The news is by your side.

الدرس السادس والثلاثون، المقدمات، المقدمة الحادية عشرة

الدرس السادس والثلاثون
المقدمات – المقدمة الحادية عشرة: تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر – الجهة الثانية: تقدم بعض الأصول العملية الشرعية على بعض الأصول العملية الشرعية الأخرى

18 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دارت المقدمة الحادية عشرة حول تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر. وذكرنا أننا نبحث في هذه المقدمة جهتين. الجهة الأولى: تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية. وقد خضعت هذه الجهة للدراسة، وبُيّن وجه تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية. وقلنا إن هذا التقدم إما بلحاظ ملاك الورود وإما بلحاظ «الحكومة»، وأوضحنا كلا الوجهين.

الجهة الثانية: تقدم بعض الأصول العملية الشرعية على بعض الأصول العملية الشرعية الأخرى

أما الجهة الثانية، فتدور حول تقدم بعض الأصول العملية الشرعية على بعض الأصول العملية الشرعية الأخرى؛ أي “تقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة”؛ فالأصول المحرزة كالاستصحاب، والأصول غير المحرزة كالبراءة.
وقد بيّنا في المقدمة العاشرة مطالب حول هاتين الطائفتين من الأصول، وأوضحنا الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة. وبغض النظر عن الإبهامات التي تكتنف كلام المحقق النائيني، والتفاسير التي قدمت لكلامه، فقد ذُكرت احتمالات بشأن الأصول المحرزة وغير المحرزة، وبيّنا سبعة احتمالات.
وقد تقرر رأينا في الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة أن الأصول المحرزة هي تلك الطائفة من الأصول التي يُؤمر فيها بترتيب جميع آثار الواقع؛ أي إن الأصول التي نُؤمر بإجرائها بترتيب كافة آثارها، هي الأصول المحرزة. أما الأصول غير المحرزة، فلا يترتب عليها سوى بعض الآثار. وقد ذكرنا مثالاً على ذلك؛ فمثلاً، من استصحب الطهارة، يسعه أن يصحح بها الصلاة التي صلاها، والصلاة التي يروم أداءها معاً. فهذا ترتيب لجميع الآثار. فلو كان متطهراً واقعاً، فكيف كان ليعمل؟ فحينما كان متيقناً من الطهارة، كان ليصلي العصر بذلك اليقين عينه، فضلاً عن صحة صلاة ظهره. والاستصحاب كذلك؛ فباستصحاب الطهارة، تبرأ ذمته من صلاة الظهر التي صلاها، ويسعه أن يصلي بها صلاة العصر أيضاً. أما بأصالة الحلية أو الطهارة، فلا تصح إلا الصلاة التي صلاها، ولا يسعه أن يصلي بها الصلاة اللاحقة. فهذا هو ترتيب جميع الآثار أو بعض الآثار. وقلنا إن هذا الفارق يحظى بأرجحية تقريبية مقارنة بسائر الاحتمالات، وأن الفارق بين الأصول المحرزة والأصول غير المحرزة هو هذا عينه.

والآن، في المورد الذي يُمكن فيه إجراء أصل محرز كالاستصحاب، وأصل البراءة معاً، ونظراً لكون نتيجتهما متباينة، بحيث يُثبت أحدهما التكليف وينفيه الآخر (إذ لو آلا لنتيجة واحدة، لما كان لتقدم أحدهما معنى، أو لقلّ الاهتمام به). فلدينا أصل محرز يسمى الاستصحاب (على سبيل المثال) وأصل غير محرز كالبراءة الشرعية. (فقد أوضحنا البراءة العقلية يوم أمس)؛ يتقدم الاستصحاب على البراءة الشرعية قطعاً. لماذا؟ لأن البراءة الشرعية مستندة لحديث الرفع: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُونَ»؛ أي إن ما لا تعلمونه قد رُفع عنكم. فالرفع متعلق بـ “عدم العلم”. فإذا تحقق “عدم العلم”، كان رافعاً للتكليف، سواء كان مرتبطاً بالمؤاخذة أم بأمور أخرى، وهو ما لا شأن لنا به حالياً.

