The news is by your side.

الدرس الرابع والثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الرابع والثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثالث: دراسة اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية وشموله للأمور العدمية – بقية كلام المحقق العراقي – دراسة جواب المحقق العراقي على المحقق النائيني – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – جواب الإمام الخميني على المحقق النائيني ودراسته – الإشكال الأول – الإشكال الثاني

13 شعبان 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث في المطلب الثالث من المباحث المتعلقة بـ “ما” الموصولة في حديث الرفع، حيث ذُكر أن ثمة تساؤلاً مطروحاً حول شمول حديث الرفع للتروك والأمور العدمية من عدمه. فعلى سبيل المثال، هل تنطبق عبارة «مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» أو «مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» على التروك أيضاً، بحيث يُرفع ترك فعل ما بسبب الاضطرار، أو ترك واجب ما بسبب الإكراه مثلاً أم لا؟
وكما لاحظتم، فقد بيّن المحقق النائيني أن حديث الرفع لا يشمل الأمور العدمية والتروك. ثم أضاف بمناسبة ذلك أن قول البعض برفع الأجزاء المنسية في الصلاة بواسطة حديث الرفع غير صحيح؛ بل غاية الأمر أننا نصحح الصلاة الفاقدة للجزء المنسي بحديث «لَا تُعَادُ».
وقد أشرنا إلى أن هناك ردوداً قُدمت على رأي المحقق النائيني. وأحد هذه الردود قدّمه المحقق العراقي. وخلاصة رده هي أن رفع الأمور التسعة، بما أنه يتعلق بعالم التشريع، يعني رفع موضوعية هذه الأمور للحكم الشرعي. وبما أن الأمور الوجودية والأمور العدمية (التروك) كليهما يمكن أن يقع موضوعاً للحكم الشرعي، فإن رفعها يعني أنها لن تكون بعد ذلك موضوعاً للحكم الشرعي. وبناءً عليه، في المثال الذي ذكره السيد النائيني، لو أُجبر شخص على ترك شرب ماء الفرات (والذي كان متعلقاً لنذره)، فإن هذا الترك لن يقع بعد ذلك موضوعاً للحكم الشرعي. ونتيجة لذلك، لا تتحقق حرمة ولا تتعلق بها كفارة؛ لأنه إذا لم يكن موضوعاً للحكم الشرعي، فسيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع حتماً، فلا يقع حرام ولا تثبت كفارة.

بقية كلام المحقق العراقي

بالطبع، تابع المرحوم المحقق العراقي بيانه بذكر مطلب آخر. فهو يرى أن حديث الرفع يمكن أن يرفع الجزء المنسي؛ أي بالمعنى نفسه الذي بُين سابقاً. وبتعبير آخر، فإن حديث الرفع يجري بالنسبة للجزء المنسي، خلافاً لرأي المحقق النائيني.
إلا أن الموضوع الآخر المطروح هنا، هو لو زال النسيان؛ بمعنى أنه بعد إتمام الصلاة، تذكر الشخص أنه نسي السورة ولم يأتِ بها؛ فهل يمكن لحديث الرفع أن يجعل الصلاة الفاقدة للسورة كالصلاة الواجدة لها أم لا؟ هذا البحث يختلف عن البحث السابق. فلو نُسي جزء معين (كالسورة) وبقي هذا النسيان ولم يزل، فإن حديث الرفع يرفع ذلك الجزء المتروك والمنسي بالمعنى المذكور نفسه. أما بعد زوال النسيان، فلن يكون لحديث الرفع ذلك الأثر الذي كان له في فرض بقاء النسيان. ففي هذه الحالة، ما هو الحكم الثابت لو تبين للشخص بعد إتمام الصلاة أنه صلاها بلا سورة؟ هل يجب عليه إعادة الصلاة أم تكفيه تلك الصلاة المؤداة؟
وهو يرى أن الصلاة الفاقدة للسورة لا تُغني عن الصلاة الواجدة لها. ولذا، وبمقتضى القاعدة، يجب الإتيان بهذه الصلاة، لأنه في النهاية كانت هناك مصلحة وملاك للصلاة الواجدة للسورة، وتلك المصلحة والملاك لم تُستوفيا. وفي هذه الحالة، لن يقول حديث الرفع بعد ذلك إن السورة لا جزئية لها. فما دام الشخص في حالة نسيان، كان يمكن لحديث الرفع أن يقول إن السورة لا جزئية لها في حالة النسيان؛ ولكن عندما يزول النسيان، فإن تلك المصلحة التي كانت تُؤمّن في ظل الإتيان بالجزء قد ضاعت ويجب استيفاؤها. وبحسب القاعدة، الأمر كذلك.
السؤال: …
الأستاذ: في ذلك الوقت، كان محكوماً بحديث الرفع… هذا هو رأيه. ولا نعتزم تقييم كلامه هنا حالياً. فهو يقول إن الوضع بحسب القاعدة هو هكذا… لدينا روايات، وقاعدة «لَا تُعَادُ» نفسها تقتضي عدم لزوم الإعادة… ليس لاحقاً… لدينا قاعدة التجاوز أيضاً. أما كونها تشمل هذا المورد أم لا، فذاك بحث آخر. ولكن الفرض هو أنه تذكر بعد الإتيان بالعمل وزال نسيانه.

