تنديداً بالغطرسة الأمريكية: سيرة الإمام الحسين (ع) هي الرفض المطلق للذل والاستسلام
أبرز مواقف الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي خلال درس الخارج (الأربعاء ٤ شعبان ١٤٤٠ هـ)
-
شعار الإمام الحسين (ع) وسيرته هما عدم الاستسلام للغطرسة والاستكبار.
-
أبناء الشعب الإيراني كافة يقفون اليوم صفاً واحداً خلف أبنائهم الغيارى والمضحّين في الحرس الثوري بوجه الغطرسة الأمريكية.
صادف يوم أمس، الثالث من شعبان المعظم، ذكرى الولادة الميمونة للإمام الحسين (عليه السلام). ويصادف اليوم، الرابع من شعبان، ذكرى ولادة قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وغداً، الخامس من شعبان، ذكرى ولادة الإمام زين العابدين (عليه السلام).
لقد تزامنت أيام ولادة هذه الشخصيات الثلاث الرئيسة في ملحمة كربلاء في تلاحم بديع. وإن المسألة التي يجدر بنا الالتفات إليها بشأن هؤلاء العظماء -الذين يمثلون قدوة وأسوة للمسلمين بل للبشرية جمعاء على مر التاريخ- هي أن الإمام الحسين (ع) والإمام السجاد (ع) المعصومين، وأبا الفضل العباس (ع) الذي كان بمنزلة المعصوم، كانوا في قمة الفضائل الإنسانية والكمالات الأخلاقية؛ ولهذا يمثلون القدوة والأسوة لكل إنسان.
وأود اليوم الإشارة إلى أمر يمثل في الواقع شعار سيد الشهداء (عليه السلام) وقمر بني هاشم (عليه السلام) والإمام زين العابدين (عليه السلام)، بل كان منهجهم العملي طوال حياتهم المباركة. وهذا الشعار والعمل يبلغ من الأهمية رتبة تجعله مقبولاً ومتطابقاً مع فطرة كل إنسان، بغض النظر عن مذهبه أو معتقده أو قوميته.
وبشكل عام، فإن تعاليم أهل البيت والأئمة المعصومين (عليهم السلام) تملك القدرة على جذب جمهور واسع في جميع أنحاء العالم من مختلف الشعوب والأديان؛ لأن هذه التعاليم تتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة، ولهذا تحظى بالقبول والإقبال.
إن الشعار الذي كرره الإمام الحسين (عليه السلام) في ساحة المعركة في لحظاته الأخيرة يحمل مفهوماً يبدو مألوفاً لكل إنسان حر؛ لكونه منسجماً مع فطرته. فالرجز والشعر الذي قاله الحسين (ع) في ميدان القتال:
«المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ العَارِ .. وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ»
هو شعار وراية ترتضيها كل عين وعقل حُر. فحين يقول: إن الموت عندي أهون وأولى من الاستسلام وتحمل عار الذل والمهانة، ثم يضيف: إن تحمل المشاق والمصاعب الناجمة عن رفض الاستسلام أفضل بكثير من أن يقع الإنسان في عذاب الله وقهر الجبار. هذا شعار يقبله كل إنسان بمجرد مواجهته، لكونه يلامس الفطرة.
عواقب الاستسلام ومنطق الهيمنة الأمريكية
إن الاستسلام للأعداء يضر بآخرة الإنسان ودنياه على حد سواء. وإذا امتلك شعب روحية الاستسلام أمام عدوه الضاري، فسيعيش ذليلاً خاضعاً على الدوام يتلقى الصفعات. لا يوجد شعب أَبِيّ يرتضي لنفسه وطء كرامته بالأقدام، والاستسلام للذل والهوان أمام عدوه.
وأود الاستفادة من هذا المبدأ لأقول: في عالمنا المعاصر، بلا شك، تمثل أمريكا القوة الغاشمة التي تسعى لاستعباد الجميع وإخضاعهم للذل، وإثبات هيمنتها وتسلطها عبر لغة القوة والترهيب، والحرب الاقتصادية والنفسية. ولم تقتصر هذه الهيمنة على بعض الدول العربية في المنطقة التي تراجعت بشكل أو بآخر أمام هذه القوة المتغطرسة، بل إن دولاً أخرى في العالم قد قبلت أيضاً بمرتبة من مراتب الاستسلام لأمريكا. بينما لو هبت الحكومات جميعاً وعملت بهذا الشعار، وأدركت أن الاستسلام لهذه الغطرسة لا يصب في مصلحتها، وبدأت برفض الخضوع لهذه المذلة، لكان ذلك خيراً لها ولشعوبها في حاضرها ومستقبلها.
