، بالرغم من أن نسبة الوفيات به قد لا تكون مرتفعة جداً بالدلالة المئوية، إلا أنه يملك طاقة انتشار فتاكة لتهديد صحة الناس، لا سيما كبار السن والمرضى ذوي الحالات الخاصة؛ وإذا ما تفشى هذا الوباء بغير ضوابط وقاية مشددة، فسيعجز النظام الطبي للدولة عن كفالة ورعاية الحجم الهائل من المصابين مما يقود إلى هلاك أعداد غفيرة من المؤمنين؛ ومن هنا فإن ممارسة أي سلوك يسهم في تفشي هذا الوباء ونشره هو محرم شرعاً بلا ريب.

وإن إقامة التجمعات واللقاءات العامة -سواء أكانت في صروح العبادة والمقدسات أم في المجمعات العامة الأخرى كدور السينما والمسابح- تهيئ الأرضية لتفشي هذا الوباء الفتاك وتضع نفوس الناس في معرض الهلاك؛ ومن هنا يتوجب إناطة تقييم الموقف وتحديد الإجراءات (كإقرار الحجر الصحي للبلاد من عدمه) بقرار وتوجيه الجهات التخصصية والطبية التي فوضت إليها الدولة إدارة هذه الأزمة الصحية؛ ويتحتم على الجميع الامتثال الكامل لقرارات وتوجيهات هذا المركز الطبي ومنع التخلف عنها؛ لكون رجوع الجاهل للخبير والعالم هو الأساس العقلائي الحاكم على تسيير الشؤون؛ ولا فرق فيه بين ملف ديني أو غير ديني.

ومما يدعو لأسفنا البالغ وحسرتنا هو صدور بعض التصريحات غير التخصصية والارتجالية في هذا الملف الحساس من قِبل بعض منتسبي الحوزة؛ كاستناد أحدهم بتبسيط فادح لحديث شريف ليزعم واهماً بإنكار حقيقة تفشي “العدوى وانتقال الأمراض” بين الناس شرعاً! وهو تعاطٍ ينطوي على جهالة وقصور علمي يضر بوقار الحوزة العلمية وعلماء الدين ويهتك كرامتهم أمام الرأي العام، ويوحي للناس بجهالة أن الحوزويين يعيشون هذا الانفصال عن العلم والبديهيات. إن هذا التعاطي المشين ينبع من غياب التحقيق العلمي الرصين في بطون الأحاديث والروايات؛ فصحيح أننا نملك نصاً ينفي العدوى ظاهراً، غير أن فقهاء الأمة جمعوا بينه وبين النصوص المعارضة المعتبرة مبيناً أن نفي العدوى في الحديث الشريف لا يعني إنكار حقيقة انتقال الأمراض والعدوى تكويناً؛ بل يعني نفي كون العدوى هي “العلة التامة والفاعلة المستقلة بذاتها” للإصابة بالمرض بمعزل عن الإرادة والمشيئة الإلهية؛ فإهمال هذا الجمع والتمسك بالتفسير البدائي المنكر لعلوم الأطباء واليقين التكويني هو ممارسة تثير الأسف البالغ.

وبناءً على ما تقدم؛ فمثلما يثبت وجوب حفظ النفس وحرمة تعريضها للتهلكة، يثبت وجوب الامتثال لقرارات الأطباء وأهل الخبرة في هذا الملف وحرمة التخلف عنها؛ وهي المنهجية التي أيدها وواظب عليها مراجعنا العظام للحوزة العلمية سائرين على نهج السلف الصالح طوال تاريخهم بإحالة الأمور التخصصية لأهل الخبرة. وصحيح أن بعض الفتاوى والأحكام الشرعية الإلزامية كفريضة الحج أو الجماعة قد تواجه التعطيل المؤقت صيانة للمصالح العليا وحفظ نفوس المؤمنين، فكيف يصعب علينا إقرار التعطيل المؤقت لمستحبات مؤكدة كزيارة العتبات والمراقد المشرفة وإقامة مجالس التوسل والعزاء إذا ما قرر أهل الخبرة أن إقامتها تمثل خطراً يهدد نفوس المؤمنين بتفشي الوباء؟ فلا يسوغ شرعاً تعريض أرواح العباد للتلف بذريعة الاستحباب والتقديس.

وقد يتوهم البعض بجهالة أن الإصرار والتحجر في إقامة هذه المراسم والطقوس في الأزمات يمثل شجاعة وغيرة دينية شامخة؛ والواقع خلاف ذلك تماماً؛ فسيرة أهل البيت (عليهم السلام) كانت تلتزم بالاحتياط والوقاية وحفظ النفوس. وتصور أن الغيرة الدينية تحظر تعطيل هذه المراسم مؤقتاً خشية الوهن والفتور، هو فهم جاف وخاطئ لمقاصد الشريعة؛ بل يجب الامتثال لأهل الخبرة، وعلماء الدين ومراجع التقليد العظام كانوا السباقين والأولين لإصدار بيانات التوجيه بالالتزام بالضوابط الطبية صيانة لنفوس الأمة.

صيانة الحياض الصحية والضمان المدني للناقل المتعمد للعدوى

شبكة اجتهاد: هل تلتزمون فقهياً بـ “حجية قول الخبير والأخصائي” في تشخيص الموضوعات؟

الأستاذ نورمفيدي: إذا كان الشخص يتصف بالأخصائية والخبرة الحقيقية في مجاله المعرفي بغير زيف؛ ففي تقديري وإن لم نقل بحجية قول خبير بمفرده في بعض الشؤون، غير أن تواطؤ وإجماع أهل الخبرة يورث يقيناً وعقلاً الحجية والاعتبار الشرعي الذي يفرض العمل بمقتضاه.

شبكة اجتهاد: هل يثبت وجوب رعاية المعايير والضوابط الصحية الفردية والاجتماعية في هذه الظروف؟

الأستاذ نورمفيدي: نعم، يقيناً؛ فرعاية المعايير الصحية الفردية والعامة هي واجب شرعي؛ وقد زخرت نصوص الشريعة بالحث الأكيد على النظافة والطهور والوقاية وصيانة البيئة من القاذورات. وإبان تفشي هذه الأوبئة الفتاكة، تتحول تلك المستحبات والآداب الصحية إلى “واجبات وإلزامات شرعية صارمة”؛ لكون إهمالها يمثل جناية على النفس وتعدياً وإضراراً بالغير؛ فالقضية تتجاوز البعد الفردي للمكلف؛ وحين يمتنع العبد عن رعاية الضوابط الصحية للوقاية فإنه يعرض نفسه للإصابة من جهة، ويسهم مباشرة في نقل العدوى للآخرين وتفشي الوباء في مجتمعه بمقتضى تداخل روابط الحياة المعاصرة من جهة أخرى، وهو إضرار فادح بالغير ومحظور شرعي موجب للضمان الدياتي والشرعي. فكل من أهمل الوقاية وتسبب بنقله للعدوى في إصابة الغير بالمرض، يرتكب إثماً وحراماً تكليفياً ويتحمل الضمان والمسؤولية الشرعية لفعله الجائر.

وثمة رواية شريفة دونتها مصادر ومسانيد العامة ونقلها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وبعض شراح الكافي الشيعة أيضاً؛ حيث يروى عن النبي الأكرم (ص) أنه قال:

«إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا»

وهو توجيه نبوي صريح يرشد لحفظ الصحة الفردية من جهة (بمنع دخول مناطق الوباء للوقاية)، وحفظ الصحة العامة للمجتمع من جهة أخرى (بحظر خروج المصابين لئلا تنتقل العدوى للبلدان الأخرى)؛ وهو إرشاد بليغ لحفظ‌ الصحة وصيانة النفوس؛ مما يبرهن على وجوب رعاية الضوابط الصحية الفردية والعامة يقيناً، دون إهمال لأساليب التوسل والدعاء لدفع البلاء وعافية الأبدان والنفوس.

مسؤولية الدولة الحاكمة وأثر المصداقية في صيانة الأمن النفسي

شبكة اجتهاد: ما هي حدود وواجبات السلطة والحكومة الإسلامية في مواجهة هذه الأزمات الوبائية؟ وهل تلتزم الدولة والبلدية بوجوب تعقيم الأماكن العامة، وتوفير أدوات الوقاية كالأقنعة الواقية، وإقامة حملات التثقيف الصحي للجماهير؟

الأستاذ نورمفيدي: تقع على عاتق الدولة والحكومة الإسلامية مسؤوليات وواجبات شاسعة النطاق لرعاية شؤون العباد وتأمين رفاههم، واستقرارهم، وأمنهم، وسلامتهم البدنية والنفسية؛ وبمقتضى هذه المسؤوليات تلتزم الدولة بوجوب القيام بكافة الإجراءات والتدابير الوقائية اللازمة، ونشر الوعي والتثقيف الصحي، والحد من انتشار الأوبئة، وتسهيل وتأمين أدوات ومستلزمات الوقاية الفردية والعامة وتوزيعها على المواطنين الشرفاء. وإذا ما قصرت الأجهزة الحكومية أو أهملت القيام بهذه الواجبات المنوطة بها، فإنها ترتكب إثماً وحراماً تكليفياً وتتحمل الضمان والمسؤولية الشرعية للأضرار المترتبة على تقصيرها؛ فالحكومة تلتزم بوجوب تأمين مستلزمات الوقاية وإدارة الأزمة؛ ويحق لها إصدار قرارات ملزمة تلزم بمقتضاها بعض المصانع والمؤسسات بتوجيه إنتاجها لصناعة المعقمات والكمامات، وتعبئة كافة الطاقات والإمكانات لضمان سلامة المواطنين وتطهير وسائل النقل العامة والمراكز المشتركة، وهو واجب شرعي حتمي يقع على عاتق كافة مفاصل الدولة وحاكميتها.

