الدرس الثالث والثلاثون، المقدمات، المقدمة العاشرة
الدرس الثالث والثلاثون
المقدمات – المقدمة العاشرة: تقسيم الأصول العملية إلى محرزة وغير محرزة – جمع الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة – الاحتمالات السبعة – الاحتمال الخامس – الاحتمال السادس – الاحتمال السابع – دراسة الاحتمال الأول – دراسة الاحتمال الثاني – دراسة الاحتمال الثالث – دراسة الاحتمال الرابع
6 جمادى الأولى 1447 هـ
تتمة البحث في الاحتمالات السبعة
لقد عرضنا أن ثمة عدة احتمالات بصورة عامة حول معنى الأصول المحرزة وغير المحرزة، وتعريف هاتين الطائفتين من الأصول وتفسيرهما. وبعض هذه الاحتمالات مستقاة من عبارات مؤسس هذا البحث (أي المحقق النائيني)، في حين لا نجد أثراً لبعضها الآخر في كلماته، بل إن عباراته لا تساعد على بعضها. ولذا، وبغض النظر عن مدى قابلية عبارات المحقق النائيني لاحتمال هذه المعاني، تُطرح هنا عدة احتمالات. وقد بيّنا في الجلسة السابقة أربعة احتمالات، وبقي لدينا ثلاثة احتمالات أخرى سنوردها هاهنا، لننظر بعدها أي هذه الاحتمالات هو الأرجح.
الاحتمال الخامس
الاحتمال الخامس هو أن الأصل المحرز هو الأصل الذي اعتُبر فيه اقتضاء الجري العملي، في حين لا وجود للجري العملي أو اقتضائه في الأصول غير المحرزة. فلو وُجد جري عملي وتطبيق للعمل على مؤدى الأصل، كان الأصل محرزاً؛ أما إن انتفى الجري العملي وتطبيق العمل على المؤدى، وكان مجرد وظيفة ظاهرية وتكليفية يُلزم بها عند الشك، فهو أصل غير محرز.
وبطبيعة الحال، يتجلى الفارق بين الأصول العملية (وفقاً لهذا الاحتمال) والأمارة بوضوح؛ ففي الأمارة لا تُطرح مسألة الجري العملي البتة، بل هي بناء على الواقع أو كاشفة عنه؛ أما هاهنا فالمطروح هو تطبيق العمل أو الجري العملي.
الاحتمال السادس
الأصول المحرزة هي الطائفة التي يتوفر فيها الجري العملي والبناء على الواقع معاً. أي إن الأصول المحرزة تشتمل على الجري العملي وتطبيق العمل على المؤدى، بالإضافة للبناء العملي على الواقع. وهذا القول لا يعني الكاشفية عن الواقع، بل هو بناء عملي على الواقع. وقد ورد هذا التعبير في عبارة المرحوم النائيني نفسه: «وهو الجري والبناء العملي على الواقع»؛ أي البناء العملي على ثبوت الواقع. أما في الأصول غير المحرزة، فالجري العملي متعلق بأمر آخر: «الجري والبناء العملي على أحد طرفي الشك»؛ أي لا بناء عملياً على الواقع هنا، بل بناء عملي على أحد طرفي الشك. وقد ذُكر هذا المطلب في الكتاب، وهو تعبير المحقق النائيني عينه.
فما الفارق بينهما؟ حينما نقول الجري والبناء العملي على ثبوت الواقع، فمعناه أن يبني عملياً على أن ذلك هو الواقع. وهذا يغاير الكاشفية عن الواقع. أما الأصول غير المحرزة كالبراءة، فهي مجرد جري وبناء عملي، ولكن على أحد طرفي الشك. ففي البراءة، يقع الجري العملي على نفي التكليف (وهو أحد طرفي الشك)؛ لأن أحد طرفيه هو التكليف، والآخر هو عدم التكليف. فالبناء العملي هنا يقع على عدم التكليف. أو في الاحتياط مثلاً، يقع البناء العملي على ثبوت التكليف، ويقابله عدم التكليف. ففي الاحتياط، يُرجح أحد طرفي الشك ويُبنى عليه عملياً (وهو ثبوت التكليف)؛ أما في البراءة، فالبناء العملي يقع على عدم التكليف، وهو أحد طرفي الشك أيضاً.
الاحتمال السابع
الاحتمال السابع هو أن الجري العملي غير منظور أساساً، لا في الأصول المحرزة ولا في غير المحرزة؛ أي إن التطبيق والجري العملي لم يُجعل في الأصول العملية المحرزة، تماماً كما هو الحال في غير المحرزة، غاية الأمر أن المنظور في الأصول غير المحرزة هو البناء العملي على أحد طرفي الشك فحسب. فكأنهم يقولون: اجعلوا البناء العملي على أحد طرفي الشك. أما في الأصول المحرزة فنبني على أن أحد الطرفين هو الواقع.
دراسة الاحتمالات السبعة
لو أردنا اتخاذ أقوال الأعلام معياراً، واستخراج احتمالات أخرى من عباراتهم -في مقام الثبوت- لأمكننا ذكر أكثر من هذه الاحتمالات. فهذه هي الموارد التي طُرحت تقريباً في العبارات، أو أن بعض العبارات تشعر بنحو من الأنحاء بهذه الاحتمالات.
وبالتأكيد، لا يسعنا استخلاص بعض هذه الاحتمالات من عبارات المحقق النائيني (كما أشرنا لذلك مراراً)؛ غير أن بعضها الآخر قابل للاستفادة من عباراته.
والمجموع هو هذه الاحتمالات السبعة المذكورة هاهنا. ولكن لنتأمل الآن: هل هذه الاحتمالات مستقلة عن بعضها حقاً ولا تؤول إلى بعضها البعض، أم أننا لو أنعمنا النظر في هذه الاحتمالات السبعة لوجدنا أن بعضها يؤول إلى البعض الآخر؛ فحقيقة هذه الاحتمالات وماهيتها ليست بمنأى عن بعضها.
وبعد تقليص هذه الاحتمالات، فلننظر أي احتمال يسعنا قبوله والوقوف على دليل له في مقام الإثبات على الأقل؟ فبعض هذه الاحتمالات لا غبار عليها في مقام الثبوت، ولكنها تفتقر للدليل في مقام الإثبات، وتبقى مجرد احتمال. فلا بد أن نرى ما إذا كانت الأدلة قادرة على استيعاب هذا الاحتمال أم لا؟
دراسة الاحتمال الأول
وفقاً للاحتمال الأول، فالأصل المحرز عبارة عن الأصل الذي أُمر المكلف بموجبه بترتيب آثار العلم. أي كأن لدليل الاستصحاب أمراً طريقياً بترتيب آثار العلم واليقين، ويقول: كما كنت ترتب جملة من الآثار لو كان لديك يقين، فإني آمرك الآن أيضاً في حال الشك بترتيب ذات الآثار. أما الأصل غير المحرز، فلا يُستفاد منه مثل هذا الأمر الطريقي بترتيب آثار اليقين، بل هو مجرد ترخيص ظاهري في البراءة، ووجوب ظاهري في الاحتياط، لا غير؛ فهو حكم ظاهري، إما ترخيص وإما وجوب.
وبطبيعة الحال، يُستفاد هذا الاحتمال من كلمات المحقق العراقي. فالمحقق العراقي قد أشار في الواقع لهذه النكتة في مقام بيان الفارق بين الأمارة والأصل. ولكن علينا أن نرى ما إذا كان ثمة دليل على هذا الاحتمال؟ هل تفيد الأدلة مثل هذا الاحتمال؟ فمثلاً «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ»؛ فحينما ينهى عن نقض اليقين بالشك، فهل يعني هذا واقعاً أنك مأمور بترتيب آثار اليقين؟ أم يريد القول في الواقع: إذا كان لديك شك، ففي ظرف الشك عدّ نفسك متيقناً؟
وقد أشار المحقق العراقي نفسه (والمحقق النائيني في بعض المواضع أيضاً) إلى هذه النكتة؛ وهي أن المكلف بصورة عامة متى ما أجرى أصلاً، لزمه ترتيب آثار العلم، ولم يفرقوا بين المحرز وغير المحرز.
وعليه، فيبدو أن المشكلة الأساسية في هذا الاحتمال هي:
أولاً: لا يسعنا استنتاج هذا من الأدلة؛ أي لا دليل عليه في مقام الإثبات.
ثاناً: حتى لو لم يعانِ هذا الاحتمال من مثل هذه المشكلة، فيسعنا القول على الأقل إنه لا ينسجم مع عبارة النائيني. نعم، قد يكون هذا المعنى منظوراً لآخرين، كالمحقق العراقي نفسه؛ ولكن لو كان كذلك، فمشكلته هي عين ما ذكرناه: لا دليل عليه في مقام الإثبات عاقبة المطاف لنقول إن «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ» -مثلاً- يعني رتب آثار اليقين على الشك.
دراسة الاحتمال الثاني
الاحتمال الثاني يقرر أن مفاد الأصول المحرزة هو ترتيب جميع آثار الواقع؛ في حين أن مفاد الأصول غير المحرزة هو ترتيب بعض الآثار.
وسأوضح لكم المراد بـ “جميع الآثار” أو “بعض الآثار” في قالب بيان أورده الإمام (رحمة الله عليه) هاهنا. ففيما يخص الأصول المحرزة، يقول (قدس سره) إن لدينا طائفتين من الأصول المحرزة: 1. أصل محرز مطلق، 2. أصل محرز حيثي. ويمثل للأول بالاستصحاب، وللثاني بقاعدة الفراغ والتجاوز. ويقول: هذا أصل محرز حيثي. فمثلاً، من يستصحب بقاء الوضوء، تترتب عليه كافة الآثار الشرعية (عدا الآثار العقلية). والآثار الشرعية تجدي في صحة الصلاة التي صلاها قبلاً، وللصلاة اللاحقة أيضاً. كأن يصلي الظهر، ثم يشك في الوضوء بين الصلاتين (الشك في الطهارة بهذا المعنى). فحينما يتأمل، يجد أنه كان على طهارة ووضوء قبلاً، فيستصحب بقاء الوضوء. وتثمر نتيجة هذا الاستصحاب في صحة صلاة الظهر التي أداها. وله نتيجة أخرى، وهي أنه يسعه أداء صلاة العصر بهذا الاستصحاب عينه؛ فلا حاجة له بتجديد الوضوء. إذن، فقد ترتبت جميع الآثار.
أما في شأن قاعدة الفراغ والتجاوز، فلو شك شخص في الوضوء بين صلاتين، وأراد العمل استناداً لقاعدة الفراغ والتجاوز، فإن قاعدة الفراغ والتجاوز تصحح صلاة الظهر، ولكنه لا يسعه أداء صلاة العصر استناداً إليها بلا وضوء. ولذا، فقاعدة التجاوز أصل محرز حيثي؛ لاقتصار أثرها على العمل السابق فحسب؛ أما الاستصحاب، فيؤثر من جميع الجهات، لا من حيثية خاصة، فيصحح الصلاة السابقة واللاحقة معاً.
فهل يسعنا قبول هذا الاحتمال أم لا؟ من جهة الفارق بين الأمارة والأصل، يسعنا القول إن اعتبار العلم بجهة الكشف عن الواقع موجود في الأمارات، ولكنه منتفٍ في الأصول العملية. ولذا، فرغم أن مشكلة هذا الاحتمال أخف من الاحتمال الأول، إلا أنه لا يمكن عده احتمالاً مقبولاً.
وصحيح أن عبارات السيد النائيني تشتمل في بعض المواضع على «بناءً على أنه هو الواقع»، ويقول: نبني على أن هذا هو الواقع، ولكن ليس من المعلوم أن يكون المراد هو الآثار. والكاشفية منتفية قطعاً؛ لانتفاء جهة الكشف في الأصول العملية وفقاً لهذا الاحتمال أصلاً. ولكننا لا نرد هذا الاحتمال رداً مطلقاً الآن؛ فلنحتفظ به ريثما ندرس سائر الاحتمالات، ونرى ما هو الحق في المسألة.
دراسة الاحتمال الثالث
الاحتمال الثالث، المستفاد من بعض كلمات المرحوم السيد النائيني والمرحوم السيد الخوئي، هو “التنزيل منزلة العلم”؛ والذي يمكن تفسيره بدوره بعدة أوجه. أي إن ما ليس بعلم، يُنزل منزلة العلم. ولكن الأصول غير المحرزة لا تُنزل منزلة العلم هكذا.
ومشكلة هذا الاحتمال تكمن في أن لسان الأدلة ليس لسان تنزيل. ورغم أن الكثيرين يعتقدون بأنه تنزيل، فالمرحوم الشيخ يعتبر هذا من جنس التنزيل، غاية الأمر أنه يقول “التنزيل منزلة الرافع”، في حين أن بعضهم -كالنائيني نفسه- قالوا بـ “التنزيل منزلة الواقع”. وبينهما فارق. ولكن عاقبة المطاف، فإن تنزيل شيء منزلة شيء آخر وإحلاله محله، أمر يُفتقر لاستفادته من الأدلة. فيجب أن نستفيد هذه الخصيصة وهذا التوجه من الأدلة. ولذا، فالاحتمال الثالث ليس بتام على الأرجح.
دراسة الاحتمال الرابع
الاحتمال الرابع يقرر أن لدينا تعبدين في الأصول المحرزة كالاستصحاب، بينما لا يوجد سوى تعبد واحد في الأصول غير المحرزة. وقد أوضحنا ذلك؛ وقلنا إن ذينك التعبدين هما: التعبد بأصل الطهارة كحكم ظاهري. والتعبد الآخر بأن هذه هي الطهارة الواقعية عينها. إذن، ثمة تعبدان في الأصول المحرزة، بينما يوجد تعبد واحد في الأصول غير المحرزة؛ وهو ذات التعبد بالطهارة كحكم ظاهري. ولا يطرح التعبد الثاني هاهنا البتة.
مشكلة هذا الاحتمال هي أن أدلة أصالة الحلية وأدلة أصالة البراءة لا تسعفه. فمثلاً «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ»؛ لا يرمي للقول: تعبد أنت بهذا كحكم ظاهري، دون أن يكون حلالاً واقعاً. فظاهر دليل أصالة الطهارة وأصالة الحلية هو أنه يتعين عليك ترتيب ذات آثار الحلية والطهارة الواقعية هاهنا عاقبة المطاف. ولا يُستفاد من هذه الأدلة أكثر من ذلك. وليس الأمر كذلك في الاستصحاب. ووجهه جلي أيضاً. فهو يرمي هاهنا في الواقع للقول: رتبوا آثار ذات الحلية الواقعية. ومن هنا، يُطوى هذا الاحتمال أيضاً.
فمن أصل أربعة احتمالات، رُدت ثلاثة احتمالات على الأقل؛ فاحتفظوا بالاحتمال الثاني حالياً، ريثما ندرس الاحتمالات الثلاثة الأخرى، ونستخلص -بمشيئة الله- ما هو الحق في الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة.