الدرس التاسع عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة
الدرس التاسع عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات على الأصول – مواصلة دراسة القول الأول – شرح رسالة الحقوق – أهمية صلاة أول الوقت وآثارها: 1. الحفظ من الغفلة. 2. الراحة عند الموت. 3. انقطاع الهموم والغموم. 4. النجاة من النار
16 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
دار البحث حول الأقوال والآراء المختلفة القائمة في ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية. وبيّنّا أن القول الأول هو مسلك التعارض والتخصيص؛ ومقتضاه تعارض أدلة الأمارات وأدلة الأصول العملية في حيز موضوع مشترك، ومن ثم تقييد أدلة الأصول العملية وتخصيصها ببركة أدلة الأمارات. وعرضنا لوجه هذا التعارض والتخصيص بالتفصيل، كما أردفنا ببيان أهم الإشكالات والإيرادات الموجهة إلى هذا القول والمبنى الأصولي.
وحاصل الكلام بعد استعراض وجوه البحث والرد والقبول والإيرادات والردود المفصلة؛ يؤول بالدقة لكون التعارض والتماثل بين أدلة الأمارات والأصول العملية أمراً قابلاً للتصوير والتقريب في الجملة؛ نظراً لمحاولة تقريب وتصحيح وجه التنافي والتكاذب الحاصل بين دليلي الأصل والأمارة؛ إذ تمثل الإشكال الأكبر في تباين موضوع الدليلين بالكامل وامتناع التعارض بالتبع.
وقد أجبنا عن هذا الإشكال وصححنا التعارض بدعوى استقرارهما معاً في ظرف الجهل بالحكم الواقعي؛ لكون الشارع قد اعتبر حجية كليْهما في هذا الظرف المشترك بالضرورة.
وأما ما ذُكر من تفرقة وتفصيل بین كون الشك قيداً للموضوع في الأصل وقيداً للحكم في الأمارة، فلن يتسنى له إحداث فارق ذي بال علمياً؛ لكون كليْهما يندرج ويستقر في ظرف وعاء الشك والتردد بالوجدان؛ وتجريد هذا التباين ليكون فارقاً لفظياً في لسان الصياغة فحسب، دون أن يتعدى لعمق الواقع، لا ينهض بنفي المعضلة. فدلیل الأصل كاستصحاب مثلاً يقرر لزوم إهمال الشك ورجوع المكلف ليقينه السابق حال عروض التردد والشك لديه؛ فهو تشريع دار مدار ظرف الشك والجهل بالحكم بالتمام. فمتى ما جرى استصحاب الحكم وأُريد الأخذ به، زال موضوع الأمارة وارتفع الشك والجهل بالتبع، فلا يبقى للأمارة مجرى ومحل جريان.
وفي الشق المقابل، يقتضي دليل حجية الأمارة ثبوت مؤداها وحكمها بالتمام، بغض النظر عن جريان استصحاب أو أصل عملي معارض في المورد أو انتفائه. فمتى ما جرت الأمارة وقام خبر الواحد المعتبر مثلاً، زال موضوع الشك والجهل بالواقع الكامن في ركيزة استصحاب الطهارة أو أصل البراءة بالكامل. وعليه، يتسنى لنا تصوير التعارض والتكاذب بين الطائفتين بنحو ما فقهياً.
مواصلة دراسة القول الأول
والتساؤل المطروح: هل يستقيم القول بالتعارض وتخصيص أدلة الأصول بمقتضاه، كالمسلك الذي شيده صاحب الرياض وتلامذته؟ لكون هذا القول يتطابق مع التخصيص بالضرورة؛ فالتعارض يمهد لمعاملة الدليلين معاملة العام والخاص المطلق وتخصيص دليل الأصل بالدليل الخاص للأمارة بالتبع. وحيث يرى صاحب الرياض النسبة بین الدليلين بالعموم والخصوص من وجه بالدقة، إلا أنه يلتزم بمعاملتهما معاملة العام والخاص المطلق بالصناعة؛ مستنداً لقرينة محذور اللغوية المترتب على تقدم الأصل بالبيان المذكور؛ إذ إن تقديم الأمارة على الأصل لا يفضي للغوية الأصول بالكامل، بينما يؤول تقديم الأصل عليها للغوية حجية الأمارات في الشريعة بالتمام؛ نظراً لتوفر مجارٍ وموارد كثيرة للأصول مع انتفاء الأمارة، وامتناع استقرار مجرى واحد للأمارة يخلو من عروض جريان أصل عملي في طوله.
