بمناسبة استشهاد قائد المقاومة الفريق الحاج قاسم سليماني
وفاءً لدماء قادة المقاومة: بركات الشهادة وفلسفة الإخلاص في مدرسة أهل البيت (ع)
شهادة هذا القائد العظيم بعثت روحاً جديدة من التضامن والوفاق في الأمة الإسلامية ومحور المقاومة.
قبل البدء في البحث العلمي، أرى من واجبي وتكليفي أن أقف لبضع دقائق لأتحدث عن استشهاد القائد والمجاهد المخلص والمحبوب لجبهة المقاومة، الشهيد الحاج قاسم سليماني. وبالرغم من كثرة ما قيل وكُتب من رسائل وبيانات في هذا الشأن، إلا أن عدم التطرق إلى هذه المناسبة قد يشعرنا بالغبن والتقصير.
والواقع أن دماء هذا الشهيد العظيم قد أظهرت آثارها وبركاتها بوضوح في العالم بأسره، وفي العالم الإسلامي وإيران على وجه الخصوص. وإن ميتةً يترتب عليها مثل هذه الآثار لهي توفيق إلهي عظيم؛ إذ يجمع الله للإنسان بين شرف الشهادة وسعة الأثر والبركة. لقد رأيتم كيف تجلى هذا الأثر في الداخل الإيراني؛ حيث تأثر وتألم من أعماق قلبه كل أبناء الشعب بمختلف فئاتهم، من رجال ونساء، وشباب وشيوخ، وأكاديميين وحوزويين، ومراجع وعلماء وقادة، وعلى رأسهم سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم. وكأن دماءه الطاهرة قد بعثت روحاً جديدة وأوجدت مناخاً متكاملاً يدعو من جهة إلى توضيح المعالم في مسار المقاومة والصمود وعدم التراجع أمام العدو، ومن جهة أخرى إلى تعزيز الوحدة والتضامن والوفاق. إن هذا الوفاق والتعاطف الذي تبلور في إيران والعراق والعالم الإسلامي يمثل بحد ذاته الانتقام الأكبر من الإدارة الأمريكية المستكبرة.
إحباط الفتن وتجلي الانتقام الإلهي
ولقد شاهدتم في الآونة الأخيرة حجم التشتت والتعارض الذي طرأ على الساحة العراقية حتى بين أبناء الصف الواحد؛ ولكن دماء هذا الشهيد غسلت كل تلك النزاعات والخلافات بين أبناء الشعب العراقي الشقيق، وأحبطت الفتنة التي سعى العدو جاهداً لإشعالها من خلال الصراع الداخلي والاحتراب الداخلي، أو إثارة النزاع بين المكونات المختلفة. لقد ردت هذه الدماء الزكية سهم العدو إلى نحره؛ وهذا هو جوهر الانتقام الإلهي من الاستكبار وأعداء الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام).
ولم يكن بالإمكان إيجاد مثل هذا الوفاق والتعاطف في جبهة المقاومة الإسلامية وفي الداخل الإيراني والعراقي -بمثل هذه الطاقة والدوافع المضاعفة لمواصلة الطريق- حتى لو أُنفق في سبيل ذلك الكثير من الوقت والأموال على مدى شهور وأعوام. وإن اقتصار آثار شهادة هذا الرجل العظيم على هذه النتائج الكبرى في العالم الإسلامي والمنطقة يمثل دليلاً كافياً على عظمة مقامه وتأثيره. وهذا هو الأمر الذي عجز الأعداء دائماً عن إدراكه وفهمه؛ وهو أن دم الشهيد المظلوم يلاحق الظالمين على مر التاريخ، وهذا وعد إلهي نرى آثاره اليوم متحققة عياناً؛ حيث جعل الله شهادة هذا الرجل منطلقاً لإحداث هذه التحولات الكبرى في العالم.
جوهر الإخلاص والقبول الإلهي
وأما ما يتعلق بالشهيد نفسه فمكانه معلوم. فقد كان بحق نموذجاً بارزاً ومثالاً يحتذى للإنسان السائر على نهج مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو الذي تربى في مدرسة الإمام الراحل (قدس سره). لقد عاش بطهارة ونقاء، متواضعاً بلا ادعاء، وبمنتهى الأخلاق واللين والتواضع في تعامله مع الجميع، فكان بحق جوهرة نادرة في هذا العصر. وبالرغم من أن فقدانه يمثل خسارة فادحة لنا، إلا أن هذه الميتة كانت أمنيته الكبرى، وكان من الإجحاف أن تكون نهايته ومآله بغير الشهادة.
وإن كل هذه الآثار هي ثمرة الإخلاص؛ فالذي يعمل مخلصاً لوجه الله تبارك وتعالى، يجعل الله له القبول والمحبة في قلوب العباد. والإخلاص ليس أمراً يملك أي منا مقياساً لقياسه عند الآخرين وتحديد من هو المخلص ومن هو دونه؛ فكل إنسان هو أدرى بنفسه وبدرجة الإخلاص في أعماله وتوجهاته.
وبناءً على ما رُوي ووصل إلينا من التعاليم الدينية، فإن القانون الإلهي يقرر:
«مَنْ كَانَ للهِ كَانَ اللهُ لَهُ»
ومن كان الله معه وعوناً له، ضمن له كل شيء. وإن هذه المحبة العميقة في قلوب أشخاص لم يلتقوا بالشهيد ولم يعرفوه عن قرب، لهي ثمرة وإفراز طبيعي لإخلاصه، حيث جازاه الله تبارك وتعالى على إخلاصه بأن زرع محبته في قلوب الناس.
والإخلاص ليس شيئاً يسعى المرء لتحصيله لكي يحظى بمحبة الناس؛ فهذا التصور ينطوي على تهافت وتناقض بين المقصد والوسيلة، وهو أشبه بالمفارقات التي لا يمكن الجمع بينها. فالذي يعمل متطلعاً لمحبة الخلق ثم يدعي الإخلاص يقع في تناقض مكشوف؛ لأن الإخلاص الحقيقي يعني ألا يبتغي الإنسان من الله بدلاً في عمله، وألا يشرك معه أحداً، وألا يطلب حتى محبة الناس وثنائهم. ولكن هذا الحب هو الأثر التكويني والوضعي لمن يخلص لله ويفوض أمره إليه؛ إذ يقدر الله له من الخير والصلاح ما يشاء. وقد يترتب على الإخلاص أحياناً عداء الناس لسبب أو لآخر؛ غير أن المخلص لا يُسر بثناء الخلق ومحبتهم، ولا يحزن لعدائهم وجفائهم.
تجسيد الفضائل القرآنية في سلوك الشهيد سليماني
وعلى أية حال، أردت بيان هذه الكلمات من باب أداء التكليف والواجب، ونحن لا نستطيع إيفاء هذا الشهيد حقه؛ ولكن من باب التذكير والذكرى لأنفسنا بأن الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قادرة على تربية وتنشئة مثل هؤلاء الرجال العظام في أحضانها. وإذا كان التلامذة المتربون بالواسطة في هذه المدرسة يبلغون هذه العظمة الروحية، فما بالكم بمقام أهل البيت أنفسهم؟ وما مقام الإمام الحسين (ع) وأمير المؤمنين (ع)؟ إن هؤلاء الرجال قد تربوا في تلك المدرسة المباركة ونهلوا منها فنالوا هذه العظمة الشامخة.
وإنه لمن الهام بمكان أن يراقب الإنسان نفسه وسلوكه بدقة متناهية، وبالمقابل ألا يتوقع من الآخرين شيئاً، ولا يتسرع في إطلاق الأحكام والتقييمات على العباد بمجرد ما يجري على لسانه. ويمكننا اعتبار الشهيد الحاج قاسم سليماني مصداقاً حقيقياً للآية الكريمة:
«أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»
فقد كان في مواجهة الأعداء جبل أشم وقائد صلب راسخ وثابت، ولكنه كان يتعامل مع الأصدقاء والمسلمين بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم وأذواقهم بمنتهى المحبة، واللين، والجذب، وهي المنهجية والسيرة ذاتها التي سار عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
وفي الختام، نسأل الله تبارك وتعالى أن يحشر هذا الشهيد العزيز مع أوليائه الصالحين، وأن يديم هذه الآثار الطيبة والبركات التي تحققت بالفعل بفضل دماء هؤلاء الشهداء الأبرار. وإذا لم يترتب على شهادته أي أثر آخر سوى هذه البركات الحالية، لكان ذلك كافياً وعظيماً؛ وعلينا الحفاظ على هذه المكتسبات وصونها. ويقينًا، فإن الانتقام الإلهي آتٍ لا محالة؛ عاجلاً أم آجلاً، سينال الذين ظلموا الشعوب المسلمة جزاء أعمالهم وجورهم.
آمل أن يوفقنا الله تعالى للقيام بواجباتنا ومسؤولياتنا الملقاة على عاتقنا في مسيرنا بجدية وإخلاص ودوافع قوية، لكي نكون بيض الوجوه وسعداء يوم نلقى رسول الله (ص) وأهل بيته الميامين، وألا نكون نادمين أو خجلين أمامهم. ختم الله عواقب أمورنا جميعاً بالخير والصلاح.