The news is by your side.

الدرس السادس، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الثاني

الدرس السادس
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الثاني: «قال أتسبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير» – وجه أدنوية الأطعمة الأخرى – الوجه الأول ودراسته – الوجه الثاني ودراسته – الوجه الثالث ودراسته – الوجه الرابع

14 ربيع الآخر 1447 هـ

المقطع الثاني: «قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»

بيّنّا سابقاً أن الآية الكريمة تشتمل على مقاطع متعددة؛ حيث شَرَحنا وفسرنا المقطع الأول الذي كان ينطوي على وجهين: سلبي وإيجابي. وأما المقطع الثاني، فهو قول موسى (عليه السلام): (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)؛ وبطبيعة الحال، فإن كلام موسى (عليه السلام) يمتد إلى ما بعد ذلك، وسنتعرض له بوصفه مقطعاً مستقلاً لاحقاً، وهو قوله: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ).

ويمثل هذا المقطع الثاني استفهاماً إنكارياً طرحه موسى (عليه السلام) في مواجهة طلب بني إسرائيل المعصية؛ فعندما قالوا إنهم لن يصبروا على طعام واحد وطلبوا أطعمة أخرى، قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ وهل تبدلون الطعام الأفضل بطعام أردأ وأدنى منزلة؟ فهذا التعبير وإن صِيغ بصورة استفهام، إلا أنه يحمل في طياته إنكاراً وتوبيخاً وتقريعاً لهم على هذا الصنيع؛ أي إنكار طلب استبدال ما وُصف بـ “الخير” بما وُصف بـ “الأدنى”.

وجه أدنوية الأطعمة الأخرى

والنكتة الأساسية التي يتعين معالجتها في هذا المقام هي: لِمَ وصف موسى (عليه السلام) هذه الأطعمة الخمسة بـ “الأدنى”، ووصف المن والسلوى بـ “الخير”؛ حيث قال: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)؟ وهل كانوا يريدون حقاً ترك المن والسلوى والتفريط فيهما ليحل محلهما العدس والخيار والبصل والثوم؟ فما هو وجه التعبير بـ “الأدنى” في حق هذه الأطعمة؟ هاهنا ذكر المفسرون وجوهاً متعددة؛ ولعل مجمل آرائهم في تفسير القرطبي، والمنار، والكاشف يرجع إلى أربعة أقوال.

الوجه الأول ودراسته

الوجه الأول: أن المن والسلوى كانا ميسرين لهما بلا تعب ولا نصب، وكان ينزل عليهما بالفعل نَقداً كل يوم؛ في حين أنهم طلبوا أطعمة غير موجودة بالفعل في ذلك الموضع، بل يتوقف تحصيلها على بذل الجهد والعمل والوقوع في رنج الزرع ونصب الفلاحة. ومن هذه الحيثية، وصف تلك الأطعمة الخمسة بـ “الأدنى”، ووصف المن والسلوى بـ “الخير”. فإذا قارنا بين المن والسلوى وبين سائر الأطعمة من زاوية كون المن والسلوى حاضراً بالفعل وميسراً بلا كد، بينما تحتاج الأخرى إلى حرث وسقاية وتعب؛ فإن المن والسلوى يكون خيراً بلا ريب، والأخرى تكون أدنى.

دراسة الوجه الأول: إن هذا الوجه لا يلتئم مع النكتة التي قررناها في الجلسة السابقة؛ فقد أوضحنا أن ظاهر الآية يشي بأنهم طلبوا من الله تعالى شيئاً يماثل المن والسلوى في كونه ميسراً بلا مشقة ولا تعب ولا كد؛ لقولهم: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ)؛ أي إنهم لم يطلبوا أن توهب لهم أرض ليقوموا هم بحرثها وزرعها للحصول على هذه المحاصيل، بل كان مرادهم أن تخرج الأرض لهم هذه الأطعمة عفواً من دون تدخل منهم، تماماً كما كان ينزل عليهم المن والسلوى بلا تعب. ومتى ما استظهرنا هذا المعنى من القسم الأول للآية، امتنع علينا قبول هذا الوجه القائم على افتراض أن القثاء والبصل والعدس وُصفت بالأدنى لكونها بالقوة وتحتاج إلى كد ومسعى، بينما وُصف المن والسلوى بالخير لكونه حاضراً بلا مشقة. وعليه، يبدو هذا الوجه غير مقبول صناعةً.

الوجه الثاني ودراسته

الوجه الثاني: وهو يرى أن بني إسرائيل في فترة تغذيهم بالمن والسلوى -ورغم ما كانوا يعانونه من صعاب في التيه- كانوا يوصفون بالمجتمع الحيوي والنشط والفاعل؛ حيث كانوا يتمتعون بالعزة والاستقلال. ولذا استعمل تعبير “الخير”؛ لا بلحاظ ذات المن والسلوى وجوهره، بل بلحاظ الموقع والمكانة التي كانوا عليها حينذاك. بيد أن طلبهم لتلك الأطعمة كان يستلزم بالضرورة استقرارهم في مصر من الأمصار وتوطنهم في مدينة، وهو ما كان يجر عليهم ألواناً من الصراعات والذل والمهانة والتبعية. وعليه، فإن طلب هذه الأطعمة لما كان مقارناً وملازماً لأمور تخدش استقلالهم وعزتهم، وُصف بـ “الأدنى” قياساً بالوضع المشرّف الذي كانوا عليه حال تناولهم المن والسلوى.

دراسة الوجه الثاني: ويبدو هذا الوجه أيضاً مدخلاً للإشكال؛ لأن ظاهر الآية يقتصر على طلب طعام أو أطعمة معينة؛ فهم يقولون إنهم سئموا من ذلك الطعام ويريدون هذا الطعام؛ ولم يكن طلبهم هذا منطوياً على رغبة في التفريط بعزتهم واستقلالهم حتى يوصف بالأدنى والآخر بالخير. كما أن مجرد دخول مصر والاشتغال بالزراعة لا ينافي العزة والاستقلال بالضرورة؛ أي لا يصح القول بأنهم كانوا أعزاء ومستقلين ما داموا في القفر والبادية، وأنهم يفقدون عزتهم بمجرد دخولهم المدينة واشتغالهم بالحرث. فهذا لا يستقيم مع ظاهر الآية، ومن ثم فإن هذا الوجه منتفٍ أيضاً.

الوجه الثالث ودراسته

الوجه الثالث: أن وصفي “الأدنى” و”الخير” لا ينظران أساساً إلى الأمور المادية والأطعمة، بل هما ناظران إلى الجوانب المعنوية. فكأن موسى (عليه السلام) يقول لهم: إنكم تتقلبون الآن في عزة وسيادة ورفعة وإن رافقها بعض الضيق؛ ولكنكم تبغون تبديل هذه السيادة بالصغار والذلة من أجل مجرد أطعمة زائلة. فالأدنوية هنا ليست بلحاظ ذات الطعام والخل ومكوناته، بل بلحاظ البيئة والظروف التي تكتنف تحصيل هذا الطعام، والتبعات الوخيمة التي ستترتب على هذا الخيار. وبالمقابل، فإن “الخير” يشير إلى الحالة المعنوية والسيادة التي كانوا ينعمون بها. ووفقاً لهذا القول، لا خصوصية للمن والسلوى بوصفهما طعاماً، ولا لسائر الأطعمة المذكورة كذلك.

دراسة الوجه الثالث: بالنظر إلى القرائن المتقدمة، نجد هذا الوجه أيضاً غير قابل للقبول؛ إذ إن القول بأن المن والسلوى بذاته ليس مقصوداً، بل المقصود هو الحالة والظروف المكتنفة بإنزاله، يقف على خلاف ظاهر الآية الكريمة، ويبعد جداً أن يكون هو المراد من كلام موسى (عليه السلام).

الوجه الرابع

الوجه الرابع: أن يكون قوله تعالى: (الَّذِي هُوَ أَدْنَى) ناظراً وموجهاً بالدقة نحو ذات الأطعمة الخمسة المذكورة صراحة في متن الآية، ويكون “الخير” هو ذات المن والسلوى؛ وبذلك نجتنب تعقيد الآية الكريمة وحملها على معانٍ متكلفة. فحينما قالوا لموسى: (يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ…)، كان طلبهم موجهاً ومباشراً نحو استبدال تلك الأطعمة الأرضية بالمن والسلوى ورفضه بالكلية. وحيث إن المن والسلوى يمثل طعاماً طيباً لذيذاً حلواً؛ فإنه بمقايسته بالعدس والبصل والثوم والخيار يعتبر خيراً، وتلك الأطعمة تعتبر أدنى وأقل جودة ومنزلة في باب التغذية. فالملاك في وصف الأطعمة المطلوبة بالدنوّ والبخس، والمن والسلوى بالخير، يكمن في المقايسة المباشرة بين طعامين في اللذة والمنفعة، حيث تقل رتبة الأطعمة الأرضية عن رتبة تلك المائدة السماوية اللذيذة.

ويعد هذا الوجه هو الأقل عرضة للإشكالات والاعتراضات المذكورة في الوجوه السابقة. ولذلك حينما خاطبهم موسى (عليه السلام) بقوله: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)، ملقياً عليهم هذا الاستفهام، فإنه كان يستنكر فعلهم ويروم زجرهم وتوبيخهم تساؤلاً: لِمَ تصنعون هذا؟ كفوا عن هذا الصنيع. وكما أسلفنا، فإن مقتضى دخول حرف “الباء” على المستبدل به في اللغة يفيد معنى التعويض والبدلية بالكلية؛ أي إنهم طلبوا إحلال هذه الأطعمة محل تلك، ولم يطلبوا ضمها وتكميل المائدة بها؛ إذ لو كان مقصودهم الجمع والتتميم، لما صح وصف الأطعمة الجديدة بالأدنى على نحو الاستبدال. فوصف الأطعمة الجديدة بالأدنى وقرنها بالاستبدال بالخير يحكي بوضوح عن إرادتهم إزاحة المن والسلوى واستبدالها بهذه الأطعمة؛ أي رغبتهم في التغيير والتبديل التام؛ بحيث يرتفع المن والسلوى ويستقر البصل والعدس مكانه. وهذا المعنى واضح وجلي وموجب للتقريع والتوبيخ؛ فكيف يسوغ لعاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ وهذا الشاهد يؤكد بالدقة أن طلبهم كان طلباً للاستبدال والرفض، وليس طلباً للجمع والتتميم.