ويلزم من هذا التأسيس ضرورة تخصيص أدلة الأصول العملية بأدلة الأمارات بالتبع؛ وهو ما يؤول لتقديم الأمارة على الأصل؛ لكون الخاص مقدماً على العام بالاصطلاح يقيناً؛ فيثبت تقدم الأمارة بملاك التخصيص. وكأن لسان أدلة الأصول العملية يقرر: الأصل العملي حجة في حق المكلف، إلا أن تقوم أمارة معتبرة على الخلاف.
فهل يستقيم هذا الكلام بالتمام أم لا؟ وهل نصير إلى التعارض والتخصيص أم نأخذ بمسلك الورود أو الحكومة أو التفصيل؟ وقد بيّنا سابقاً اندفاع تلك الإشكالات التي أوردها الأعاظم كالشيخ الأنصاري وغيره؛ كإشكال انتفاء وحدة الموضوع المانع للتعارض؛ بدعوى اتحاد موضوع الدليلين في فرض الجهل بالحكم الواقعي بالتقريب المذكور.
ولكن الإنصاف يقضي بانتفاء اتحاد موضوع الأصول العملية والأمارات بالدقة العلمية؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن الجهل والشك تارة يتعلق بفرض انتفاء الوصول للحكم الواقعي بطريق قطعي؛ كفرض انقطاع الاتصال بالإمام المعصوم (عليه السلام) وامتناع سماع الحكم من فمه شفاهاً بالذات؛ فهنا نطلق عليه الجهل بالواقع. وحال عجزنا عن الوصول للحكم بطريق يقيني، نلتمس كشفه واستنباطه بالطرق العقلائية المعتبرة؛ كالأخذ بخبر الثقة المعتمد؛ لكون العقلاء يعتمدون خبر الواحد طريقاً كاشفاً وسبيلاً موصلاً للواقع بالتبع. ونحن لا نرى وجهاً لإنكار صفة الطريقية الذاتية للأمارة ولخبر الواحد؛ بل إن العقلاء يأخذون بهذا الطريق تفادياً للوقوع في محذور اختلال نظام المعاش المترتب على حصر الأخذ باليقين الوجداني، ورغماً عن ورود احتمال الخطأ والمخالفة واقعاً في خبر الواحد. فالأخذ بالأمارة يرتكز على جهة الطريقية والكشف عن الواقع ذاتاً.
بخلاف الأصول العملية بالكامل؛ فلم يشرع الأصل لجهة الطريقية أو كشف الواقع وإيصال المكلف إليه بالمرة؛ بل يقتصر على رسم وتحديد الوظيفة العملية للمكلف حال عجزه عن التماس الطرق العقلائية والأمارات الكاشفة.
وعليه، يثبت تباين موضوع الأمارة وموضوع الأصل العملي حقيقةً؛ فبينما يتقيد موضوع الأمارة بفرض الجهل بالواقع لجهة تمهيد سبيل موصل إليه عقلائياً؛ ينأى موضوع الأصل لیتحدد بفرض الجهل بالواقع لجهة رسم وظيفة عملية محضة تخرج المكلف من تيه الحيرة فحسب، دون أن يدعي الأصل الكشف وإراءة الواقع. فالتفاوت قائم في سنخ الجهل والشك المأخوذ في البابين حقيقةً، وهذا مانع كافٍ من دعوى وحدة الموضوع والقول بالتعارض بالتبع.
الثاني: إن معاملة الدليلين معاملة العام والخاص المطلق مع ثبوت النسبة بينهما بالعموم والخصوص من وجه بالدقة، تنطوي على الضعف والغموض العلمي؛ فبأي مسوغ يُقلب الدليلان ليكون أحدهما مخصصاً للآخر بالصناعة؟ والقول بأن التقدم يحفظ لغوية الأمارة مردود بالمنع؛ لكون دليل الأصل يقيد اعتباره على الإطلاق وكذا دليل الأمارة يقيد اعتباره وحجيته على الإطلاق؛ فيتعارضان في مادة الاجتماع والالتقاء، وغاية ما يؤول إليه التعارض والتدافع هو تساقطهما معاً لامتناع ترجيح أحدهما على الآخر لغةً وتشريعاً. وحيث يثبت افتراق الدليلين في شقين مغايرين، ينتفي محذور اللغوية بالكلية بالضرورة.
السؤال: …
الأستاذ: كلا، بل يقع الافتراق في الموضع الذي تتوفر فيه الأمارة فحسب… بل يتعین فرض الافتراق في الموارد التي تخلو من جريان أصل عملي مع قيام الأمارة… كأن يحصل كشف الواقع بالأمارة مع فرض انتفاء العلم الوجداني… نعم، مع استبعاد القطع بالكامل… فعليه، يمتنع القول بالعموم والخصوص من وجه بالدقة… وبغير القطع واليقين… فالأمارة حجة بأدلتها بغض النظر عن جريان أصل عملي معارض، وكذا الأصل حجة بأدلته بغض النظر عن قيام أمارة على الخلاف؛ فيتصادمان في مادة الاجتماع.