وهذه حقيقة واقعة؛ إذ تواجه إيران اليوم أقصى الضغوط الأمريكية مقارنة بأي بلد آخر. وصحيح أن مجتمعنا يعاني من بعض المشاكل والنواقص والقصور، ولكن بالرغم من كل هذه العقبات، فإن الشعب الإيراني لم يستسلم حتى الآن أمام هذه الغطرسة والضغوط، ولن يستسلم في المستقبل بفضل الله ومنّه.
إن كل ما يقوم به الأعداء يهدف إلى اجتثاث جذور الإسلام الحقيقي، وإرغام المسلمين على الالتزام بإسلام لا يتعارض مع مصالحهم؛ يريدون تحويل المسلمين والشيعة إلى كائنات وديعة وهادئة تراقب نهب ثرواتهم وغطرستهم بصمت ودون أي اعتراض.
واليوم، باتت هذه السلوكيات غير المتعارف عليها والقروسطية (التي تنتمي للعصور الوسطى) واضحة لجميع الشعوب، لكنهم يفتقرون إلى جرأة الوقوف والصمود. غير أن الشعب الإيراني، والدولة الإيرانية، والمسؤولين في الجمهورية الإسلامية يقفون اليوم بوجه هذا الظلم استناداً إلى التعاليم الدينية والدعم الشعبي الواسع.
إن أكثر الشخصيات حماقة وبلا منطق تهيمن اليوم على الإدارة الأمريكية، وتتخذ بين الحين والآخر قرارات غير عقلانية وخارجة عن أعراف العلاقات الدولية والقواعد الدولية؛ وبالرغم من أن العالم لا يعير هذه القرارات اهتماماً في كثير من الأحيان، إلا أن المسؤولين الأمريكيين مستمرون في هذه السلوكيات للأسف.
تهافت القرار الأمريكي ضد الحرس الثوري
وإن إجراءاتهم الأخيرة، والتي كان أحدثها إدراج حرس الثورة الإسلامية على قائمة المنظمات الإرهابية، تكشف حقاً عن قصر نظر واتباع لمنطق الوحشية والهمجية. إن القضية تكمن في أنهم يسعون خطوة بخطوة لفرض المضايقات والضغوط على الشعب الإيراني لإرغامنا على الاستسلام. إن غايتهم القصوى هي استسلام الشعب والثورة أمام إرادتهم؛ وهو الأمر عينه الذي تحثنا تعاليم سيد الشهداء (عليه السلام) على الوقوف بوجهه ورفضه. إنهم يريدون الاستسلام والذلة، ويريدون للشعب الإيراني أن يكون ذليلاً خاضعاً، غير أن هذا الشعب يقف يداً واحدة بوجه غطرستهم وسيقف صامداً في المستقبل أيضاً.
ومن الغريب حقاً أن يصف هذا النظام -الذي هو صانع الجماعات الإرهابية والداعم والممول الأساسي للإرهابيين، والذي يُعد دولة إرهابية بكل ما تحمله الكلمة من معنى في جميع الأبعاد- مؤسسةً شعبية ثورية ودستورية بالإرهاب.
وإن أفضل حكم في هذا الظلم الفادح والواضح هي شعوب المنطقة التي لمست بوجدانها وعاشت بكل وجودها لتعرف من الذي دافع عنها بوجه إرهابيي “داعش” مصاصي الدماء، وأي دولة كانت السند والداعم لهؤلاء الجلادين والجزارين.
وإذا كان الشعب اليوم يصدح بصوت واحد قائلاً: “كلنا حرس”، فإن معنى ذلك هو أننا ندعم أبناءنا الغيارى والمضحّين في وجه غطرسة الإدارة الأمريكية الإرهابية.
إن اللباس الأخضر اليوم هو لباس المقاومة بوجه الهيمنة، ولباس الإيثار والتضحية، وهو ما تجلى بوضوح تام في معارك مواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي، وكذلك في إغاثة المتضررين من السيول الأخيرة.
وعلى أية حال، وفي ظل الظروف التي نواجه فيها مشاكل داخلية تزامناً مع التهديدات الخارجية المتزايدة يوماً بعد يوم، فإن أفضل سلاح لدينا هو الوحدة والتماسك والتعاطف بمحورية القيادة والاعتماد على القدرات المحلية والطاقات الذاتية.
التكاتف الشعبي في مواجهة السيول والتهديدات
والآن تهيأت فرصة عززت من مناخ التعاطف والوئام؛ ففي حادثة السيول الأخيرة التي خلفت أضراراً جسيمة لم تُعالج تداعياتها بعد وأدت إلى خسارة الكثير من المواطنين لأموالهم وممتلكاتهم، نشهد اليوم ذروة التضامن والتكاتف الشعبي. وإن هذا التضامن والتعاطف بين الناس يمثل في الحقيقة القيم الجوهرية التي تضفي الصدق والصفاء على المجتمع. فعندما يقدم طفل صغير عيديته (أموال العيد) التي تملك قيمة معنوية ومادية كبيرة لديه لمساعدة منكوبي السيول، فإن هذا يعني تزكية المجتمع ورقيه نحو الكمال. إن المجتمع الذي تتقوى فيه روحية المساعدة والإيثار والتعاون والتكاتف هو مجتمع إلهي يكتسي بصبغة إلهية مباركة.
وبالرغم من هذه الصعاب، فقد تولد مناخ من الوحدة؛ ومع هذا التهديد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي المعتوه، تهيأت الأرضية لتعزيز التماسك والتعاطف بين الناس وبين المسؤولين والشعب. وقد أظهر أبناء الشعب بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم أنهم عندما يتعلق الأمر بعدو خارجي، يصطفون جميعاً في خندق واحد لمواجهته تلبيةً لمنطق الإمام الحسين (عليه السلام) وشعاره: “أننا لسنا أهل استسلام للعدو ولا نرتضي الذل والمهانة”. هذا هو منطق الشعب الإيراني.
إن المشاكل في هذا البلد كثيرة، وإذا ما تكاتفنا جميعاً ونبذنا الأحقاد والخلافات وسعينا بقلوب متعاطفة لحلها، فسنحتاج إلى وقت وطاقات مضاعفة. نسأل الله أن تعيننا هذه الفرصة والمناخ الإيجابي من التعاطف والمحبة والإيثار والتعاون في مواجهة الأعداء وتهديداتهم لحل مشاكلنا الداخلية.
دلالة تسمية يوم الحرس الثوري والتحذير من الفتنة
يصادف اليوم الثالث من شعبان “يوم الحرس” (يوم پاسدار)، وقد تم تسمية هذا اليوم بهذا الاسم منذ أوائل انتصار الثورة الإسلامية؛ لأن الإمام الحسين (عليه السلام) هو رمز الإيثار والتضحية والفداء ورفض الاستسلام للعدو. وإن توقيت هذه التسمية يعود إلى كون حرس الثورة الإسلامية رمزاً للتضحية والإيثار والتكاتف والوقوف بوجه الأعداء. وبالتالي، فإن تهديد الحرس الثوري هو في الواقع تهديد لفضائل الشعب الإيراني وتهديد لرموزه الدينية والإنسانية؛ لأن الحرس الثوري يمثل الكيان الذي يحمل هذه الخصال والسمات النبيلة.
وعلى أية حال، آمل من أبناء الشعب والمسؤولين، لا سيما العلماء والنخب الروحانية، تجنب كل ما من شأنه إثارة الخلاف والفرقة.
إن هناك أيدٍ خفية تعمل هذه الأيام على اتخاذ أي قضية ذريعة لإثارة الفتنة والخلاف، واستغلال كل فرصة لزعزعة ثقة الشعب بالمسؤولين والعلماء والحرس الثوري والحكومة وبث اليأس والتشاؤم. واليوم، تقف زمر المنافقين الإرهابية والملكيون (أنصار النظام البائد) والقنوات الناطقة بالفارسية في الخارج صفاً واحداً لرصد أي ثغرة أو منفذ لإشعال نار النزاع والفرقة، ومحاولة تشويه صورة علماء الدين وتنفير الناس منهم. وعلينا الحذر لئلا نقع في شباك مؤامراتهم، وأن نجتاز هذه المشاكل بتوجيهات قائد الثورة المعظم ووحدة الكلمة.
نسأل الله تبارك وتعالى، بحق أصحاب هذه الأيام الشريفة الثلاثة، أن يمنّ بلطفه ورعايته على الجميع ويشملنا بعنايته.