خلاصة البحث

إلى هنا، ادعى المرحوم النائيني أن حديث الرفع لا يشمل الأمور العدمية ويختص بالأمور الوجودية، ولذا لو تُرِك جزء من الواجب بسبب النسيان، فلا دور لحديث الرفع هناك أصلاً. ثم قال: يرى البعض أن جزئية الجزء المنسي تُرفع بواسطة حديث الرفع، في حين أن هذا لا علاقة له بالشارع.
وفي رده، قال المحقق العراقي إن حديث الرفع يشمل الأمور العدمية والتروك. وقد لاحظتم بيانه أيضاً. وفيما يتعلق بالصلاة التي قُرئت بلا سورة، قال أيضاً: إن حديث الرفع يجري هنا أيضاً ويرفع جزئية الجزء في فرض النسيان؛ أي كأنه لم تعد له جزئية أصلاً. وقد استمعتم إلى أدلة هذين العَلَمَين أيضاً. والآن نريد أن نقيم هل رد المحقق العراقي على المرحوم النائيني صحيح أم لا.

دراسة جواب المحقق العراقي على المحقق النائيني

يرد هنا إشكالان على جواب المحقق العراقي.

الإشكال الأول

إن هذا المعنى خلاف ظاهر الحديث. فالمعنى الذي ذكره المحقق العراقي لحديث الرفع في رده على المرحوم النائيني ليس تاماً ويخالف ظاهر حديث الرفع. فقد قال: «رُفِعَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»؛ أي “رُفع” ما أُكره عليه عن كونه موضوعاً للحكم الشرعي. فمثلاً، من اضطر أو أُكره على شرب الخمر، فشرب الخمر عن اضطرار. فعندما نقول رُفع شرب الخمر الاضطراري، يعني رُفع شرب الخمر في فرض الاضطرار عن كونه موضوعاً لحكم الحرمة. لكن هذا خلاف الظاهر؛ فـ «رُفِعَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» تعني رُفع ذلك الشيء نفسه، لا بوصف كونه موضوعاً للحكم الشرعي. فالظاهر أن هذا العنوان نفسه قد رُفع. ولكن بما أن العنوان نفسه لا يمكن أن يُرفع حقيقة، فلا بد من تقدير شيء، ولذا يُسند الرفع حقيقة إلى ذلك الشيء المقدر ومجازاً إلى ذلك الفعل. إذن، فما قدمه المحقق العراقي من معنى لشمول حديث الرفع للأمور العدمية، هو خلاف الظاهر. وهذا هو الإشكال الأول الذي يرد على المحقق العراقي.

الإشكال الثاني

إن لازم كلام المحقق العراقي هذا هو نوع من التناقض والجمع بين مطلبين يمتنع اجتماعهما.
فقد قال من جهة إن الرفع في هذا الحديث هو رفع ادعائي. والرفع الادعائي في مقابل الرفع الحقيقي. ويعني الرفع الادعائي المجازي أنه في صورة كون الرفع مجازياً، فلا بد حتماً من مُصَحِّح. إذن، وبناءً على تبيينه لحقيقة الرفع وكونه ادعائياً، وبالتالي مجازياً واحتياجه إلى مُصَحِّح، فلا يوجد هنا أي حظ من الحقيقة، ولذا يكون الرفع مجازياً.
فهو يقول إذن: إن رفع «مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» يعني رفع «مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» عن كونه موضوعاً للأحكام الشرعية، ومن المعلوم أن رفع شيء عن كونه موضوعاً للأحكام الشرعية هو أمر حقيقي لا مجازي.
إذن، فهو يرى أن إسناد الرفع إلى هذه الأمور ادعائي ومجازي، بحجة أننا بحاجة إلى مُصَحِّح. فالرفع هو رفع تشريعي؛ وليس رفعاً حقيقياً. والرفع التشريعي في مقابل الرفع الحقيقي. إذن يصبح الرفع مجازياً. ولكن من جهة أخرى، ومن أجل جعله شاملاً للأمور العدمية، قدم تفسيراً يصبح الرفع بناءً عليه حقيقياً؛ لأننا لم نعد بحاجة إلى تقدير. فلو أُريد لشيء أن يخرج عن كونه موضوعاً لحكم شرعي، فلا يتسنى ذلك إلا بيد الشارع. فالشارع الذي كان قد جعل شرب الخمر موضوعاً للحرمة والحد، يقول بحديث الرفع إن شرب الخمر لو كان عن إكراه واضطرار، فلن يعود موضوعاً للحرمة والحد. إذن، وبما أن جعل شيء موضوعاً لحكم ورفعه هو بيد الشارع، فعندما نُسند الرفع إلى هذه الأمور، لم يعد هناك مجال لادعاء المجاز هنا، بل هو حقيقي: فرفع شرب الخمر عن كونه موضوعاً للحرمة هو أمر حقيقي.
والإشكال على المحقق العراقي هو أن لازم أحد كلاميه هو أن هذا الرفع مجازي؛ لأنه يصرح بأن هذا الرفع ادعائي. ولكن لازم كلامه الآخر في باب الأمور العدمية هو أن الرفع حقيقي، وهذا تناقض. ففي النهاية، يجب أن يكون الرفع إما حقيقياً أو مجازياً؛ ولا يمكن أن يكون حقيقياً ومجازياً معاً.
وبالطبع، فيما يتعلق بالمطالب التي ذكرها في باب الصلاة وذلك الجزء المنسي، فالبحث لا يزال جارياً، لأن المحقق النائيني طرح مسألتين، وقد أجاب المحقق العراقي عنهما تقريباً معاً.
الأولى: أصل عدم شمول حديث الرفع للتروك والأمور العدمية، والذي رده المحقق العراقي. ونحن بدورنا رددنا كلام المحقق العراقي وقلنا إنه لا يمكن رد كلام النائيني بهذا البيان.
كما كان للمرحوم النائيني بحث حول الصلاة بالجزء المنسي (الجزء المتروك عن نسيان). وأن حديث الرفع لا يرفع جزئية هذا الجزء، وقد أبدى المحقق العراقي رأيه في هذا أيضاً.
وسندرس هذا القسم المتعلق بالصلاة لاحقاً. ولننظر حالياً في أصل كلام المرحوم النائيني، ففي النهاية هل يشمل التروك أم لا؟ وفي المحصلة، فإن جواب المحقق العراقي هذا لا طائل منه.

جواب الإمام الخميني على المحقق النائيني

كان هذا الجواب في الواقع هو الجواب الذي قدمه الإمام في دورته الأصولية الأولى على المحقق النائيني، والذي أُشكل عليه من قبل البعض بطبيعة الحال، فضلاً عن أنه لا ينسجم مع بعض مباني الإمام (رحمة الله عليه) نفسه. وسنبين الآن لماذا لا ينسجم ومع أي مبنى.
يقول الإمام الخميني في الواقع: إن قول المحقق النائيني بأن الرفع عبارة عن تنزيل الموجود منزلة المعدوم وأن هذا لا يشمل العدميات، لا يجري بالنسبة للعدم المضاف. توضيح ذلك:
لدينا نوعان أو قسمان من العدم: العدم المطلق والعدم المضاف.
العدم المطلق يعني العدم الذي لم يُذكر له أي مضاف إليه، أي هو الفناء والعدم المطلق. والعدم المضاف يعني العدم الذي أُضيف إلى شيء خاص؛ فمثلاً نقول: عدم الهواء، عدم النور، عدم الماء. فهذه كلها عدم مضاف؛ لأنها أُضيفت إلى شيء خاص.
والفرق بين العدم المضاف والعدم المطلق، هو أن العدم المطلق لم يكن له حظ من الوجود؛ أي لم ينل أي نصيب من الوجود. أما في مورد العدم المضاف فيُقال إن له حظاً من الوجود؛ ففي النهاية عدم شيء ما له نصيب من الوجود. وهذه مرتبة متقدمة على العدم المطلق. ولذا فإن عدم الشيء الفلاني مثلاً، عدم زيد، عدم أمر ما، عدم النور، عدم الهواء يختلف عن الفناء المطلق. فهذا له حظ من الوجود، أما العدم المطلق فلم ينل أي حظ من الوجود.
وبناءً عليه، فإن ترك شرب ماء الفرات له حظ من الوجود مقارنة بمطلق الترك أو العدم المطلق. وبما أن له حظاً من الوجود، فإن تنزيل الموجود منزلة المعدوم يصدق عليه أيضاً.
السيد النائيني يقول: الترك ليس بشيء ليُنزَّل الموجود منزلة المعدوم. أما الإمام فيقول: كلا. فهذا العدم له وجود أيضاً. فترك ماء الفرات له وجود. إذن فتنزيل الموجود منزلة المعدوم يشمل العدميات أيضاً.

دراسة جواب الإمام الخميني

الإشكال الأول

يرى الإمام نفسه أنه لا فرق بين العدم المضاف والعدم المطلق. فهذه اعتبارات أو لحاظات لأذهاننا، وإلا فمن حيث إن العدم المضاف كالعدم المطلق لا حظ لهما من الوجود، فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

الإشكال الثاني

علاوة على ذلك، فإن هذا الجواب قد افترض في الواقع أن الرفع بمعنى تنزيل الموجود منزلة المعدوم، في حين أن الرفع ليس بهذا المعنى أصلاً؛ إلا أن نقول إنهم أرادوا الجواب من باب الجدل ومن باب استخدام مباني المستدل نفسه؛ وإلا فهو نفسه لا يرى أن الرفع بمعنى تنزيل الموجود منزلة المعدوم. إذن فهذا غير تام أيضاً.