The news is by your side.

الدرس العاشر، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الرابع

الدرس العاشر
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الرابع – 1. «وضربت عليهم الذلة والمسكنة» – محصل الشطر الأول – ترجيح الاحتمال الثالث ومؤيده – 2. «وباءوا بغضب من الله» – الاحتمال الأول والثاني ودراستهما – المقطع الخامس: «ذلك بأنهم كانوا يكفرون…»

28 ربيع الآخر 1447 هـ

محصل الشطر الأول من المقطع الرابع

عرضنا في الجلسة السابقة ثلاثة احتمالات تفسيرية تحيط بالشطر الأول من المقطع الرابع للآية 61، وهو قوله سبحانه وتعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ). وتتلخص هذه الاحتمالات الثلاثة فيما يلي: الأول: أن الذلة والصغار والمسكنة والهوان شأن خاص بيهود ذلك العصر المعهود، وتعد عقوبة وجزاءً على استبدالهم الطعام. والثاني: أن ضرب الذلة والمسكنة مقرر بوصفه عقوبة ليهود ذلك الزمن، ولكن ليس لخصوص استبدال الطعام ومسألة التغيير، بل بلحاظ مجموع كفرانهم وجحودهم المتكرر في مواطن شتى؛ حيث تواترت الآيات السابقة في تعداد ما أفاض الله عليهم من نعم ومقابلة هؤلاء لها بالجحود المستمر حتى آل أمرهم إلى هذه العقوبة. والثالث: أن قضية ضرب الذلة والمسكنة تتجه نحو جنس طائفة اليهود وعمومهم في ذلك الزمن وفي سائر الأزمان اللاحقة لتشملهم قاطبة؛ وذلك لعدة قرائن سنعرض لها تباعاً؛ حيث تتولى الآية نفسها بيان علة ذلهم وهوانهم.

ترجيح الاحتمال الثالث

وقد رجحنا من بين هذه الاحتمالات الثلاثة الاحتمال الثالث بوجه عام؛ وبيّنا أن أولئك اليهود المعاصرين لموسى لم تضرب عليهم الذلة والمسكنة بعد رحيله (عليه السلام) مباشرة، بل ولم يصب الجيل الذي تلاهم مباشرة أي هوان وصغار؛ لكون المذلة والمهانة المشار إليها في الآية إنما عرضت على هذا القوم بعد انقضاء عدة أجيال من عصر موسى (عليه السلام). وبناءً عليه، يمتنع قصر ضرب الذلة والمسكنة على خصوص يهود ذلك العصر المعينين. ومن هنا قررنا أن الحكم يمتد ليشمل طائفة اليهود وجنسهم في سائر العصور والأدوار التاريخية.

مؤيد الاحتمال الثالث

ومما يقوي هذا الاحتمال الثالث ويعضده، أن السياق القرآني في هذه الآيات الكريمة يسوق هذه القصص في مقام تسلية المسلمين وتثبيت قلوبهم وتقوية معنوياتهم؛ حيث كان يهود عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يظهرون ألواناً من الأذى والمكر والكيد بالمسلمين. وحينما يستعرض الحق تبارك وتعالى في آياته المختلفة مصير اليهود الغابر وما اقترفوه من عناد وأذى لأنبيائهم، فإن غايته العظمى من هذا السرد هي تسلية قلوب المسلمين المعاصرين للتنزيل، وإزالة ما قد يختلج في صدورهم من خوف وقلق؛ ليبين لهم أن مصير هذا القوم محتوم بالذل والصغار والمسكنة حتماً لازماً لا ينفك عنهم أبداً. ونحن نجد نظائر واضحة لهذا المسلك البلاغي في آيات أخرى أشرنا إليها في مواضعها السابقة. وبناءً على مجموع هذه القرائن، يتعين القول بأن الاحتمال الثالث هو الأرجح والأولى بالقبول من بين تلك الاحتمالات الثلاثة، وبه نأخذ ونلتزم.

2. «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ»

أشرنا إلى أن الشطر الأول من المقطع الرابع للآية يمثل إشارة صريحة إلى العقاب والجزاء الدنيوي؛ لكون الهوان والصغار والذلة والمسكنة عقاباً يحل بجنس اليهود في هذه الحياة الدنيا ويدوم عليهم. وأما الشطر الثاني المتمثل في قوله تعالى: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)، ففيه احتمالان تفسيريان:

الاحتمال الأول

الاحتمال الأول: أن يكون قوله سبحانه إشارة إلى العذاب الأخروي؛ فلفظ (بَاءُوا) يفيد معنى “رجعوا بغضب من الله”، أي صاروا مغضوباً عليهم ورجعوا مستحقين لهذا الغضب. وكأنهم كانوا في السابق مغضوباً عليهم، ثم بعد صبرهم واستقامتهم وسيرهم مع موسى (عليه السلام) نالوا الرضا، ليعودوا مجدداً بسبب كفرانهم ونقضهم للعهود مستحقين لغضب الرب تبارك وتعالى. وحيث إن ظهور هذا الغضب وعينتيه وحقيقته تبرز وتتحقق يوم القيامة، صح حمل هذه الفقرة على بيان العذاب والجزاء الأخروي المنتظر لهم.

الاحتمال الثاني

الاحتمال الثاني: أن يحمل اللفظ على معنى أعم يستوعب العذابين الدنيوي والأخروي معاً. فكأن الآية الكريمة تقرر أن هذا القوم بسوء فعالهم قد كُتبت عليهم المسكنة والذلة والصغار، وحلّ بهم غضب الله تبارك وتعالى؛ وهذا الغضب يبدأ ملازماً لهم منذ لحظة سلوكهم طريق الغي والانحراف، ويمتد معهم بعد موتهم في برزخهم إلی يوم القيامة. فكأن هذا الشطر يقرر حقيقة وقوعهم تحت طائلة الغضب الإلهي وما يترتب عليه من آثار وعقوبات تمتد وتتصل بالآخرة بلا ريب.

الموازنة والدراسة

ومن أجل اجتناب تكرار المعاني، ولكي تؤسس كل فقرة من فقرات الآية لحقيقة مستقلة وفائدة جديدة؛ يكون الأرجح هو حمل قوله تعالى: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) على بيان العقاب الأخروي؛ ليتأسس بذلك أنهم قد ابتلوا بأمرين عظيمين: الأول عذاب دنيوي، والثاني عذاب أخروي؛ فهم في الدنيا أذلاء صغار محكومون بالمسكنة، وهم في الآخرة مستحقون للغضب الإلهي ومصيرهم جهنم وبئس المصير. ونحن نسأل الله تبارك وتعالى آناء الليل وأطراف النهار في سورة الحمد قائلين: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، أي نسأله سلوك صراط المنعم عليهم وتجنب طريق المغضوب عليهم. وكما أسلفنا، فإن الغضب الإلهي وإن كان يحل بالعبد في هذه الحياة الدنيا، إلا أن حقيقته العظمى تظهر وتنعكس في مآله الأخروي.

وأما لو ذهبنا إلى القول بأن قوله سبحانه: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) يفيد معنى أعم يستوعب عذابي الدنيا والآخرة معاً، فإن عطف هذا الشطر الثاني على الشطر الأول يكون عندئذ من قبيل عطف العام على الخاص؛ لكون جملة (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) تشير إلى أثر خاص وبليغ حلّ بهذا القوم وهو الصغار والهوان؛ وخص هذا الأثر بالذكر نظراً لكونهم عاشوا المذلة والصغار في ماضيهم وأراد سبحانه بيان ارتدادهم إليه مجدداً بسبب تقديمهم شهواتهم ورغباتهم الخسيسة على عزة الإيمان. بينما يمثل قوله سبحانه: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) عنواناً أعم وأشمل؛ فإذا حمل على العذاب الأخروي اتضح معناه، وإذا حمل على العذاب الدنيوي فإن المغضوب عليه في الدنيا يبتلى حتماً بألوان من المضايق والشدائد ومن أعظمها الصغار والمذلة؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)، فالإعراض عن ذكر الله يورث عواقب وخيمة تجلب غضب الرب وتستتبع هذه الآثار.

بناءً على الاحتمال الأول، يكون عطف جملة (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) على الجملة السابقة عليها من قبيل عطف المباين على المباين؛ بينما يكون على الاحتمال الثاني من قبيل عطف العام على الخاص. وهذا التوجيه الأخير مقبول بلا ريب ولا محذور يمنع من الالتزام به صناعةً.

الإشكال

هنا قد يعترض معترض فيقول: لو فسرنا قوله تعالى: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) بمعنى رجعوا بغضب من الله أو حقت عليهم العقوبة، فكيف يتلاءم هذا التوجيه مع الاحتمال الثالث الذي نصرناه في الشطر الأول؟ فقد قررنا في الشطر الأول أن قوله سبحانه: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) يمثل حكماً عاماً وقضاءً لازماً يتجه نحو جنس طائفة اليهود وعمومهم في سائر العصور، وليس خصوص اليهود المعاصرين للتنزيل ولزمن موسى (عليه السلام)، عقوبةً لهم على استبدالهم وكفرهم بنعماء الله. فكيف ينسجم هذا المبنى العام مع قوله هنا: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؛ إذ ظاهر هذا الشطر الثاني أنه يختص ويوجه نحو أولئك اليهود المعاصرين للتنزيل بخصوصهم ليرجعوا هم بغضب من الله، ولا يصح إطلاق هذا الخبر التاريخي ليعم جنس اليهود قاطبة؟ وقد استند أصحاب هذا الاعتراض إلى ظاهر لفظ (بَاءُوا) لكونه يفيد معنى الرجوع الفعلي، والرجوع إنما يستقيم في حق من تلبس بالحال السابقة بخصوصه دون غيرهم من أفراد الجنس في سائر العصور.

الإجابة

يندفع هذا الاعتراض بالقول: إن استعمال الفعل الماضي في قوله سبحانه: (ضُرِبَتْ) و(بَاءُوا) لا يراد به الإخبار عن الزمن الماضي المحض، بل هو مستعمل لإفادة معنى الحتمية والقطع والوقوع الحتمي؛ ومثاله قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)؛ حيث صيغ اللفظ بصيغة الفعل الماضي مع كونه ناظراً إلى المستقبل قطعاً، ليفيد حتمية وقوع القيامة وكونه قضاءً مبرماً لا يتخلف. وبذات الدقة يسير الشأن هاهنا؛ فالصياغة الماضوية لا تقتصر على الإخبار عن ماضٍ غابر انقضى، بل هي إخبار حتمي بوقوع العقاب الإلهي وحلول الغضب الرباني وجر المذلة والصغار عليهم في هذه الدنيا. وبناءً على هذا التوجيه، يزول التنافي المصور بالكامل، ويتلاءم هذا الشطر مع الاحتمال الثالث الذي اخترناه وقبلناه في الشطر الأول تماماً.

المقطع الخامس: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ»

المقطع الخامس من الآية الكريمة هو قوله سبحانه وتعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)؛ وتتكفل هذه الفقرة المباركة ببيان وتعليل وقوع العقابين الدنيوي والأخروي على اليهود؛ وبعبارة أخرى: تبيّن العلة الحقيقية التي من أجلها ضربت عليهم الذلة والمسكنة وحلّ بهم غضب الله تبارك وتعالى واستحقوا جهنم وصاروا مغضوباً عليهم في درك العقوبة. فما هي هذه العلة؟ يذكر القرآن الكريم هنا علتين رئيسيتين: الأولى قوله سبحانه: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)؛ والثانية قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ). فموجب مسكنة اليهود وذلهم وحلول الغضب الإلهي عليهم يكمن في كفرهم المستمر بآيات الله وتجرئهم على قتل أنبياء الله بغير حق. وهذان السببان يستدعيان مزيداً من البحث والتفصيل والبيان التفسيري؛ بالإضافة إلى سؤال يطرح نفسه هاهنا: لِمَ تكرر لفظ الإشارة (ذَلِكَ) في هذا المقطع والمقطع اللاحق له؛ حيث قال سبحانه أولاً: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ) ثم أردف مباشرة بقوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)؟ فهل يمثل هذا التكرار مجرد توكيد لفظي أم أنه ينطوي على فائدة دقيقة ومطلب علمي يريد إفادته؟ هذا ما سنفصله بمشيئة الله تعالى.