The news is by your side.

الدرس الخامس والسبعون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الخامس والسبعون

أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. «ما» الموصولة – المطلب الثاني: دراسة اختصاص وعدم اختصاص «ما» بالشبهات الموضوعية – الطرق الخمسة – الطريق الثاني – إشكالات المحقق العراقي – جواب الإمام الخميني عن الإشكال الأول للمحقق العراقي – الإشكال الثاني للمحقق العراقي – الجواب الأول – الجواب الثاني – إشكال المحقق الحائري على الطريق الثاني

20 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة الماضية

كان البحث يدور حول طرق إثبات اختصاص «ما» الموصولة بالأفعال الخارجية والشبهات الموضوعية، وقد ذكرنا أنه تم بيان عدة طرق لإثبات هذا الاختصاص. وجرى استعراض الطريق الأول وتبين أنه لا يمكنه إثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. وأما الطريق الثاني فهو مسألة وحدة السياق؛ وقد أشكل بعض الأعاظم على هذا الطريق وأُوردت عليه عدة إجابات، حيث أفاد المحقق العراقي بجوابين وإشكالين على هذا الطريق.

وكان أصل الطريق المذكور يدور حول أن قوله: «لا يعلمون» يجب أن يُفهم بالنظر إلى سائر الفقرات؛ ففي العبارات: «ما لا يطيقون، ما استكرهوا عليه، ما اضطروا إليه» المراد قطعاً هو الفعل الذي يتحقق به المعنى، لأن الاضطرار والإكراه والطاقة إنما تصدق بالنسبة إلى الفعل لا بالنسبة إلى الحكم. بناءً على هذا، فالمنظور هناك مسلَّماً هو الفعل لا الحكم؛ ونتيجة لذلك يجب أن يكون المراد في «ما لا يعلمون» هو الفعل أيضاً لا الحكم. إذن، بقرينة وحدة السياق، يكون المراد هو الفعل.

وقد أشكل المحقق العراقي على هذا الطريق بإشكالين:

الإشكال الأول: أنه لو كان الملحظ هو سائر الفقرات، فهناك ثلاث فقرات أخرى أيضاً وهي: «الطيرة»، و«الحسد»، و«الوسوسة في التفكر في الخلق». في حين أن جميع هذه الموارد حالات نفسانية، ولا يمكن أن يكون الفعل مقصوداً فيها. وقد أُجيب عن هذا المطلب ولم يُقبل.

جواب الإمام الخميني عن الإشكال الأول للمحقق العراقي

يقول الإمام الخميني في الإجابة عن الإشكال الأول للمحقق العراقي: إنه لو كان الملاك هو وحدة السياق، فإن وحدة السياق إنما تعقل في صورة تكرار الألفاظ؛ على سبيل المثال، في «ما لا يعلمون»، و«ما لا يطيقون»، و«ما استكرهوا عليه»، كلها تشتمل على «ما» الموصولة، وفي هذه الصورة يمكن القول إن وحدة السياق لها معنى؛ أما لو كان في جزءين من حديث واحد كلمات ليس بينها في أنفسها ما به الاشتراك، فلا يمكننا أن نأخذ وحدة السياق بنظر الاعتبار بلحاظ تلك الكلمات. ونحن نرى هذه العناوين الثلاثة: «الحسد»، و«الوسوسة»، و«الطيرة» منفصلة تماماً عن الباقي، ولذا فإن وحدة السياق لا وجود لها أصلاً في هذه الرواية بمعنى واحد. فالإشكال الأصلي المتوجه إلى المحقق العراقي هو أننا يجب أن نقول هنا بعدم وجود وحدة السياق أصلاً.

علاوة على ذلك، فقد ذكر (قدس سره) النكتة نفسها التي أُشير إليها بالأمس أيضاً -وإن كانت غير مقبولة عندنا- وهي أنه حتى في مورد هذه الحالات الباطنية يمكن إطلاق عنوان “الفعل” عليها، بوصفها فعلاً جوانحياً، وهو ما رددناه.

الإشكال الثاني للمحقق العراقي

ولكن عمدة الإشكال الثاني للمحقق العراقي على الطريق الثاني هو: أنه يقول بأن المستدل قد استند في الواقع إلى وحدة السياق، وبناءً على ذلك جعل «ما» في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» بمعنى الفعل. ولكن إلى جانب هذا، لدينا ظهور سياقي آخر؛ الظهور السياقي الأول هو عينه ما قاله المستدل من أن «ما» في تلك الفقرات الثلاث بمعنى “الفعل”، فكذلك في «ما لا يعلمون» يجب أن تكون بمعنى الفعل.

وأما الظهور السياقي أو وحدة السياق الثانية فهي: أن الأوصاف المذكورة في الحديث مثل «مَا لَا يَعْلَمُونَ» -أي الجهل بالشيء الذي لا تعلمونه- ظاهرها أن الجهل يتعلق بنفسه ومستقیماً ومباشرةً بالشيء الذي هو معروض الجهل. وما هو الشيء الذي يكون معروضاً للجهل؟ إنه الحكم؛ أي إن «مَا لَا يَعْلَمُونَ» بمعنى عدم العلم أو الجهل يتعلق بالحكم. وتعلق الجهل وعدم العلم بالحكم يكون بالذات وبلا واسطة ومباشرة. ولكننا لو نسبنا الجهل إلى الموضوع أو الفعل، فإن هذا يتعلق بذلك الموضوع والفعل بواسطة أو بالعرض. وبعبارة أخرى: إن ذات الموضوع بما هو موضوع ليس معروضاً للجهل، بل لأنه اكتسب عنواناً صار معروضاً للجهل. فنفس هذا المائع الذي نشك الآن في كونه خمراً أم لا، ليس هو في حد ذاته معروضاً للجهل، ولا يمكن لأحد أن يأتي ويقول «أَنَا لَا أَعْلَمُ هَذَا المائعَ»، لا يمكنه قول ذلك. نعم، يمكنه أن يقول «أنا لَا أَعْلَمُ خَمْرِیَّةَ هَذَا الْمایعِ» (أنا لا أعلم خمرية هذا المائع)؛ أي هذا العنوان. إذن فذات الموضوع ليست معروضاً للجهل، بل إن الجهل يتعلق بواسطة وب العرض بذات الموضوع، وتلك الواسطة والعرض يكون عنواناً مثلاً. لذا فإن هناك فرقاً تاماً بين تعلق عدم العلم والجهل بالحكم، وتعلقه بالموضوع والفعل.

فإذن تعلق الجهل بالموضوع لا معنى له مستقيماً وهو محتاج إلى واسطة، فلا بد من وجود عنوان يعرض بواسطة ذلك العنوان. ولكن الأمر في الحكم ليس كذلك؛ فإذا قلنا إن «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يتعلق بنفس الحكم، فهنا لا يحتاج إلى واسطة بعد ذلك. والفرق بين تعلق «ما لَا يَعْلَمُونَ» بالحكم وتعلقه بالفعل أو الموضوع، هو فرق الواسطة في الثبوت والواسطة في العروض؛ وهذا أيضاً ظهور سياقي.

فإذن لدينا هنا ظهوران سياقيان، والعرف يرجح الظهور السياقي الثاني.

هذا هو الجواب الثاني للمحقق العراقي في مقابل المستدل (أي من يدعي اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية)؛ وهو يدعي في المقابل أنه لا، لا يمكن أساساً أن يختص بالشبهات الموضوعية، بل يختص بالحكم.

وهذان هما إشكالا المحقق العراقي على هذا الطريق.

دراسة الإشكال الثاني للمحقق العراقي

وهناك إشكالات أخرى قد توجهت أيضاً إلى هذا الطريق؛ ولعلهم أشكلوا بثلاثة أو أربعة إشكالات على هذا الطريق، حيث أشكل المحقق الحائري، وأشكل عليه المرحوم السيد الخوئي ببيان قريب من المحقق الحائري، وأشكل آخرون أيضاً. ولأجل عدم التكرار، وقبل بيان سائر الإشكالات، ندرس كلام المحقق العراقي ثم ننتقل إلى بقية المطالب.

إلى هنا، اتكأ المستدل على وحدة السياق لإثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. وأورد المحقق العراقي إشكالاً أجبنا عنه، كما ذكرنا الإشكال الثاني للمحقق العراقي أيضاً. فهل هذا الإشكال الثاني للمحقق العراقي وارد على الطريق الثاني أم لا؟

الجواب الأول (الإمام الخميني)

لقد أشكل البعض -ومنهم الإمام الخميني (رحمه الله)- على المحقق العراقي. حيث قال المحقق العراقي إنه لا يمكن أن يقع نفس الفعل أو ذات الموضوع متعلقاً للجهل بالذات، بل لا بد أن يتعلق الجهل به بواسطة عنوان ما. ويقول الإمام الخميني: «والجهل بالعنوان واسطة لثبوت الجهل بالنسبة إلى نفس الفعل لا واسطة في العروض»؛ فيقولون إنه لو كان عنوان الخمرية أو الخلية واسطة في العروض، فإن الواسطة في العروض عنوان مجازي؛ حيث لا حقيقة له وإنما تنسب تلك النسبة بواسطة شيء آخر؛ كمن يجلس في سيارة وهي تتحرك فنحن ننسب هذه الحركة إلى الراكب، فهذا مجازي. ولكن في الواسطة في الثبوت لا مجاز في البين؛ ولذا فإذا كان الجهل يتعلق أولاً وبالذات بالعنوان -أي الخمرية- ثم بواسطة ذلك يتعلق بنفس الفعل الخارجي أو الموضوع، فهذا في الحقيقة واسطة لتعلق الجهل بنفس الفعل والموضوع. وإذا كان الأمر كذلك، فهل نحن نعتبر ذات الموضوع مجهولاً واقعاً أم الفعل؟ صحيح أنه كانت هناك واسطة في البين، ولكن بسبب هذه الواسطة نفسها صار ذلك الفعل مجهولاً عندنا. والآن السؤال هو: إذا صار ذلك الفعل مجهولاً لنا بهذه الصورة، فهل هو مجهول حقيقة أم مجازاً؟

فلو كان بإمكان المحقق العراقي إثبات أن هذا من قبيل الواسطة في العروض، لكانت نسبة الجهل إليه مجازية هنا، ولكان إشكاله وارداً؛ ولكن الأمر هنا في الواقع ليس واسطة في العروض، بل هو واسطة في الثبوت. وهذا هو الإشكال الذي يورده الإمام الخميني (رحمه الله) على المحقق العراقي.

وم ممن أشكل على المحقق العراقي صاحب المنتقى، وبيانه أيضاً قريب من هذا البيان، فلا نرى حاجة لتكراره.

السؤال:

الأستاذ: ماذا كان كلام المحقق العراقي في «مَا لَا يَعْلَمُونَ»؟ إنه يقول بأن هذا لا يمكن أن يتعلق مباشرة بذات الموضوع. فما معنى “أنا لا أعلم هذا المائع”؟ أي شيء فيه لا أعلمه؟ إما أن أقول لا أعلم حكمه، أو أقول لا أعلم خمريته. ويقول المحقق العراقي إن هناك عنواناً صار واسطة لتعلق الجهل بالموضوع (بذات الموضوع)، وذلك العنوان هو الخمرية مثلاً. لذا كأننا لدينا هنا في الواقع ظهور سياقي ثانٍ، والظهور السياقي الأول باقٍ في مكانه، وهذا هو الظهور السياقي الثاني؛ والعرف يقدم هذا الظهور السياقي الثاني على ذاك. وفي جوابه الأول يقول كأنه لا توجد وحدة سياق أصلاً. وفي الجواب الثاني يقول: هذا أيضاً سياق، وذاك أيضاً ظهور سياقي، ولكن ذلك الظهور السياقي مقدم. والإشكال الذي يطرحه الإمام هنا هو أن هذه الواسطة هي واسطة في الثبوت لا واسطة في العروض؛ ولماذا هي واسطة في الثبوت؟ فلأن ثبوت الجهل بالنسبة إلى هذا الموضوع يكون أساساً بلحاظ هذا العنوان. نعم، لو قال المحقق العراقي إن هذا من قبيل الواسطة في العروض، فماذا كانت النتيجة؟ كان بإمكاننا القول إن هذه النسبة وهذا الاستعمال مجاز؛ وإذا كان مجازاً لكان إشكاله وارداً. أما إذا قلنا إنها واسطة في الثبوت، فإن المجاز يتنحى جانباً ويصبح حقيقة، ويرتفع إشكاله.

الجواب الثاني

وبالطبع يمكننا ذكر جواب آخر أيضاً على إشكال المحقق العراقي، وهو: بأي دليل تقولون إنه عند الدوران بين هذين الظهورين السياقيين فإن الظهور السياقي الثاني هو المقدم؟ ما هو دليلكم على هذا؟ إن أساس الجواب الثاني للمحقق العراقي قائم على هذا؛ تقديم الظهور السياقي الثاني على الظهور السياقي الأول، وهذا أول الكلام، وهو دعوى بلا دليل؛ ولماذا؟

إشكال المحقق الحائري على الطريق الثاني

ثمة إشكال أورده المحقق الحائري على الطريق الثاني، وبيّنه المرحوم السيد الخوئي أيضاً باختلاف يسير. (وم ممن طرح بنحو ما دعوى اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية والأفعال الخارجية الشيخ الأنصاري؛ فهو يعتقد أن حديث الرفع مختص بالشبهات الموضوعية، ومن أدلته أيضاً هذه ووحدة السياق نفسها. وإذا كنتم تذكرون، فإنه ينقل هناك عدة طرق، وقد أضاف شراح ومحققو «الرسائل» بعض الطرق الأخرى عليها. ووحدة السياق هذه هي من جملة القرائن والأدلة التي ذكرها المرحوم الشيخ في «الرسائل»، ولكن الكثيرين قد خدشوا فيها، ومن هؤلاء المحقق الحائري).

حيث يقول إن «ما» باعتبارها اسماً موصولاً موضوعة أساساً لمعنى الشيء المبهم؛ فوظيفة الاسم الموصول هي الإشارة إلى شيء مبهم، و«ما» و«الذي» وأشباههما مما يذكر عادة كاسم موصول لها هذا المعنى نفسه، وتأتي الصلة لتشرحها. وقد عرّف النحاة الموصول هكذا: اسم مبهم محتاج في تعيين معناه ورفع إبهامه إلى صلة؛ وهو الشيء نفسه الذي نقوله في الفارسية “چیزی که” (شيء الذي). بناءً على هذا، فإن «مَا أُکْرِهوا عَلَیْهِ» أو «ما استکرهوا عليه» يعني الشيء الذي أُكرهوا عليه؛ وكذا «ما اضطروا إليه» هي بهذا المعنى؛ فوظيفتها رفع الإبهام، وهذا هو المعنى الحقيقي للموصول والصلة.

و«ما» وكل موصول -كما أنه تابع للصلة في أصل المعنى- فهو تابع للصلة في السعة والضيق أيضاً؛ أي إن الصلة هي التي تعين هذا الشيء المبهم.

وهو يقول إن «ما» في جميع الموارد التي استُعملت فيها في هذا الحديث قد استُعملت في معناها الأصلي والحقيقي نفسه؛ أي ذلك الاسم المبهم المحتاج إلى الصلة لرفع الإبهام، غاية الأمر أن الصلات في هذه الموارد متفاوتة؛ ففي «ما لا يعلمون» الصلة شيء، وفي «ما اسْتَکْرَهوا عَلَیْهِ» الصلة شيء آخر. وانطباق هذه في كل مورد على شيء لا يعني التفاوت في المعنى المستعمل؛ فانطباق هذه على موارد ومصاديق مختلفة لا يحدث تفاوتاً في معناها. وهو يقول إن وحدة السياق تقتضي أن نستعمل «ما» في جميع هذه الموارد في معناها المبهم نفسه، منتهى الأمر في مقام التطبيق، فإنها في «مَا اضطروا إليه» و«مَا أُكرهوا عليه» تنطبق فقط على الفعل والموضوع الخارجي، ولكنها في «مَا لَا یَعْلَمُونَ» وبسبب نفس «لَا یَعْلَمُونَ» التي هي الصلة، يكون فيها سعة وتشمل الفعل والحكم معاً؛ أي إنها تعم الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية معاً.

ثم يضرب مثالاً: لو قيل مثلاً «مَا یُؤْکَلُ» و«مَا یُرَی»؛ فإن «ما» في كليهما بمعنى واحد وهو الاسم المبهم، ولكن مصاديق «مَا یُرَی» تختلف كثيراً عن مصاديق «مَا یُؤْکَلُ»؛ فـ «مَا یُرَی» تعني كل ما يرى، ومن الواضح أن دائرة المرئيات أوسع بكثير من دائرة المأكولات. فالآن ولأن دائرة المأكولات أقل بكثير من دائرة المرئيات، فهل يمكننا القول إن وحدة السياق تقتضي أن تكون موارد المأكول هي عين موارد المرئي أو العكس؟ هل يمكننا فعل ذلك؟ قطعاً لا. لذا فهو يقول إن وحدة السياق لا يمكنها إثبات الاختصاص بالشبهات الموضوعية، أو بتعبير آخر، لا يمكن إخراج الشبهات الحكمية من دائرة الحديث.