الدرس التاسع، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الثالث
الدرس التاسع
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الثالث: «اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم» – المقطع الرابع – 1. «وضربت عليهم الذلة والمسكنة» – الاحتمال الأول ودراسته – الاحتمال الثاني ودراسته – الاحتمال الثالث ودراسته – مؤيد الاحتمال الثالث
27 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
بيّنّا سابقاً أن شطراً آخر من الآية 61 يكمن في قوله سبحانه: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)؛ حيث صدر الأمر بالهبوط في مصر، واستعرضنا المحتملات الدائرة حول هاتين الكلمتين مع بيان القول المختار فيهما. والآن نود التعرض لذيل هذا المقطع قبل الانتقال للحديث عن المقطع اللاحق.
«فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ»
قوله سبحانه: (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)؛ فبعد أن صدر الأمر بالهبوط في مصر، يبيّن سبحانه علته بقوله: (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)؛ أي إن الأشياء التي طلبتموها ورغبتم فيها متوفرة وموجودة هناك. لقد طلبتم البصل والثوم والعدس والخيار، فاذهبوا إذن إلى مصر؛ وقد أوضحنا أن المقصود بمصر هنا هو ذات البلد والتراب المعهود، وأن الأمر بالهبوط يحمل معنى التنزل والسقوط من المنزلة والرفعة. وعليه، يؤول مضمون التركيب في قوله: (اهْبِطُوا مِصْرًا) و(فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) إلى إشارة واضحة مفادها: أنكم أصحاب رغبات دانية وطلبات خسيسة وتافهة وقليلة الأهمية، وأن رغباتكم هذه لا تُقضى ولا تُنال إلا في ذات الموضع وهو مصر؛ فكأن الخطاب يقول لهم إن عاقبتكم هي الارتداد إلى ماضيهم البائس. فهؤلاء القوم الذين كتب الله لهم النجاة من الصغار والذل والهوان وأورثهم السيادة والعزة والكرامة، وتجرعوا في سبيل ذلك مرارة التيه وأهلك الله عدوهم الأكبر فرعون وجنده… كأنهم تناسوا تلك المذلة والمهانة السابقة، وباتوا مستعدين للتضحية بعزتهم وسيادتهم تلبيةً لرغبات جزئية تافهة. وذكرنا سابقاً أن الإشكال لا يكمن فحسب في مجرد رغبتهم في تناول بضعة أصناف من الطعام الحلال والطيب ليكون ذلك موجباً لغضب الرب ومؤاخذته الشديدة وأمره لهم بالهبوط في مصر؛ بل تكمن العلة العميقة في تعنتهم وطلبهم للذرائع وغلبتهم بالشهوة واستعدادهم لنيل مآربهم بأي ثمن كان؛ ولهذا خاطبهم موسى (عليه السلام) مبيناً أن هذه الخسائس متوفرة في مصر فليذهبوا إليها. وبتعبير معاصر: إن هذا هو حد قدركم ولست أهلاً لما هو أرقى منه. وهذا يماثل ما لو قام مضيف باستضافة جماعة في ظروف استثنائية غاية في الجود والكرم، وأغدق عليهم بشتى النعم المادية والمعنوية ولم يدخر وسعاً في تكريمهم وإظهار الحفاوة بهم، بيد أن الضيوف بادروا بطلب أحمق ينم عن قلة فهمهم وجحودهم وحسدهم ورذالة أنفسهم؛ فيصاب المضيف بالدهشة والحيرة من سوء صنيعهم ويستولي عليه اليأس والقنوط من صلاح حالهم. بهذا اللسان والأسلوب خاطب موسى (عليه السلام) بني إسرائيل.
لقد استعرضنا بالبحث والتفسير حتى هذا الموضع ثلاثة مقاطع من الآية؛ الأول قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) بما يشتمل عليه من وجهين إيجابي وسلبي؛ والمقطع الثاني: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)؛ والمقطع الثالث: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ).
المقطع الرابع: «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ»
المقطع الرابع من الآية هو قوله سبحانه: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؛ وهذا المقطع يشير في حقيقته إلى مآل وعاقبة هذا القوم؛ حيث يتكفل الشطر الأول منه ببيان عاقبتهم ومآلهم الدنيوي، بينما يتكفل الشطر الثاني ببيان عاقبتهم ومآلهم الأخروي، أو بتعبير آخر: يتطرق الشطر الأول لعاقبتهم المادية والثاني لعاقبتهم المعنوية.
1. «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ»
الشطر الأول من المقطع الرابع هو قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)، ودلالته واضحة وجلية؛ ومفاده أن الذلة والمسكنة قد كُتبت وقُدرت حتماً على هذا القوم. ولفظ (ضُرِبَتْ) يفيد هنا معنى الحتمية والقطع واللزوم على غرار لفظ “كُتب”؛ فالشيء إذا أريد نقش صورته وحفر علامته وثبوت رسمه على خاتم أو طابع يقال فيه “ضرب”؛ وكذلك يقال ضرب السكة والدراهم والدنانير دلالة على ثبوت الرسم والنقش عليها دواماً وبقاءً. فالضرب يستعمل للإشارة إلى الأمر الحتمي الثابت والدوام الذي لا يزول والسرمدية؛ ويراد هنا الإشارة إلى أن هذا الهوان والصغار يمثل المصير الحتمي والنهاية المحتومة التي لا يمكنهم الخلاص منها.
وسبق أن تعرضنا للفارق الفاصل بين الذلة والمسكنة؛ وحاصله إجمالاً أن الله تبارك وتعالى يريد بيان أن هؤلاء القوم محكومون بالصغار والضعة والركود… والمسكنة تفيد معنى الهوان والفقر وتيسير السقوط في المذلة؛ أي إن الذلة والصغار والمسكنة شأن لازم ومقدر حتماً على هذا القوم وضرب عليهم ضرباً لا يزول.
والتساؤل المطروح هاهنا: كيف يتجه الخطاب الإلهي بالذات إلى يهود ذلك العصر مستحضراً قوله تعالى أولاً: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)؛ حيث يذكرهم بالقول والصنيع الصادر منهم قديماً وبما وجهه إليهم موسى من خطاب، ولكنه سبحانه يعدل فجأة عن أسلوب الخطاب ليصير إلى الالتفات إلى الغيبة؛ فبدلاً من أن يقول بصيغة الخطاب: “وضربت عليكم الذلة والمسكنة” يقول بصيغة الغيبة: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)؟ فما هو علة هذا الالتفات والعدول البلاغي؟ هاهنا تبرز عدة احتمالات تتفرع بالأساس عن مبنى كون ضرب الذلة والمسكنة عقوبة مقدرة على خصوص هذا الطلب والتعنت، أم هي عقوبة ذات طابع أعم وأوسع؟ وتتلخص هذه الاحتمالات في ثلاثة وجوه متصورة:
الاحتمال الأول ودراسته
الاحتمال الأول: أن يكونوا قد حُكموا بالذلة والمسكنة لعقوبة هذا الطلب عينه المتمثل في مسألتهم القثاء والبصل والثوم؛ أي إن جملة (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ) جاءت ناظرة وجزاءً لخصوص هذه المطالب التي جرت عليهم الهوان والصغار.
دراسة الاحتمال الأول: ويبدو هذا الاحتمال مستبعداً؛ فلو أردنا قصر هذا الهوان والصغار والمحكومية على خصوص هذا الطلب الصادر منهم، لوجدنا بوناً شاسعاً بين الفعل والعقوبة؛ فرغم الخلاف الواقع في معصية هذا الطلب وكوننا نرجح كونه معصية، إلا أن الحكم عليهم بالذلة والمسكنة المؤبدة بهذه الغلظة والشدة بمجرد صدور هذا الطلب الواحد والمعصية الجزئية يبدو أمراً لا يستقيم مع موازين المحاكمة. وعليه، يتعين حمل مدلول قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) على معنى أوسع يتجاوز خصوص طائفة المطالبين بالعدس والبصل والثوم.
الاحتمال الثاني ودراسته
الاحتمال الثاني: أن الله تبارك وتعالى يروم هنا بيان مآل عاقبتهم ومحصول كفرهم وعصيانهم المتكرر؛ لكون السياق المتقدم قد استغرق زهاء عشر آيات أو خمس عشرة آية في تعداد النعم الإلهية الجليلة المترادفة على بني إسرائيل، ومقابلة هؤلاء لها بالكفران والجحود والتمرد والالتواء. وهنا ينتهي ذلك السياق التعدادي للنعم لينعطف الكلام نحو موضوع جديد؛ ولذا ناسب في ختام سرد النعم ومقابلة الجحود بها أن يقرر سبحانه عاقبتهم بقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)؛ أي إن هذا القوم الذين أغدقنا عليهم سابغ النعم وألطفنا بهم غاية اللطف، لم يسلكوا سوى مسلك التعلل واللجاج والعناد والإنكار، فكانت عاقبتهم الحتمية هي ضرب الذلة والمسكنة عليهم. فهذا الاحتمال يلحظ سياق نهاية تعداد النعم الإلهية الكثيرة؛ ووفقاً له، لا يقتصر الأمر على مجرد طلب بضعة أطعمة أرضية أو إظهار السأم من طعام واحد؛ بيد أن هذا الاحتمال يظل أدنى رتبة وقبولاً قياساً بالاحتمال الثالث.
الاحتمال الثالث ودراسته
الاحتمال الثالث: أن يكون المخاطب بهذا البيان والمحكوم عليه بالذلة والمسكنة هم عموم طائفة اليهود إلى يوم القيامة، وليس خصوص الطائفة التي كانت حاضرة في زمن موسى (عليه السلام). فالله تبارك وتعالى يخبر هنا عن المصير الحتمي والمآل التاريخي الذي ينتظر هذه الأمة وقدرها اللازم؛ ولأجل هذا المعنى استعمل لفظ الضرب الغائب (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ)؛ إذ امتنع القول بصيغة الخطاب “وضربت عليكم” لكون المعني بالحكم ليسوا خصوص الحاضرين بل هو جنس اليهود وعقباهم دواماً. وعليه، فإن هذا العذاب والذل والمسكنة والغضب الإلهي المذكور في السياق لم يكن عقوبة لخصوص طائفة السائلين للأطعمة، بل هو قدر لازم ومكتوب على عموم اليهود بالتبع.
ويتحصل إجمالاً أنه بناءً على أحد الاحتمالات يكون المعني بالخطاب هم ذات طائفة اليهود المعاصرة لموسى، وجاء القرار الإلهي بالضرب في ختام سلسلة معاصيهم؛ بينما يقرر الاحتمال الثاني أن الحكم يتعدى طائفة الحاضرين ليشمل جنس اليهود ومآلهم التاريخي العام.
مؤيد الاحتمال الثالث
وهنا يثور تساؤل آخر يتفرع بالدقة عن الاحتمال الأول؛ فلو قلنا إن الله تعالى قد قدر عليهم الذلة والصغار عقوبة على جحودهم ونكرانهم، فالملاحظ تاريخياً أن هؤلاء الحاضرين لم تضرب عليهم الذلة والمسكنة في زمن موسى (عليه السلام)؛ بل كانوا ينعمون بالعزة والاحترام والسيادة ما دام موسى حياً بين ظهرانيهم. وإنما عَرَضَت هذه الذلة والمسكنة على هذا القوم بعد انقضاء عدة أجيال وتعاقب أزمان؛ فكيف يصح إذن إطلاق قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) في حق أولئك الحاضرين؟ إن هذا الإشكال التاريخي ينهض مؤيداً جلياً للاحتمال الثالث؛ فنقول إن الخطاب يقرر المصير العام والمآل الحتمي الذي ينتظر جنس اليهود كقاعدة مطردة في التاريخ والقدر الإلهي.