The news is by your side.

الدرس الستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الستون

أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الأول: معنى الرفع – القول الأول ودراسته – القول الثاني

29 جمادى الآخرة 1404 هـ

خلاصة الجلسة الماضية

تم الفراغ من دراسة حديث الرفع من جهة السند؛ وحاصل ما تقرر -كما أفاد المشهور- هو وصف هذا السند بالصحة والاعتبار. بل إننا أقمنا البرهان على أنه حتى لو وقعت وجوه التصحيح السندي مورداً للمناقشة والإيراد، فإن الرواية تبقى محكومة بالاعتبار حتماً نظراً لإنفاذ عمل المشهور لها وجبرهم للضعف الموهوم، وإن كانت أدلة الصحة تامة ومستقرة في ذاتها.

دراسة دلالة حديث الرفع

ينعطف البحث الآن نحو جهة الدلالة في هذه الرواية الشريفة. والفراز المحط للنظر ومحل الاستدلال من بين الفقرات التسع المذكورة هو قوله (عليهم السلام): «رُفع ما لا يعلمون». وتتألف هذه الفقرة صناعياً من أجزاء ثلاثة: الأول: نفس كلمة «رُفع»، والثاني: اسم الموصول «ما»، والثالث: صلة الموصول «لا يعلمون». ولكل جزء من هذه الأجزاء أبحاث ومسائل مستفيضة، ونحن نبتدئ بالبحث من الجزء الأول وهو لفظ «رُفع».

الجزء الأول: الرفع

ينبغي تتبع مسائل عدة تحيط بكلمة «الرفع»:

  • المسألة الأولى: هل استُعمل هذا اللفظ في معناه الحقيقي والأصلي، أم أنه استُعمل في معنى «الدفع»؟ وإذا كان مستعملاً في معنى الدفع، فهل هذا الاستعمال من قبيل الحقيقة أم المجاز؟

  • المسألة الثانية: ما هو المراد من هذا الرفع المقرَّر؟ هل هو الرفع الواقعي الثبوتي أم الرفع الظاهري الإثباتي؟

وتدور حول هذين المطلبين -ولاسيما الثاني منهما- أبحاث مفصلة نسبياً.

المطلب الأول: معنى الرفع

تتمحض معالجة المطلب الأول في تبيين حقيقة المعنى المراد من «الرفع» هاهنا. وقبل سرد الأقوال المستقرة في الباب، يلوح من الضروري تقديم بيان موجز يوضح مفهومي «الرفع» و«الدفع» والتمايز المفهومي بينهما، لتشرع بعد ذلك محاكمة الأقوال.

فـ «الرفع» بحسب الوضع يقع في المورد الذي تحقق فيه الشئ ووجد في الخارج وكان مقتضي بقائه واستمراره متوفراً، فإذا جرى الحيلولة دون تأثير ذلك المقتضي -أو بعبارة أخرى: أُوجد مانع يمنع المقتضي من تمديد أثره- يتحقق عنوان الرفع.

أما «الدفع» فيتصور في الفرض الذي توفر فيه مقتضي تحقق الشئ وولادته، إلا أن الشئ نفسه لم ينل حظاً من الوجود الخارجي بعد؛ فإذا مُنع المقتضي من التأثير والإحداث قبل تولد الشئ، كان المورد مورداً للدفع.

فالتحصيل الصياغي أن الرفع هو المنع من تأثير المقتضي بعد رتبة وجود الشئ وإيجاد المانع في مرحلة البقاء، بينما الدفع هو المنع من تأثير المقتضي قبل رتبة حدوث الشئ ووجوده.

وبالالتفات إلى هذين الاصطلاحين والتعريفين، يظهر بدواً ثبوت التباين الكلي بين العنوانين؛ إذ المانع في الرفع يتوجه نحو المقتضي درءاً لاستمراره في مرحلة البقاء، بينما المانع في الدفع يتوجه نحو المقتضي منعاً لولادته في مرحلة الحدوث. فالدفع ممانعة للتأثير حدوثاً، والرفع ممانعة للتأثير بقاءً.

وبعد إحراز هذا التمايز، يتعين استعراض الأقوال الثلاثة في معنى الرفع:

  • القول الأول: وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني (رحمه الله) من أن «الرفع» هاهنا مستعمل في معنى «الدفع»، وأن هذا الاستعمال حقيقي لا مجازي.

  • القول الثاني: ويقابله مذهب جماعة آخرين يقرون باستعمال «الرفع» في معنى «الدفع»، غير أنهم يصفون هذا الاستعمال بالمجازاة لتباين المفهومين، ويرون افتقاره لعلاقة مسوِّغة وعناية تفكيكية.

  • القول الثالث: أن الرفع هاهنا مستعمل في معناه الأصلي والموضوع له دون معنى الدفع.

القول الأول

يذهب المحقق النائيني إلى أن الرفع في قوله «رُفع ما لا يعلمون» هو في الحقيقة بعینه معنى الدفع؛ صياغته: أن الحكم التشريعي أساساً لم يُجعل ولم يحدث في هذه الموارد المخصوصة كعناوين عدم العلم، والاضطرار، والإكراه، ونظائرها (إذ البحث لا ينحصر في مالا يعلمون بل يستوعب الفقرات التسع برمتها). فعليه، يكون مآل «رُفع ما لا يعلمون» انتفاء جعل وثبوت أي حكم في موارد الجهل والاضطرار والإكراه رأساً؛ لا أن الحكم قد وُجد وأُحدث ثم جرى سحبه وإزالته؛ إذ لو أُريد من الرفع معناه الأصلي لزم من ذلك سبقية ثبوت الحكم وجعله وإنشائه ثم رفعه في هذه الموارد. وهذا شق المطلب الراجع لأصل المعنى.

وأما ما يرجع لجهة الاستعمال، فيلتزم (قدس سره) بانتفاء المجازية بالكلية؛ نظراً لاتحاد الجذر الحقيقي للمفهومين؛ مانعاً من دعوى التباين؛ والوجه والمسوغ الذي يصحح عنده استعمال الرفع في مقام الدفع بلا عناية ولا تجوز هو: أنه كما أن حدوث الشئ يفتقر علة، فإن بقاء الشئ واستمراره محتاج إلى العلة تساوقاً وتماثلاً؛ فالمنع من تحقق العلة -سواء كانت علة حدوث أم علة بقاء- يستوي في وزان واحد، وحاجة الشئ إلى العلة في مرحلة البقاء كحاجته إليها في مرحلة الحدوث؛ وعليه فلا ينقدح أدنى محذور في استعمال لفظ الرفع في مقام الدفع، ولا حاجة لتكلف علاقة مجازية، بل الاستعمال حقيقي محض (بلاعناية وتجوّز).

دراسة القول الأول

وقد واجه هذا التقریر من المحقق النائيني إشكالات في الكلمات.

الإشكال الأول

أنه تبيّن في وجه الفرق بين الرفع والدفع ثبوت التباين الوجداني والظاهري بين المفهومين لغة وعرفاً بشكل جلي؛ إذ الدفع يُطلق في الموضع الذي لم يوجد فيه الشئ بعد ويُمنع حدوثه، والرفع يقع فيما وجد الشئ ويُقطع استمراره بقاءً. والوجدان العرفي حاكم بهذا التباين؛ ومثاله الجاري في الاصطلاح الطبي: التفرقة الحاسمة بين عنواني “الوقاية” و”العلاج”؛ فالوقاية هي الدفع، والعلاج هو الرفع. ومتى ثبت التباين لغة وعرفاً، فإن استعمال اللفظ درءاً لمعنى يباين معناه الأصلي لا ينعقد إلا مجازاً، بشرط توفر واحدة من العلائق المسوّغة للمجاز في المورد.

الإشكال الثاني

هل مجرد اشتراك الحدوث والبقاء في مطلق الحاجة إلى العلة ينهض مسوِّغاً للاستعمال الحقيقي؟ لقد جعل المحقق النائيني هذا الاشتراك الفلسفي كاشفاً عن حقيقية الاستعمال بلا عناية؛ بيد أن الأمر ليس كذلك صياغةً؛ وإلا لساغ لنا القول: إن من بين الألفاظ الموضوعة للموجودات الخارجية، السماء زرقاء والبحر أزرق، وكلاهما شاسع لا يُرى منتهاه، وثمة اشتراکات وفيرة تجمع بينهما؛ فهل يسوغ هذا الاشتراك إطلاق لفظ السماء على البحر بلا عناية وتجوّز (أي على وجه الحقيقة)؟ كلا قطعاً؛ لأن أحدهما راجع لعالم التكوين والواقعية، والآخر يدور في فلك الاعتبار والوضع الفظي؛ والاشتراك التكويني لا يصحح وضعاً ولا استعمالاً حقيقياً للفظ في غیر ما وُضع له.

ومع قيام هذا التمايز المفهومي الصارخ، يبدو ادعاء المحقق النائینی استعمال الرفع في مقام الدفع بلا عناية وتجوّز أمراً مستغرباً جداً، وهو ما جعل فرمایشه محطاً للإشكال والمنع.

القول الثاني

والوجه الثاني في الباب يقرر أن «الرفع» هاهنا بمعنى «الدفع»؛ بملاك أن الأحكام قد جُعلت بنحو العموم والاطلاق، غير أنها لا استمرار لها في این الموارد؛ أي أن مقتضي البقاء ينعدم، وتأتي هذه العناوين الطارئة كـ «ما لا يعلمون» و«ما اضطروا إليه» لتمنع المقتضي من إنفاذ أثره بقاءً وتصد الحكم عن الاستمرار. فالرفع في هذه الموارد مستعمل في معنى الدفع؛ نظراً لثبوت أصل الحكم (إذ الحكم مجعول من البدء بغض النظر عن طروء الجهل).

بيد أن هناك تصويرات أخرى في كلمات أصحاب هذا القول؛ فبعض من يرى استعمال الرفع بمعنى الدفع، يصيغ المطلب كالتالي: إن هذا الحكم مجعول بصفة عامة وشامل لجميع الحالات والظروف وهو ثابت في حق الجميع، غير أنه في هذه الموارد المخصوصة ينقطع استمراره ويُمنع بقاؤه.

وتذهب طائفة أخرى إلى تصوير المطلب بصياغة مغايرة؛ حيث يفسرون «الرفع» باللحاظ والقياس إلى ثبوت هذه الأحكام وتشريعها في حق الأمم السابقة؛ إذ المفروض أن الرفع لا يصدق إلا في مورد ثبت فيه حكم فجاء الرافع ليزيله ويمنع تأثير مقتضيه بقاءً، فلا بد من فرض ثبوت مسبق للحكم.

فعلى الوجه الأول، يكون ثبوت الأحكام مفروضاً في نفس هذه الشريعة الغراء. وعلى الوجه الثاني، يكون ثبوت الأحكام متحققاً في الأمم السابقة؛ فيكون «الرفع» في الحقيقة ارتفاعاً للأحكام التي كانت ثابتة على من كان قبلنا. ويشهد لهذا الوجه تقييد الحديث بقوله «عن أمتي»، مما ينبئ عن قرينة كاشفة بأن هذه الأحكام كأنها كانت ثابته ومستقرة في السابق بلا فرق بين حالتي الاضطرار وعدمه، أو الإکراه وعدمه، أو العلم والجهل؛ فلما جاءت هذه الأمة، ارتفعت عنها تلك الأحكام الشاقة حتى درءاً في هذه الموارد التسعة.

السؤال:

الأستاذ: هذه المسألة وقعت ورشة طويلة للأخذ والرد بين الأعلام؛ وأنا هاهنا أقتصر برسم معالم الآراء والاتجاهات. نعم، المورد قابلاً للإشكال والخدشة. فالأتجاه الأول -وهو مبنى المرحوم النائيني القائل بأن الرفع بمعنى الدفع حقيقة وبلا عناية- قد زيفناه وأسقطناه؛ ويتبقى لدينا اتجاهان: أحدهما: أن الرفع مستعمل في معنى الدفع مجازاً؛ أي أن هذه الأحكام غير ثابتة في نفس الشريعة من البدء في موارد الاضطرار، فالرفع في مقام الدفع مجازاً. والاتجاه الثالث -وهو ما أومأنا إليه- أن الرفع مستعمل في معناه الأصلي والموضوع له؛ بيد أن تصحيح استعماله في معناه يفتقر فرض ثبوت مسبق للحكم ليصح رفعه، ولتخريج هذا الثبوت طُرح وجهان: إما الثبوت في نفس الشريعة وجاء الاضطرار مانعاً من بقائه، وإما الثبوت والتشريع في حق الأمم السابقة وجاء الرفع بلحاظ اعتباره.

وعليه، ينحصر المدار في أن الرفع هل هو باقٍ على معناه الأصلي أم أنه مستعمل في معنى الدفع، وتأتي التصویرات والوجوه في المرتبة اللاحقة في الأهمية.

وهنا يذهب جمع من الأعاظم والأكابر إلى أن این المعالجة برمتها عارية عن الثمرة العملية والآثار الفقهية؛ فهو بحث غير مهم جرى إطالته وتضخيمه بلا موجب صناعي، ويكفي الفقيه الحصول على إطلاع عابر بحدود المسألة. ومن هنا، لا نرى موجباً للاستغراق في محاكمة وموازنة الاتجاهين الثاني والثالث؛ بعد أن فككنا الاتجاه الأول وأقصيناه.

بحث الجلسة القادمة

نكتفي بتقديم خلاصة موجزة لما استقر عليه اللفظ في معناه الاستعمالي، لننتقل بحول الله في الجلسة المقبلة إلى معالجة المسألة الثانية: هل هذا «الرفع» رفع واقعی ثبوتي أم رفع ظاهري إثباتي؟