الدرس السادس والعشرون، المسألة الخامسة، مؤيد عدم الخيار للصبي والصبية
الدرس السادس والعشرون
المسألة الخامسة – مؤيد عدم الخيار للصبي والصبية – المسألة السادسة – البيان الإجمالي للمسألة – كلام مرحوم السيد – الفرض الأول – الفرض الثاني – الأقوال
26 ذو القعدة 1406 هـ
مؤيد عدم الخيار للصبي والصبية
انقضى البحث في المسألة الخامسة، وكانت حصيلته وفاقاً لما أفاده الإمام (قده) أنه لا خيار للصبي ولا للصبية بعد بلوغهما إذا كان الأب أو الجد قد زوجهما في سن الصغر، بل عقد النكاح الواقع منهما لازم في حقهما.
ويؤيد هذا الحكم (يؤيد ذلك) أن عقد النكاح في أصله مبني شرعاً على اللزوم والاستقرار، فحيثما وقع العقد ترتب عليه اللزوم كأصل أولي؛ ولم يثبت الشارع الخيار فيه إلا درءاً لخلل مخصوص في موارد محصورة؛ كخيار العيب (الفسخ بالعيوب المجوزة في الرجل أو المرأة)، أو خيار التدليس، أو خيار تخلف الشرط. وما عدا هذه الاستثناءات المنصوصة، يظل عقد النكاح محكوماً باللزوم والامتناع عن الفسخ، وهو ما يعزز انتفاء الخيار في مانحن فيه.
المسألة السادسة
«لو زوج الولي الصغيرة بدون مهر المثل أو زوج الصغير بأزيد منه فان كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك صح العقد و المهر و لزم، و إن كانت المصلحة في نفس التزويج دون المهر فالأقوى صحة العقد و لزومه و بطلان المهر بمعنى عدم نفوذه و توقفه على الإجازة بعد البلوغ، فإن أجاز استقر، و إلا رجع إلى مهر المثل».
البيان الإجمالي للمسألة
تنعقد المسألة السادسة لبيان حكم تزويج الصغير أو الصغيرة من قِبل الولي، في فرض كون المهر المسمى في العقد غير مطابق للموازين المتعارفة لمثلهما؛ كما لو زوّج الولية الصغيرة بمهر يقل عن مهر مثلها (وهو المهر المتعارف الذي يُجعل عادةً لمن تماثلها في الصفات والشأن)، مما يشكل نقصاً وخسارة مالية في حقها. أو زوّج الصغير الغلام بمهير يزيد عن مهر مثل زوجته، وهو ما يعد غبناً وخسارة مالية تتوجه إلى مال الصبي.
وهنا تزدحم في البحث ثلاثة أسئلة رئيسية:
-
حكم أصل العقد: هل يصح عقد النكاح الواقع على هذا الوجه من نقص مهر الصغيرة أو زيادة مهر الصغير، أم يبطل؟
-
حكم المهر المسمى: هل يمضي هذا المهر المسمى المقرون بالخسارة، أم يبطل ويؤول الأمر إلى مهر المثل؟
-
حكم اللزوم: هل العقد لازم في حقهما بعد البلوغ، أم يثبت لهما خيار الفسخ؟
وقد فصّل الإمام (قده) في جواب هذه الأسئلة بين فرضين موضوعيين:
-
الفرض الأول: أن تقوم مصلحة عقلائية ملزمة تقتضي هذا التفاوت المالي؛ كما لو زوّج الصغيرة دون مهر مثلها رغبةً درءاً لفوات كفء ذي دين وخلق وتمكن، فالمصلحة الراجعة للبنت في أصل هذا الزواج أربى وأهم من فوت شطر من مهر مثلها. وفي هذا الفرض يحكم بالصحة واللزوم في الجميع؛ فيصح العقد، ويصح المهر المسمى، ويكون العقد لازماً لا خيار فيه للصغيرة بعد بلوغها.
-
الفرض الثاني: أن تنحصر المصلحة الراجعة للمولى عليه في أصل التزويج والنكاح، دون أن تكون هنالك أية مصلحة تبرر نقص المهر أو زيادته. وهنا حكم الإمام بأن الأقوى هو التفكيك؛ فیصح العقد ويكون لازماً، بينما يبطل المهر المسمى (بمعنى عدم نفوذه الفعلي وتوقفه على الإجازة بعد البلوغ)؛ فإن أجازه المولى عليه بعد بلوغه استقر المسمى، وإن رده وبطله رجع العقد صناعةً إلى مهر المثل، دون أن يسري خلل المهر إلى أصل العقد أو لزومه.
السؤال: …
الأستاذ: إن زيادة المهر عن مهر المثل في حق الصبي تفتح باب البحث في صحة عقده ومهر؛ لأن دفع الزائد يعد خسارة مالية متوجهة إليه، تماماً كما أن نقصان المهر عن مهر المثل في حق الصغيرة يشكل خسارة لها من جهة تفويت حقها المالي؛ فالتوجيه بالخسارة جامع بينهما وإن اختلف المورد زيادة ونقصاناً.
كلام مرحوم السيد
وقد ساق تلميذه المرحوم السيد في “العروة الوثقى” ذات المقالة مع بعض التوسعة والتدقيق في نقل المحتملات؛ حيث قال:
«لو زوجها الولي بدون مهر المثل أو زوج الصغير بأزيد منه فإن كان هناك مصلحة تقتضي ذلك صح العقد و المهر و لزم، و إلا ففي صحة العقد و بطلان المهر و الرجوع إلى مهر المثل أو بطلان العقد أيضا قولان، أقواهما الثاني؛ و المراد من البطلان عدم النفوذ، بمعنى توقفه على إجازتها بعد البلوغ. و يحتمل البطلان و لو مع الإجازة بناء على اعتبار وجود المجيز في الحال».
فالسيد وافق الإمام تماماً في الفرض الأول (صحة العقد والمهر واللزوم مع وجود المصلحة). ولكنه في فرض انتفاء مصلحة المهر، نقل قولين: القول بالصحة في العقد والبطلان في المهر، والقول ببطلان العقد والمهر معاً. ثم رجّح القول الثاني (وهو بالترتيب والعبارة يوافق مبنى الإمام من صحة العقد وبطلان المهر، لكونه جعل المقابل هو بطلان العقد أيضاً)، وفسر بطلان المهر بعدم النفوذ الموقوف برتبته على الإجازة بعد البلوغ. ثم أشار السيد إلى احتمال بديل وهو بطلان العقد من أصله (وإن تعقبته الإجازة)؛ بدعوى اشتراط وجود مجيز كامل الأهلية حين إيقاع العقد الفضولي، وهو مفقود هنا.
وقد علّق الأعلام المحشون على هذا الاحتمال الأخير بالمنع؛ حيث مرقوف في تعليقة المحقق النائيني (قده): «تقدم أن الاقوی خلافه». وكذا أفاد المحقق العراقي (قده) في حاشيته واصفاً احتمال بطلان العقد بأنه: «ضعيف جداً ووجهه واضح». ولعل هذا الضعف الفاحش هو الزاجر للإمام (قده) عن إدراج هذا الاحتمال درءاً للحشو، فاكتفى في متن التحریر بصياغة الفتوى جزماً بقوله: «فالأقوى صحة العقد و لزومه و بطلان المهر».
دراسة الفرضين بالتفصيل
الفرض الأول: وجود مصلحة تقتضي التفاوت في المهر
وهو ما إذا كان التفاوت المالي (النقصان للبنت أو الزيادة للابن) ناشئاً عن مصلحة عقلائية راجعة للمولى عليه؛ كأن يُزوج الأب ابنته الصغيرة من رجل ذي مكانة علمية أو كمالات أخلاقية ومنزلة رفيعة، فيتنازل الولي عن شطر من مهر مثلها تضحيةً في قبال إحراز هذه المصلحة الأهم. أو يزوج الغلام الصغير من امرأة ذات خصال نادرة تستحق بذل الزائد عن مهر المثل في حقها لمصلحة الغلام.
وفي هذا الفرض، يتطابق کلم الأصحاب على صحة العقد وصحة المهر المسمى وثبوت اللزوم؛ للوفاق على انطباق القواعد الشرعية عليه، ومقتضي النفوذ موجود والمانع مفقود؛ لكون التصرف واقعاً في حد ولاية الولي المصونة بالمصلحة. ونظيره في المعاوضات المالية ما لو باع ولي الصغير داره بأقل من قيمتها السوقية (ثمن المثل) لمصلحة ملجئة أو غبطة تقتضي ذلك، فإن البيع يقع صحيحاً نافذاً ولازماً اتفاقاً، فكذلك الشأن في النكاح.
الفرض الثاني: وجود المصلحة في أصل النكاح وانتفاؤها في المهر
وموضوعه أن يوقع الولي عقد النكاح متواخياً فيه مصلحة الصغير أو الصغيرة (أو على الأقل مع انتفاء المفسدة في أصل النكاح)، بيد أنه يقع في الغبن المالي؛ فيجعل مهر الصغيرة دون مهر مثلها، یا يجعل مهر الصغير فوق مهر مثل زوجته، من دون وجود أية مصلحة تبرر هذا الحيف المالي وتسوغه. وهذا الفرض هو معترك الآراء والبحث الفقهي.
السؤال: …
الأستاذ: لو قيل بثبوت الخيار للمولى عليه هنا، لدار الأمر بين الإمضاء والرد، وبموجب الرد ينفسخ أصل النکاح… ولعل هذا المحذور هو منشأ إشکال بعض الأعلام وبطلان العقد عندهم؛ وهو ما سنتعرض له عند تنقيع المحاكمة في الفرض.
الأقوال فی الفرض الثاني
تنقسم الآراء في هذا الفرض إلى ثلاثة أقوال رئيسية في الفقه (اقتصر السيد في العروة على ذكر اثنين منها لضعف الثالث):
-
القول الأول (فتوى الإمام): صحة عقد النكاح ولزومه، وبطلان المهر المسمى بمعنى عدم نفوذه، فيتوقف مصير المهر برتبته على إجازة الصغير یا الصغيرة بعد البلوغ؛ فإن أجيز استقر، وإن رُدّ رجع العقد إلى مهر المثل مع بقاء النكاح صحيحاً لازماً.
-
القول الثاني (المشار إليه بالاحتمال عند السيد): بطلان المهر وبطلان العقد معاً من أساسه؛ لكون العقد المشتمل على المفسدة المالية يخرج عن حدود ولاية الولي، فيقع باطلاً أو فضولياً كاملاً لا تصححه الإجازة بناءً على بعض المباني.
-
القول الثالث: صحة العقد وصحة المهر المسمى معاً (تماماً كالفرض الأول)، وهو منسوب لشيخ الطائفة الطوسي (قده) في “المبسوط”. وقد أضرب السيد في العروة عن ذكره لشدة ضعفه؛ وعقّب عليه المحقق الخوئي (قده) بقوله: «ضعفه اظهر من أن یخفی»؛ لكون مقتضى القواعد يمنع نفوذ التصرف المالي للولي إذا تخلف عن رعاية المصلحة وكان مشتملاً على المفسدة والضرر المحض.
فالحصيلة أن الأقوال المقررة ثلاثة: الصحة في العقد والمهر؛ أو الصحة في العقد والبطلان في المهر؛ یا البطلان في العقد والمهر معاً. وسنشرع في الدرس القادم بمشيئة الله في استعراض محاكمة هذه الأقوال وأدلتها صناعياً، مع أخذ قيد المصلحة في أصل العقد بنظر الاعتبار؛ إذ لو انعدمت المصلحة في أصل النكاح أو اشتمل على مفسدة لسقطت الولاية موضوعاً وبطل التصرف بالصناعة.