أما أدلة الاستصحاب، فمفادها “عدم نقض اليقين بالشك”؛ أي إن اليقين لا يُنقض بالشك. ومعنى “عدم نقض اليقين بالشك” هو أن الشك المسبوق بيقين، يُنزّل منزلة اليقين نفسه. فلا يُعتد بهذا الشك لينقض به ذلك اليقين. فالشك المسبوق بيقين، يُعد أمراً مستحكماً ومبرماً ببركة ذلك اليقين السابق. فجل التوجه ينصب على ذلك اليقين عينه. أي إنه مع وجود ذلك الأمر المستحكم والمبرم، فلا ينبغي الالتفات لهذا الشك. فـ «لا تنقض اليقين بالشك» يعني ألا تترك ذلك الأمر المستحكم والمبرم -ألا وهو اليقين- وتنقضه بالشك الذي هو أمر غير مبرم وغير مستحكم.

إذن، فمن جهة يقتضي «رُفِعَ … مَا لَا يَعْلَمُونَ» عدم ثبوت أي تكليف في فرض عدم العلم. ومن جهة أخرى، تقتضي أدلة الاستصحاب تنزيل الشك المسبوق بيقين منزلة العلم. وبناءً عليه، يخرج هذا من دائرة «مَا لَا يَعْلَمُونَ». فإلى الآن، كان الشك مصداقاً حقيقياً لـ «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، وهو كذلك واقعاً؛ لأن احتمال الشخص لكلا طرفي القضية هو المصداق الحقيقي لـ «مَا لَا يَعْلَمُونَ». ولكن حينما يُنزّل دليل الاستصحاب الشك المسبوق بيقين منزلة العلم، فإنه يخرجه من دائرة «مَا لَا يَعْلَمُونَ». ولذا قيل إن أدلة الاستصحاب حاكمة على أدلة البراءة الشرعية كحديث الرفع. وبطبيعة الحال، قد لا تكون كافة أدلة البراءة كذلك، غير أن حديث الرفع محكوم لأدلة الاستصحاب على أقل تقدير. فدليل الاستصحاب حاكم على حديث الرفع، ومقدم على البراءة بطبيعة الحال.

ويسري هذا الأمر على سائر الأصول الشرعية أيضاً. ففي الاحتياط الشرعي مثلاً، يحتاط الشخص ليحصل له الاطمئنان أو اليقين بفراغ ذمته من التكليف. والفرض هاهنا أن مستند هذا الاحتياط شرعي: «أَخُوكَ دِينُكَ، فَاحْتَطْ لِدِينِكَ». ومفاد الاستصحاب معلوم أيضاً. ففي أي مورد يدور فيه الأمر بين الاحتياط الشرعي والاستصحاب، يتقدم الاستصحاب بطبيعة الحال؛ لكونه أصلاً محرزاً، وله نحو من الحكومة على دليل الأصل العملي الاحتياطي (حكومة أو وروداً).

والآن يُطرح هذا التساؤل: هل يرتبط هذا الأمر بكون الأصل محرزاً أو غير محرز، أم أننا نلحظ هذين الدليلين أنفسهما؛ أي دليل الاستصحاب ودليل البراءة؟ فبالبيان الذي قدمناه، نجد أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل البراءة. ولكن كيف تُسوغ مسألة الإحراز وعدم الإحراز، بالتفسير الذي بيّناه، هذا التقدم؟ فالأصل المحرز هو الأصل الذي يسعنا فيه ترتيب جميع آثار اليقين عليه. والأصل غير المحرز هو الأصل الذي لا نرتب عليه سوى بعض آثار اليقين. ولذا يتأتى هذا التساؤل: ما وجه الارتباط بينهما؟ بعبارة أخرى: هل مسألة الإحراز وعدم الإحراز بالمعنى الذي ذكرناه، تصلح في حد ذاتها وجهاً لتسويغ التقدم أم لا؟

السؤال: …

الأستاذ: كيف يمكن ألا يكون لها تأثير؟ ألسنا نقول بتقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة؟ وبتقدم الأصول التنزيلية على الأصول غير التنزيلية… يلزمنا النظر في أدلة الأصول واحداً تلو الآخر، ثم ننظر هل تقتضي التقدم أساساً أم لا، وإن كانت تقتضيه، فما وجهه؟

السؤال: … أن تكون محرزة أو لا تكون؟ فلو كانت محرزة، وباستناد «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، فما لا يعلمونه قد خضع للدراسة، ولو كانت محرزة لغدت علماً وإحرازاً للواقع.

الأستاذ: الأصول العملية لا تحرز الواقع. وقد كررت هذا مراراً لئلا يقع اشتباه: إحراز الأمارات يغاير إحراز الأصول.

السؤال: أحدهما إحراز علمي، والآخر إحراز عملي.

الأستاذ: الحكومة تتشكل بهذا الإحراز عينه… كيف؟ انظروا، يقول السيد مكاري إن هذه المسألة (أي حيثية الإحراز) لا تأثير لها؛ فوجود هذه الحيثية وعدمها سيان. وحينما نلحظ الدليل نفسه، نجد أنه مقدم… ولماذا هو مقدم؟ لأن هذين الدليلين عينيهما: «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ» حاكم على «رُفِعَ … مَا لَا يَعْلَمُونَ». ولماذا؟ لأن الشك المسبوق بيقين منزّل منزلة العلم. وبهذا البيان، يخرج من دائرة عدم العلم… هذا ذو إحراز عملي، لا علمي… نحن لا سبيل لنا لإدراك الواقع… أعلم أن هذا إحراز علمي… سيد مكاري، أنتم الذين ترون أن هذا (حيثية الإحراز) لا تأثير له، فما وجه تقدم الأصول المحرزة على غير المحرزة إذن؟ لكل أصل مجراه، ونحن نعمل وفق ذلك المجرى؛ أي في المورد الذي يجريان فيه معاً… أي مورد تقصد؟ … الفرض هاهنا أنه في مورد ما، يمكن جريان الأصل المحرز والأصل غير المحرز معاً… فلو كانت لدينا حالة سابقة لأجرينا الاستصحاب، وإلا لأجرينا موارد أخرى كالبراءة.

وسؤالي هو: إننا نقول من جهة بتقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة. فهل تقبلون بهذا أم لا؟… لماذا تقولون بتقدم الأمارات على الأصول العملية؟ ألا تقبلون بهذه القاعدة؟ لا ريب أن لهذا التقدم ملاكاً ومستنداً؛ فلا يسعنا القول بتقدم الأمارات هكذا بصورة كلية وبلا دليل. وقد وقع الخلاف في وجه هذا التقدم؛ فذهب البعض للقول بالحكومة، وذهب آخرون للورود، وفصّل البعض كالإمام (رحمة الله عليه).

إذن، وفي الأصول العملية أيضاً، حينما نقول إن بعضها محرز وبعضها الآخر غير محرز (وبقول الإمام إن المحرز نفسه ينقسم إلى محرز مطلق ومحرز حيثي)؛ فعلى أي ملاك يبتني تقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة؟ لا بد له من ملاك قطعاً. ولا يمكننا القول إننا نعمل بصورة موردية وكلية فحسب، ونقيس أدلة كل أصل بمفرده.

نعم، يتجلى وجه التقدم ذلك بملاحظة الأدلة. كما نقول هاهنا بتقدم الاستصحاب على البراءة بدليل الحكومة. وبهذا البيان، نكون قد بيّنا ملاك التقدم في حقيقة الأمر. وهذا التوضيح الذي قدمناه كان في الواقع بياناً لوجه تقدم الاستصحاب على البراءة الشرعية، ولم يكن مجرد اختيار لأصل بلا دليل.

وهناك نكتة أخرى… لماذا يُقدم ذلك على المورد الفاقد لمثل هذه السابقة؟ يكمن الرد في التوضيح الذي أسلفناه بدقة.

وخلاصة القول: لو كان الشك مسبوقاً بيقين، لنُزّل منزلة العلم، وهذا ما يخرجه أساساً من دائرة «مَا لَا يَعْلَمُونَ». نعم، هذه هي مسألة الحكومة عينها.

بيد أن البحث والتساؤل الأساسي كان: هل الإحراز وعدم الإحراز (أو التنزيل وعدم التنزيل بناءً على قول) يصلح وجهاً للتقدم أم لا؟

الرجاء التأمل وإمعان النظر في هذا المورد. التساؤل الدقيق هو: نحن ندعي تقدم الأصول المحرزة على غير المحرزة، أو تقدم الأصول التنزيلية على غير التنزيلية. ومثالنا على ذلك تقدم الاستصحاب (كأصل محرز) على البراءة (كأصل غير محرز). وفي معرض إيضاح هذا التقدم، نلحظ أدلة هذين الأصلين فنجد دليل الاستصحاب حاكماً على دليل البراءة. والتساؤل هاهنا: هل الوجه المطروح لتقدم دليل الاستصحاب على دليل البراءة (أو تقديم الاستصحاب على البراءة بصورة عامة) يرتبط بكون هذه الأصول محرزة وتنزيلية أم لا؟ هل هذان الملاكان هما عين بعضهما، أم بينهما فارق؟

الرجاء التأمل في هذه المسألة لنطرحها في جلسة الغد بمشيئة الله.