The news is by your side.

الدرس التاسع والستون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس التاسع والستون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: الرفع الظاهري أم الواقعي؟ – تتمة كلام الشهيد الصدر – الإشكال في ظاهرية الرفع

18 جمادى الآخرة 1444 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

ينصب البحث على الشواهد والأدلة الدالة على ظاهرية «الرفع» في «رفع ما لا يعلمون». وقد بيّنا سبعة شواهد وأدلة على هذا الأمر، والتي واجه الكثير منها إشكالات بطبيعة الحال، غير أن ما تفضل به المحقق العراقي كان الأقوى من بين سائر الوجوه.

ولما كان الشاهدان السادس والسابع مأخوذين من كلمات الشهيد الصدر، فقد تعرضنا لكلامه (قدس سره) بالمناسبة. بيد أن لكلامه تتمة لا يخلو ذكرها من فائدة.

تتمة كلام الشهيد الصدر

قبل أن نذكر الشاهد السادس، قلنا إن كلام الشهيد الصدر يشتمل على عدة أقسام. فقِسم منه ذو جنبة سلبية إزاء الرفع الواقعي، وقسم آخر ذو جنبة إيجابية إزاء الرفع الظاهري، وله قسم ثالث أيضاً. وإلى هنا بيّنا الجنبة السلبية. وقد ذكرنا الشاهدين الدالين على الرفع الظاهري (وقلنا إنهما في الواقع يدلان على عدم كونه واقعياً). وهذا يرجع إلى عدة جلسات خلت. (يرجى الالتفات إلى مسار هذا البحث).

لقد صرح الشهيد الصدر في قبال القائلين بواقعية الرفع، بامتناع كون هذا الرفع واقعياً. وكان الشاهدان السادس والسابع في الحقيقة إجابتين من الشهيد الصدر على التقريرين اللذين أقيما لإثبات واقعية الرفع.

والنتيجة أن الشهيد الصدر قرر بالدرجة الأولى أن هذا الرفع ليس واقعياً.

وإذا قلنا إن هذا الرفع ليس واقعياً، فيمكن أن يكون ذلك ملازماً لكونه رفعاً ظاهرياً، رغم أنه (قدس سره) يصرح بأننا نستطيع القول بظاهرية هذا الرفع لجهتين ودليلين، وهذا هو عينه البعد الإيجابي لكلام الشهيد الصدر، والذي سبق ذكره بالطبع في طيات الكلام، وإنما يُستعرض هنا من باب التأكيد فحسب.

فهو يقول إننا نستظهر من حديث الرفع أن «الرفع» في هذا الحديث ظاهري لا واقعي، وذلك لنكتتين:

النكتة الأولى: إن تلك المؤونة والعناية التي نفتقر إليها في مورد الشبهة، لازمة على كل حال؛ سواء اعتبرنا الرفع واقعياً أم ظاهرياً، لكن الرفع يُحمل على الرفع الظاهري؛ لأن القائلين بالرفع الواقعي كانوا يقولون إن الرفع الظاهري يحتاج إلى مؤونة وعناية زائدة، بينما هو يقول إننا نملك هذه المؤونة الزائدة في كل الأحوال، غاية الأمر أنه لما كان الرفع الواقعي يستلزم أمراً محالاً، فلا مناص لنا من الإذعان للرفع الظاهري. وذلك الأمر المحال هو أننا لو اعتبرنا الرفع واقعياً، للزم أن يتقيد التكليف الواقعي بالعلم، وهذا محال.

إذن، يجب علينا في كل الأحوال قبول هذه العناية والمؤونة الزائدة، ولكن لما كان الحمل على الرفع الواقعي مستلزماً لأمر محال، فنحن مضطرون لحمله على الرفع الظاهري.

النكتة الثانية: إن ظاهر حديث الرفع هو أنه لو لم يكن حديث الرفع، لجُعل المرفوع. فظاهر «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو أنه لولا هذا الحديث، أي لولا هذا اللطف ولولا أن الله تعالى أراد رفع «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، لبقي هذا على الأمة؛ فـ «لولا هذا الحديث لكان المرفوع موضوعاً على الأمة»، أي لو لم يكن هذا الحديث، لجُعل ما هو مرفوع على الأمة ولم يُرفع، وهذا «لا يناسب إلا الرفع الظاهري»، ولا ينسجم إلا مع الرفع الظاهري. ولذا، فهو ينفي الرفع الواقعي ويستظهر الرفع الظاهري معاً.

وما قلناه حتى الآن هو في الواقع عصارة المطالب التي أشرنا إليها في طيات الأبحاث السابقة، وإلا فليس بالمطلب الجديد كثيراً.

