The news is by your side.

الدرس الثامن، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الثالث

الدرس الثامن
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الثالث: «اهبطوا مصراً» – الرأي المختار – المؤيد

21 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

استعرضنا في الجلسة السابقة عدة احتمالات تفسيرية تحيط بكلمتي (اهْبِطُوا) و(مِصْرًا) الواردتين في المقطع الثالث من الآية 61؛ حيث ذكرنا ثلاثة احتمالات في كلمة (اهْبِطُوا)، وثلاثة أخرى في دلالة كلمة (مِصْرًا). وقد وصلنا الآن إلى مقام الموازنة والترجيح لتحديد أي من هذه الاحتمالات هو الأرجح والأقرب للقبول في كلا الكلمتين؛ لا سيما بالنظر إلى بعض الاعتراضات والإشكالات المسجلة على بعض الوجوه المطروحة في لفظة “مصر”.

الرأي المختار في «اهبطوا»

يترجح لدينا عند إخضاع تركيب هاتين الكلمتين والمباني المصورة فيهما للموازنة والنظر العلمي؛ أن الأمر بالهبوط هنا هو أمر توبيخي بالدرجة الأولى وليس أمراً تعجيزياً. وثانياً: يترجح من بين الاحتمالين المصورين للأمر التوبيخي أن المقصود بالأمر بالنزول والسقوط والهبوط هو الرجوع والعودة إلى مصر المعهودة؛ أي ذات المدينة والقطر الذي كان يحكمه فرعون وجنده. وسبق أن بينا أن القول بكون الأمر توبيخياً أو تعجيزياً، وتوجيهه نحو مصر المعينة أو مطلق الأمصار، يتداخل ويتشابك بالدقة مع الاحتمالين المصورين في لفظة “مصر”.

وبناءً على هذا الترجيح، يؤول معنى هذا الأمر إلى أن موسى (عليه السلام) يخاطب قومه عقيب تعنتهم وطلبهم قائلاً: ما دمتم تأبون إلا التخلي عن العزة والاستقلال والسيادة والرفعة التي حباكم الله إياها، وتريدون تنكيس رؤوسكم بالنزول عما ارتقيتم إليه من منزلة سامية؛ فارجعوا إذن إلى تلك الظروف السابقة والبيئة التي كنتم تتقلبون فيها في سالف عهدكم. فهذا الأمر يحمل توبيخاً صريحاً لأنه يأمرهم بالسقوط والنزول والردة إلى ماضيهم المظلم؛ حيث كانوا يسومونهم سوء العذاب تحت وطأة فرعون وملئه وأعوانه. والمعلوم أن أعظم ما كان يسلكه فرعون في تعامله مع بني إسرائيل وقوم موسى هو ادعاء الألوهية والربوبية والأنفة والاستكبار عليهم مستعبداً إياهم ومصيراً إياهم رقيقاً له. وهذا يمثل غاية الصغار والذل والمهانة؛ إذ يؤول شأن هؤلاء البشر إلى كونهم مسلوبي الإرادة والاختيار تماماً أمام سلطانه وطغيانه؛ ونحن نعلم بالوجدان أن أشد أنواع التنكيل والاضطهاد إيلاماً للنفس الإنسانية هو إشعار المرء بالصغار والمهانة والذلة المطلقة أمام الآخرين.

وتتعدد وتتنوع وسائل الاضطهاد والتحقير في واقع الناس؛ فقد يعمد المرء إلى ضرب غيره ضرباً مبرحاً، أو يسبه ويقذعه بلسانه، أو يسجنه ويقيد حركته؛ فكل هذه مصاديق للأذى والنكال؛ بيد أن أشدها وطأة على النفس وأبقاها أثراً هو أن يشعر الإنسان بالحقارة والذل في مواجهة المستكبرين. والتحقير في طبع البشر أمر ترفضه الفطرة الإنسانية السليمة بالكلية؛ فالصبي الذي لم يبلغ بعد حد الرشد ولم يميز يمينه من شماله، لو تعرض لشيء من التحقير لأظهر رداً وعصياناً لا شعورياً؛ نظراً لأن الحرية والانعتاق ركيزة فطرية مغروسة في جبلة الإنسان وطبعه. فالأصل في خلق الإنسان هو الحرية، وحق التمتع بالانعتاق هو بلا شك من الأمور الفطرية الراسخة؛ فـ “خُلق الإنسان حراً” تعبير يحكي عن الفطرة الإلهية. وكما يثبت للإنسان حق الملكية الفطرية بناءً على الرأي الصائب والبرهان السديد، يثبت له حق الحرية والانعتاق على حد سواء، وهما أمران متلازمان لا يقبلان الانفكاك. وبناءً على هذا، متى ما كانت الحرية أصلاً فطرياً للإنسان، فإن أي سلوك يقوض هذا الحق أو يصادمه يكون مرفوضاً وغير مقبول من الناحية الفطرية. نعم، إن مسألة العبودية والتذلل لله الخالق، والخشوع في حضرته سبحانه، والتسليم المطلق لأوليائه المعصومين (عليهم السلام) تنطوي على فلسفة وحكمة عميقة تخرج عن نطاق بحثنا هذا ولن نستطرد في تفصيلها هاهنا.

السؤال: …

الأستاذ: يقع في طبع الإنسان ميل فطري نحو العبادة والتأليه؛ بالإضافة إلى قابليته الذاتية لقبول ولاية بعض العباد والائتمار بأمرهم.

وعلى أية حال، فإن أقبح ما اقترفه فرعون وسائر الطواغيت في حق البشرية، وهو عينه ما وقف الأنبياء (عليهم السلام) بوجهه وناضلوا لإزالته، هو إذلال الناس وتحقيرهم واستعبادهم والتعاظم عليهم؛ فكل الطواغيت يشتركون في هذه الروحية الطاغية. وقد تظهر هذه الخصلة الفرعونية والاستكبارية حتى في دوائر العلاقات الفردية البسيطة؛ فقد تجمع رفيقان زمالة أو رفقة، فتظهر خصلة الاستعلاء والتعاظم لدى أحدهما ليروم تحقير صاحبه والاستعلاء عليه. وهذا المسلك يعد سماً فتاكاً يهلك النفس ويقوض أركان الشخصية الإنسانية.

وقد استطاع بنو إسرائيل بفضل قيادة موسى (عليه السلام) وصبره وتوجيهه وإرشادهم ومقاومتهم أن ينعتقوا من ذلك الجو الخانق وينسلخوا عن تلك البيئة المذلة؛ بيد أنهم عقيب خروجهم ونيلهم الحرية تتابعت عليهم ألطاف الحق تبارك وتعالى وتوالت عليهم النعم الإلهية الوافرة التي تستعرضها هذه الآيات المباركة تلو الأخرى، حيث أحصت الآيات حتى هذا الموضع زهاء ثماني أو تسع نعم جسام. ولكن بنو إسرائيل عوض أن يقابلوا هذه النعم بالشكر والثناء، سلكوا مسلك الكفران والعصيان والتمرد؛ فلم يرعوا للنعم حقها ولم يشكروا واهبها سبحانه. وحينما رأى موسى (عليه السلام) إعراضهم عن مائدة المن والسلوى التي كانت مائدة إلهية سماوية تأتيهم رغداً بلا مشقة، ووجدهم يدفعونها ويسألون بدلها بدافع الهوى واللجاج والمكابرة والتعنت؛ توجه إليهم بهذا التقريع والتوبيخ الصريح قائلاً: ما دمتم تأبون إلا هذا الخسيس، فارجعوا إلى تلك البيئة والظروف السابقة التي كنتم تتقلبون فيها. وهذا الأسلوب مألوف ومستعمل عرفاً؛ فالأستاذ في فصله الدراسي قد يعمد إلى تقريع تلامذته وتأديبهم عند صدور مثل هذه التصرفات منهم قائلاً: لقد بذلت قصارى جهدي في تعليمكم وإرشادكم منذ مستهل العام حتى يومنا هذا، ولكنكم تبغون طلباً لا ينسجم مع رتبتكم ولا يليق بمستوى رشدكم ومنزلتكم؛ فما دمتم كذلك فافعلوا ما بدا لكم، ولن أبذل لكم جهداً بعد اليوم فلست لست مؤهلين لهذه الرعاية. فهذا الخطاب هو خطاب توبيخي بالتمام.

أضف إلى ذلك، فإن كلمة “مصراً” تشير في حقيقتها إلى مصر المعهودة بعينها؛ والعقبة الوحيدة المصورة أمام هذا القول هي تنوين الكلمة وصرفها؛ إذ ذكرنا أن لفظ “مصر” ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع بغير تنوين لكونه ممنوعاً من الصرف، بينما نُوِّن وصرف في هذا الموضع تحديداً. وهذا التنوين استُدل به على إرادة معنى آخر، كمدينة من المدن مطلقاً على نحو النكرة، أو مدينة أخرى غير مصر المعهودة. وبكلمة موجزة: قيل إن تنوين الكلمة لا يجتمع مع علميتها وتعريفها الدال على القطر المصري المعهود؛ وهذا هو الإشكال الأبرز المسجل على هذا القول. غير أننا أشرنا في الجلسة السابقة إلى أن الممنوع من الصرف قد ينون ويصرف لضرورات لفظية وسياقية معروفة في لغة العرب وسياق القرآن؛ ومن شواهده قوله تعالى في الآية 15 من سورة الإنسان: (كَانَتْ قَوَارِيرَا)؛ حيث نُوِّن لفظ “قواريرا” بالرغم من كونه ممنوعاً من الصرف على صيغة منتهى الجموع؛ مراعاة لسياق الفواصل والآي. وعليه، فإن تنوين الكلمة وصرفها لا يتنافى بالضرورة مع بقائها على علميتها وتعريفها؛ فليست هناك ملازمة مطلقة بين نكارة الاسم وتنوينه، بل يجتمع التنوين مع العلمية والمعرفة لجهات بلاغية ولفظية.