شبكة اجتهاد: الروايات الواردة من قبيل: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، هل تدل بظهورها على الوجوب التعبدي الشرعي، أم أنها مجرد إرشاد؟ وهل نملك قاعدة فقهية معتبرة تحكم هذا الباب؟

الأستاذ نورمفيدي: تدل هذه الروايات وأمثالها الواردة في مصادر الحديث -سواء في أبواب النكاح أم التجارة أم كراهية الوضوء بغسالة المريض بالمرض الجلدي- بظهورها على “الإرشاد” لحكم العقل التأسيسي القاضي بوجوب حفظ النفس ودفع الأضرار الهلكة واتباع طرق الوقاية من الأمراض المعدية؛ فتسري دلالة الإرشاد فيها لعموم الأمراض والعدوى المسارية التي تنتقل بالاختلاط والتماس البشري. وصحيح أن بعض المحققين قد استند في هذا الباب لـ “قاعدة لا ضرر”؛ غير أنني أرى الاستناد لقاعدة “حرمة الإضرار بالنفس وحرمة تعريضها للتهلكة والقتل” هو الأصح والأمتن فقهياً؛ كما يمكن الاستدلال بـ “قاعدة الغرور”؛ لكون قاعدة لا ضرر عندي هي حكم ونهي سلطاني وحكومي صادر من مقام الولاية لتسيير شؤون الحكم، ولا صلة لها بالاستدلال في مثل هذه الأبواب الفردية.

شبكة اجتهاد: هل تلتزم الدولة بوجوب المصداقية والصدق في إعلان أرقام الإصابات والوفيات وحجم الكارثة للمواطنين، أم أن المصلحة العامة تقتضي كتمان بعض الحقائق صيانة للمجتمع من الهياج والهلع؟

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، إن التزام الصدق والمصداقية هو منهج رابح ولا يورث الخسران أبداً؛ سواء أكان في أطر العلاقات الفردية الضيقة أم في العلاقات السياسية والحكومية الواسعة؛ لكون الصدق يمثل الركيزة والضمانة الأساس لبناء الثقة العامة بين الجماهير والحاكمية، وهي ثروة ورصيد معنوي فذ يعزز تلاحم الشعب والتفافه حول دولته لتجاوز الأزمات؛ بينما يؤدي زعزعة الثقة وتشويه المصداقية لإقصاء التلاحم الوطني وتفريق قلوب الناس عن حكومتهم مسبباً أضراراً بالغة.

وهذا الصدق والوفاء هو المنهج الأصيل الذي حثت عليه الشريعة وواظب عليه الأئمة المعصومون (عليهم السلام) في سيرتهم العملية؛ ويقرره الوجدان والتجارب التاريخية للبشرية. غير أن الصدق والمصداقية لا يفرض بالضرورة المبادرة لإعلان كافة التفاصيل والأرقام التي قد تسبب هلعاً ورعباً كبيراً في نفوس الناس يزعزع استقرارهم وأمنهم الروحي؛ فثمة فرق بين الكذب وبين كتمان بعض تفاصيل الحقيقة صيانة للمصلحة العامة؛ ككتمان أرقام الشهداء والضحايا إبان استعار المعارك في جبهات القتال لئلا يصيب الوهن والضعف عزائم الركبان المقاتلين؛ فهذا كتمان مبرر ومشروع؛ ولكن في عصرنا الرقمي الراهن وتعدد وسائل تبادل المعلومات والاتصالات العالمية، بات مبدأ الكذب أو التعتيم وإخفاء الحقائق أمراً مستحيلاً وعقيماً جداً؛ لكونه يفتح الباب واسعاً أمام غرف عمليات الأعداء وقنواتهم الموجهة لتزييف الحقائق وقلبها وعرض الأباطيل وبث الشائعات والأكاذيب المرعبة في وجدان الناس مستغلين هذا التعتيم الرسمي؛ مما يوجب صيانة الصدق والمصداقية مع الجماهير.

فليس من الحكمة التهويل والمبالغة وبث الذعر والخوف والاضطراب الذي يضعف المناعة الجسدية والنفسية للناس لمواجهة الوباء، وليس من الحكمة المداراة والترقيع والتعتيم وإخفاء الحقائق؛ وكلا المنهجين يمثل إفراطاً وتفريطاً منبوذاً؛ ويتعين على المسؤولين إدارة الملف بوعي، وتبيين الحقائق بصدق ورصانة، وبث الطمأنينة والأمل والمسؤولية الحذرة في نفوس المواطنين لتجاوز هذه الأزمة بنجاح وتوفيق.