وخلاصة القول إن الشهيد الصدر يرد قول القائلين بأن الرفع في هذا الحديث بمعنى الرفع الواقعي، كما أنه هو نفسه يستظهر الرفع الظاهري من هذه الرواية. وهاتان النكتتان هما دليلاه أيضاً. أي إن استظهار الرفع الظاهري من حديث الرفع يبتني على النكتتين اللتين بُيّنتا.

الإشكال في ظاهرية الرفع

إن المُشكِل الذي أورد على الاستدلال بحديث الرفع على البراءة (بعد أن قال إننا لا يمكننا الاستدلال بحديث الرفع لأنه خلاف الظاهر) يقول: «ولا أقل من أنه ليس ظاهراً في الرفع الظاهري فيكون مجملاً».

ويقول الشهيد الصدر: حتى لو كان هذا الحديث مجملاً كما ذهب إليه هذا المُشكِل، أي متردداً بين الرفع الواقعي والظاهري، فإنه يثبت الرفع الظاهري لا محالة أيضاً.

إذن، ينبغي أولاً معرفة ما هو كلام المُشكِل، ثم يتضح بعد ذلك رد الشهيد الصدر ومدعاه. ونحن معنيون أكثر بمدعى الشهيد الصدر؛ حيث يقرر أنه حتى لو قيل بوجود إجمال في حديث الرفع من جهة الرفع الظاهري أو الواقعي، فإن الرفع الظاهري قابل للإثبات أيضاً.

وقد عرضنا في حينه أن حديث الرفع إنما يدل على البراءة الشرعية في حال كان الرفع رفعاً ظاهرياً. فإذا لم نتمكن من إثبات ظاهرية الرفع في حديث الرفع، فلن يجدي نفعاً في إثبات البراءة. والنزاع برمته يدور حول هذا المطلب، وإلا فلماذا نسعى جاهدين للقول بأن هذا الرفع ظاهري وليس واقعياً؟ وذلك لكي يكتسب صلاحية الاستدلال به على البراءة الشرعية.

وبناءً على هذا المبنى، قال المُشكِل إنه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية والحديث؛ لأنه لو حُمل على الرفع الظاهري لكان خلافاً للظاهر. فأجاب الشهيد الصدر بأنه ليس خلافاً للظاهر، وإن كان كذلك فهو مما لا بد منه، ولا حيلة لنا غير ذلك.

وفي المرحلة اللاحقة، يقول المُشكِل: إذا كنتم لا تقبلون بأن هذا الرفع واقعي، فإنه لا ظهور له في الرفع الظاهري أيضاً. فيكون مجملاً، أي إن الحديث يكتنفه الإجمال من هذه الجهة، ولذا لا يصلح للاستدلال به على البراءة.

إذن، أحد الإشكالات المهمة الواردة على الاستدلال بهذا الحديث لإثبات البراءة هو أن هذه الرواية مجملة، ولا يُعلم ما إذا كان المقصود من الرفع هو الرفع الواقعي أم الظاهري، وإذا كانت مجملة فلا تصلح للاستدلال.

الجواب

في المقابل، يقرر الشهيد الصدر أنه حتى لو كان هذا الحديث مجملاً، أي متردداً بين الرفع الواقعي والظاهري، فإن النتيجة تظل صالحة للاستدلال ومفيدة فيه. وذلك لأن الحديث يقول «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، و«لَا يَعْلَمُونَ» تعني ذلك الشيء المشكوك من التكليف، أي موارد الشك في التكليف. فذلك التكليف الذي تشكون فيه قد رُفع. ونحن على يقين من أن ما نشك فيه، أي ذلك التكليف المشكوك، لا يختص بالعالم بل يعم الجاهل أيضاً؛ لأنه من المحال أن يختص بالعالم. وبناءً عليه، فكأننا نشك في أنه هل خُصص ذلك التكليف في حق من يشك أم لا؟ لذا فهو من موارد الشك في التخصيص، وفي المورد الذي نشك فيه في تخصيص عام أو مطلق، فإننا نأخذ بإطلاقه، والأخذ بالإطلاق معناه أن الرفع هاهنا رفع ظاهري لا محالة.

بعبارة أخرى، يقول المُشكِل: إن هذا الرفع مجمل؛ لأنه متردد بين الرفع الظاهري والواقعي. وإذا كان مجملاً ولم يُعلم هل الرفع ظاهري أم واقعي، فلا يمكننا الاستدلال؛ لأنه يجب أن يكون معلوماً أن المقصود من هذا الرفع هو الرفع الظاهري، فإذا كان مجملاً فلن يعود هناك إمكان للاستدلال. وإذا كان المقصود من الرفع هو الرفع الواقعي، فهذا لا ينفع في إثبات البراءة، لذا يجب أن يكون المقصود من الرفع هو الرفع الظاهري، بمعنى أن عموم هذا الدليل وإطلاقه بلحاظ الشك في التكليف يشمل هذا الفرض أيضاً. ومثاله أن يقول دليل: «أكرم العلماء»، فهذا عام، أو أن يكون لدينا دليل مطلق، ثم نشك في أن هذا الدليل العام قد خُصص بلحاظ مجموعة أو صنف أو شخص ما؛ فهل «أكرم العلماء» قد خُصص بالنسبة للشعراء بناءً على كون الشعراء من العلماء، أم خُصص بالنسبة لفساق العلماء أم لا؟ فإذا شككتم في التخصيص، فإنكم تأخذون بالعموم أو الإطلاق، وتقولون: نأخذ بإطلاقه ونعتبر الحكم شاملاً لهذا المورد المشكوك. ففي كافة موارد الشك في التقييد والشك في التخصيص، نتمسك إما بأصالة العموم أو بأصالة الإطلاق.

وهنا أيضاً، فإن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني أنه قد رُفع عنكم ما لا تعلمونه، أي ذلك التكليف المشكوك لكم، وهي الموارد التي تشكون في التكليف فيها؛ لكن التساؤل هو: هل تلك الموارد التي نشك فيها مختصة بالعالم بهذا الحكم، أم تعم غير العالم أيضاً؟ فتلك التكاليف التي ليست مشكوكة خارجة عن محل البحث، ولكن هل هذه التكاليف مختصة بالعالم أم لا؟ نحن على يقين من أنها لا تختص بالعالم؛ فكل تكليف مشكوك، أي كل تكليف لا تعلمونه، قد رُفع عنكم، والفرض أيضاً أنه لا يختص بالعالم. وهذا يعني أن تلك التكاليف ثابتة للجاهل أيضاً.

والآن، هل يمكن لرفع التكليف الذي يشمل الجاهل أيضاً أن يكون رفعاً واقعياً؟ يقول الشهيد الصدر إن هذا رفع ظاهري لا محالة. فإطلاق أو عموم هذه الموارد يقتضي أنه لو كان هناك حكم مشكوك وكنا على يقين من عدم اختصاصه بالعالم، فإذا شككنا في أنه قد رُفع أم لا، قلنا إن هذا الحكم باقٍ على إطلاقه وعمومه. لذا، في كل الأحوال، حتى لو كان الرفع مجملاً ولم يُعلم هل أُريد به الرفع الظاهري أم الرفع الواقعي، فإن النتيجة القهرية لذلك هي كونه رفعاً ظاهرياً.

إذن، فهو (قدس سره) يقرر أنه: «لا محالة يثبت أن الرفع ظاهري»؛ فلو كان مجملاً، فالنتيجة هي ذاتها، والحديث مفيد وصالح للاستدلال. وإلا فإنه هو نفسه لا يقبل بالإجمال إطلاقاً؛ إذ يرى أن له ظهوراً في الرفع الظاهري، لكنه في سياق الرد على المُشكِل يقول: حتى لو كان هذا الحديث مجملاً، فإنه يثبت أن الرفع ظاهري أيضاً.

لقد كنا نبحث حتى الآن حول كلمة “الرفع”. ولكن لكي يُدرس هذا الحديث بدقة، يتعين علينا دراسة مفرداته وأجزائه. فكانت المفردة الأولى التي خضعت للدراسة هي «الرفع». وفي الرفع نفسه، يُطرح هذا البحث وهو: هل هذا الرفع ظاهري أم واقعي؟

السؤال: …

الأستاذ: إن أقوى دليل وشاهد من بين الشواهد التي بيّناها، هو ما تفضل به المحقق العراقي. وهناك أجبنا حتى عن الإشكال الموجه لكلامه.

وكانت النتيجة أنه لا توجد مشكلة في الاستدلال من هذه الجهة؛ لأنه لو ثبت أن هذا الرفع واقعي، فلن يجدي نفعاً في الاستدلال بعد ذلك، وقد تبيّن إلى هنا أنه لا مشكلة من هذه الجهة.

مبحث الجلسة المقبلة

وفي «مَا لَا يَعْلَمُونَ» أيضاً، يجب النظر في المقصود من “ما” الموصولة، وإلامَ تشير «لَا يَعْلَمُونَ»، ومن ثم نخرج بحصيلة شاملة.