وحيث تبددت هذه العقبة النحوية، ولم يعد لها مانع حقيقي؛ فإننا بالنظر إلى مجموع هذه الآيات الكريمة، ولا سيما عند استحضار تعنت بني إسرائيل وسلوكهم المقبوح، نرجح بقوة أن موسى (عليه السلام) أراد تفهيمهم بقوله هذا: إنكم لا تستحقون سوى تلك البيئة الفرعونية وذلك البساط المذل، فارجعوا إذن إلى ما كنتم عليه. فموسى (عليه السلام) لا يريد أن يقول لهم: إن كنتم تبغون البصل والعدس والثوم فادخلوا مدينة من هذه المدن المجاورة واشتغلوا بحرثها وزرعها لتنالوا مطلوبكم؛ فهذا القول وإن كان يحمل معنى التوبيخ، إلا أن بوناً شاسعاً يفصل بين رتبة هذا التوبيخ ورتبة التوبيخ الأول القائم على إرجاعهم إلى ماضيهم المذل وربط مآلهم به. وعليه، يتعين القول بأن الأمر بالهبوط هو توبيخ ناشئ عن طلبهم الباطل ومعصيتهم الصريحة (وقد أوضحنا وجه معصيتهم سابقاً)؛ فعندما بلغت بهتانهم هذا الحد، قال لهم موسى (عليه السلام): (اهْبِطُوا مِصْرًا)، أي ارجعوا إلى مصر المعهودة.

مؤيد القول المختار

ويؤيد هذا القول المختار تأييداً واضحاً الجملة اللاحقة له مباشرة في السياق؛ حيث يقول سبحانه: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)؛ أي كُتبت وقُدرت عليهم الذلة والمسكنة جزاء وفاقاً؛ وليس المراد بالطبع أنهم مجبرون تكويناً على هذا المسلك من غير إرادة. وهذا السياق يعزز بالدقة ما ذهبنا إليه من حمل الأمر بالهبوط على التوبيخ؛ توبيخاً لهم على إرادة العودة إلى ذلك الوضع البائس؛ فكأن التوبيخ يقول لهم: عودوا إلى ما كنتم عليه من حال؛ فأنتم لا يصلح لكم رشاد، ولا تليق بكم عزة ولا استقلال، فارجعوا إلى ذلتكم ومسكنتكم السابقة. وهذا مؤيد جلي لهذا المعنى؛ ولا يقف بوجهه سوى الإشكال النحوي المتعلق بتنوين “مصراً”، وقد بيّنا وجه اندفاعه وقابلية الكلمة للصرف والتعريف معاً. ولولا هذا الإشكال اللفظي المندفع، لكانت كل القرائن البلاغية والسياقية متضافرة في تأييد وحمل الأمر بالهبوط على التوبيخ بالرجوع إلى مصر الفرعونية المعهودة.

ثم أردف موسى (عليه السلام) بقوله: (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)؛ أي ارجعوا إلى مصر فثَمّ تجدون ما طلبتم من بصل وعدس وثوم؛ إذ كانت هذه الأطعمة متوفرة هناك بكثرة. فكأن الخطاب يقول لهم: لو كنتم تبتغون هذه الخسائس، لبقيتم هناك تحت وطأة فرعون وفي ظل ذلك البساط؛ فلِمَ تعنتم وتحملتم وعثاء السير وسنوات التيه والشقاء؟ وهل صبرتم هذه السنين الطوال لتؤول عاقبتكم إلى الرجوع إلى ذات الموضع الذي فررتم منه؟ إن ما تطلبونه وتبذلون العزة لأجله متوفر هناك، ولكن شريطة الاستسلام للذل وفقدان الكرامة. فالعزة والسيادة التي نلتموها في هذه السنين بعد هلاك فرعون وجنده… إن كنتم تفرطون بها من أجل هذه الأطعمة، فارجعوا إلى مصر ونالوها.

السؤال: …

الأستاذ: إن مفهوم الذلة والمسكنة لا يقتصر بالطبع على مجرد توفر القوت وسد رمق البطن … وثمة اختلاف واسع بين المفسرين في تحديد حقيقة هذه الذلة والمسكنة المضروبة عليهم ومتى لحقت ببني إسرائيل تاريخياً؛ إذ من المعلوم أن مجرد أكل البصل والعدس لا يعد ذلة في نفسه. فما هو كنه هذه الذلة إذن؟ هذا مطلب دقيق سنعرض له بالتفصيل لاحقاً بمشيئة الله تعالى. وعاد التعبير ليقول: عودوا إلى سابق عهدكم؛ … وهنا نلاحظ انتقالاً بلاغياً لطيفاً في الآية؛ حيث تحول الأسلوب فجأة من الخطاب إلى الغيبة (الالتفات)؛ فبينما قال أولاً بصيغة الخطاب: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)، قال مباشرة بصيغة الغيبة: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ). وهذا الالتفات ينطوي على نكتة بلاغية دقيقة سنعرض لتفصيلها وبيان وجهها في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى.