الدرس الثالث والعشرون، الآية 63، أقسام الآية المختلفة، القسم الأول
الدرس الثالث والعشرون
الآية 63 – أقسام الآية المختلفة – القسم الأول: «وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقکم الطور» – المطلب الأول: الميثاق – القول الأول، الثاني، الثالث – دراسة القول الأول
9 رجب 1447 هـ
أقسام الآية المختلفة
كان البحث في الآية 63 من سورة البقرة؛ حيث بيّنّا في الجلسة الماضية وجه التناسب والارتباط بین هذه الآية والآيات السابقة، وعرضنا تبياناً إجمالياً لها. وفي مقام تفسير الآية الشریفة -وجرياً على عاداتنا الدارجة- نقوم بتقسيمها إلى أقسام متباينة، لنعرض لبيان النكات والمطالب الدقيقة اللازم ذكرها تحت كل قسم.
القسم الأول: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ»
ومعنى هذا القسم: واذكروا إذ أخذنا منكم العهد الغليظ وبسطنا ورفعنا فوق رؤوسكم جبل الطور. وثمة نكات ومطالب تقتضي الدراسة والتحقيق في هذا القسم.
المطلب الأول: ما المراد بالميثاق في هذه الآية؟ إذ قوله سبحانه: واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، يطرح تساؤلاً حول كنه هذا الميثاق ومعناه؟ والمطلب الثاني يدور حول حقيقة «رفع الطور»؛ وهل كان رفع جبل الطور مقارناً لوقت أخذ الميثاق أم متأخراً عنه، أم كان في حقيقته وعيداً بمستقبل العذاب وتهديداً بالهلاك إن أنتم لم تفوا بالميثاق ولم تقبلوا بهذا العهد والالتزام به؟
المطلب الأول: الميثاق
ما معنى الميثاق هاهنا؟ سُجلت ثلاثة احتمالات أو أقوال في بيان حقيقة هذا الميثاق.
القول الأول
ومفاد القول الأول هو أن المراد بالميثاق هو ذلك العهد الفطري والعقلي الذي أودعه الله تبارك وتعالى في عقول البشر وفطرتهم؛ لكون الناس جميعاً قد جُبلوا ووُلدوا على الفطرة الإلهية: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]؛ حيث أقر سبحانه في جبلة البشر وذواتهم الحجج البالغة والدلائل الواضحة المرشدة إلى معرفة المبدأ والاعتراف بوجود الصانع، والدالة على صدق الأنبياء والرسل. وهذا هو عينه الميثاق والعهد الذي طالما أشارت إليه الآيات القرآنية في مواضع شتى. وهذا الميثاق الفطري يتصف بالثبات والدوام فلا يتخلف أبداً، ويمتنع تطرق التبديل والتغيير إليه بالمرة؛ نعم، قد يستتر العباد وراء حجب الغفلة فيغطوا هذه الحجج والدلائل الباطنية والمرشد الداخلي، ولكنهم يمنعون من تغيير ذاتها أو التخلف عنها بالوجدان.
القول الثاني
والقول الثاني الذي التزم به طائفة أخرى من المفسرين، هو أن الميثاق يشير إلى عهد خاص وميثاق معين مأخوذ من خصوص طائفة بني إسرائيل. وقد ورد في مطاوي بعض الروايات أنه لما عاد موسى (عليه السلام) من مناجاة ربه حاملاً معه ألواح التوراة، أعلن لقومه قائلاً: لقد جئتكم بألواح تنطوي على كتاب التوراة، مبينةً لحلال الله وحرامه؛ وموضحةً لما يجب عليكم فعله وما يتعين عليكم تركه، ويجب عليكم الالتزام بما فيها والعمل بموجبها. فكان جوابهم له: كيف يسوغ لنا تصديق دعواك وقبولها؟ فهذا أمر يصعب علينا الإذعان له وتصديقه. وجاء في بعض النقول التفسيرية قولهم: لن نؤمن لك ولسنا بمصدقين لما جئت به حتى نرى الله جهرة؛ بموجب قوله سبحانه: (حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَة) [البقرة: 55]. فعندئذٍ أمر الله تبارك وتعالى ملائكته فرفعوا جبل الطور فوق رؤوسهم؛ فقال لهم موسى (عليه السلام): إن أنتم قبلتم بما جئتكم به (والإشارة للألواح) وعملتم بأوامر التوراة، كُشف عنكم هذا العذاب وارتفع؛ وإلا أرسلت الملائكة هذا الجبل وأطبقته على رؤوسكم. فقبلوا وأذعنوا، وخروا لله سجداً يلوحون بأعينهم نحو الجبل حذراً وخشية. وقد نقل الشيخ الطبرسي في مجمع البيان هذه الرواية، وفيها إشارة إلى أن ما تفعله اليهود اليوم من وضع شق وجوههم على الأرض عند السجود دون الشق الآخر، إنما منشؤه تلك الهيئة والوضعية التي سجدوا عليها آنذاك تطلعاً نحو الجبل بعين واحدة حذراً منه. وأما كيفية رفع الجبل فوق رؤوسهم، فسنعرض لتفصيلها لاحقاً بمشيئة الله تعالى.
السؤال: …
الأستاذ: الشأن والبحث يدور حول توقيت إظهارهم للمخالفة والتمرد. فقد نقل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في روايته أنه لما قال موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل: «هذا كتابي فخذوه» واعملوا بأحكامه، أبوا وقابلوا دعوته بالإنكار والإعراض. «فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم الله، ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله فأبوا، فرفع فوقهم الطور»؛ فقالوا: نعم، ثم تكررت منهم المخالفة والتمرد؛ وقالوا: سمعنا وعصينا؛ ثم عادوا للمخالفة والعصيان؛ فلهم في التمرد والمخالفة تاريخ مستمر ومسلك مطرد. وهذا النقل يبين أنهم لما دُعوا لأول مرة إلى العمل بكتاب الله، اشترطوا رؤية الله جهرة أولاً؛ فعاقبهم الله بالصاعقة فماتوا ثم أحياهم تبارك وتعالى؛ وبعد الإحياء دُعوا مجدداً إلى أخذ الكتاب، فامتنعوا وأبوا؛ فلما تراءى لهم الجبل مرفوعاً فوق رؤوسهم، خروا سجداً وأذعنوا بالقبول. وهذا التخريج لا يتنافى مع ظاهر الآية بالمرة… وثمة هاهنا بحثان؛ حيث خروا سجداً حينئذٍ وقالوا سمعنا وأطعنا؛ واتفق أن الآية تعقب ذلك بقوله سبحانه: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ) [البقرة: 64]؛ وهو ما يشير إلى نكثهم للعهد وإعراضهم عنه مجدداً بعد ذلك الإذعان والقبول. فهذا البيان يقرر نفس الحقيقة بعبارة أخرى ولا تباين بينهما.
والقول الثاني هو اختيار أبي مسلم الأصفهاني؛ بينما القول الأول هو قول الأصم.
القول الثالث
والقول الثالث يقرر أن لله تبارك وتعالى ميثاقين وعهدين؛ ميثاق أول مأخوذ حين أخرج بني آدم من ظهر أبيهم آدم وأشهدهم على أنفسهم؛ وهو المعنى المقارب لما ذكرناه في الاحتمال الأول تماماً؛ حيث ينصرف هذا القول إلى ذات الحقيقة والوجه، غير أنه صِيغ بلسان آخر وتخريج مغاير. فقد يراد بالأول الميثاق الفطري المودع عقلاً، ويراد بهذا الميثاق المأخوذ في عالم الذر؛ فهما يشيران في واقع الأمر إلى حقيقة وجوهر واحد. وأما الميثاق بالمعنى الثاني، فهو عبارة عن إلزام العباد بمتابعة الأنبياء والرسول والانقياد لهم؛ وهذا الإلزام لا يختص بخصوص ميثاق بني إسرائيل والتزامهم بخصوص ألواح التوراة، بل هو ميثاق عام مأخوذ من البشر قاطبة لاتباع الأنبياء والائتمار بأوامرهم. ومن هنا يظهر تباينه مع المعنى الأول بالتمام.
وهذه الأقوال والاحتمالات الثلاثة قد سُجلت في كلمات المفسرين ولها قائل يذهب إليها، وقد يستند كل منها إلى طائفة من الروايات والنصوص. وأما تفصيل كيفية رفع جبل الطور فوق رؤوسهم المذكور ضمن الاحتمال الثاني، فسنعرض لتفصيله لاحقاً بمشيئة الله؛ والمهم هاهنا هو دراسة هذه الاحتمالات والوقوف على ما يمكننا قبوله منها بالدليل والصناعة.
بررسی قول اول
أما حمل الميثاق هاهنا على الميثاق الأولي المأخوذ من العباد حين أُخرجوا من صلب آدم وأُشهدوا على أنفسهم؛ فبعيد جداً بالصناعة؛ لكون الآية الكريمة توجه تذكيراً وخطاباً خاصاً بطائفة بني إسرائيل بالخصوص بقوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)؛ لاسيما بقرينة قوله: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) المانعة من حمله على الميثاق العام بالكلية. وسنبين لاحقاً أن الواو هاهنا تحتمل وجهين: إما أن تكون واواً عاطفة، وإما أن تكون واواً حالية. وبناءً على الوجه الأصح والأقوى وهو كونها واواً حالية، يتضح جلياً أن أخذ الميثاق قد وقع مقارناً وفي نفس الوقت الذي كان فيه جبل الطور مرفوعاً ومظللاً فوق رؤوسهم. وعليه، تنهض قرائن اللفظ ودلالة السياق لتبعد القول بحمله على ذلك الميثاق العام المأخوذ من البشر قاطبة حين أُخرجوا من صلب آدم وأُشهدوا على أنفسهم. فالقول الأول ضعيف جداً ولا يمكن المصير إليه بالوجدان.
بحث الجلسة المقبلة
يتبقى أمامنا قولان آخران؛ أحدهما القول بالميثاق الخاص ببني إسرائيل، والآخر القول بالميثاق العام المأخوذ لاتباع الأنبياء قاطبة؛ وثمة احتمال رابع قد يلوح في المقام وراء هذه الاحتمالات الثلاثة التي نقلها الفخر الرازی فی تفسیره الکبیر. وسنتواجه لمتابعة البحث والتحقيق في هذا المطلب بمشيئة الله تبارك وتعالى في الجلسة المقبلة.