السؤال: يرجع جوهر المعضلة لكون إطلاق دليل الأصل العملي تشريعاً مطلقاً، سواء أكانت هناك أمارة معارضة أم لم تكن، غير أن الواقع يقضي بتخصيص حجية الأصل بمورد انتفاء الأمارة فحسب.
الأستاذ: إن كلامك هذا مصادرة على المطلوب… والتقريب الذي تعرضه يؤول بالتبع للإشكال الأول؛ أي إشكال عدم اتحاد الموضوع… وعماد البحث ومحوره يرتكز على هذا الإبطال… فبيانك هذا يرجع بالدقة للإشكال الأول… فهل تسلم بتمامية الإشكال الأول وعمقه أم لا؟… وتأمل في هذا البحث ثانية.
وبناءً على هذا التقريب والتحليل الأصولي، يبدو لنا عدم تمامية القول الأول وقبوله علمياً؛ فلا وجه للقول بالتعارض والتخصيص في الباب.
شرح رسالة الحقوق
الإمام السجاد(ع) فرمود: نماز دو حق به گردن شما دارد. بعد فرمودند: «اذا علمت ذلک کنت خلیقاً» بر تو سزاوار (شایسته) است که خضوع و خشوع قلبی و خضوع و خشوع جوارحی داشته باشید. سپس چگونگی خضوع قلبی و خضوع جوارحی را هم بیان کردند و نهایتاً فرمودند که انسان باید موقع نماز یکپارچه طلب و درخواست باشد. اینها را مفصل طی چندین جلسه توضیح دادیم.
أهمية صلاة أول الوقت وآثارها
وحيث تحظى الصلاة بمراتب عظيمة من الإجلال والقداسة، فإن إتيانها في أول وقتها يمنحها قداسةً وقيمة خاصة متميزة؛ فبينما يتبوأ كنه الصلاة وحقيقتها شأناً شامخاً، يقع أثر الصلاة في أول الوقت في كفة موازية لعظمتها قاطبة. وقد ورد في الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في فضل صلاة أول الوقت وتفوقها على سائر الأوقات بعبارة: «كَفَضْلِ الآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا»؛ فتأملوا حجم التفاوت والرجحان القائم بين الدار الآخرة والدنيا الفانية، والانتفاء المطلق للموازنة بينهما؛ لتقفوا على حجم بركة صلاة أول الوقت ورجحانها وعظمتها بموجب هذا التبيين.
وفي بيان أهمية صلاة أول الوقت، ورد في الروايات أن من أخر صلاته وأرجأ إتيانها لغير عذر مقبول وسبب مبرر (مسلكاً طريق الأعذار والتسويف)، فإن صلاته ترتفع وتتوجه إليه بالدعاء عليه واللعن؛ فتقول الصلاة مخاطبة المصلي: ضيعتني ضيعك الله. فللصلاة حقيقة ملكوتية شامخة تفوق الألفاظ والأعمال والأذكار الظاهرية؛ وتلك الحقيقة ترتفع بها الملائكة الكرام نحو السموات العلى في أبهى الوجوه وأجملها متى ما أداها المصلي على طبق الآداب؛ وتصعد بها مغبرة مظلمة إذا أهمل آدابها وأخر وقتها لتقول له: ضيعتني ضيعك الله؛ فإذا توجهت تلك الحقيقة والملكوت الإلهي بالدعاء بالضياع على المصلي، فلا ريب في قبول ذلك الدعاء واستجابته.
ولصلاة أول الوقت آثار بركات مادية ومعنوية، دنيوية وأخروية كثيرة ومطردة؛ فلو تتبعنا نصوص الأحاديث الواردة في آثار صلاة أول الوقت وأحصيناها، لوجدنا ثمانية أو عشرة آثار تكتسي أهمية بالغة في حياة العبد.
ونحن سنشير هنا إلى بعض هذه الآثار العظيمة تذكیراً وتبركاً:
1. الحفظ من الغفلة
الحفظ من الغفلة؛ فقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن من حافظ على صلاة أول الوقت نأى بنفسه عن زمرة الغافلين: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فَصَلَّاهَا لِوَقْتِهَا فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْغَافِلِينَ»؛ والمقصود وقت فضيلتها ورجحانها، لا الوقت الموسع والآخر لها.
وفي حديث آخر مروي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرر فيه ثلاثة آثار وصفت بكونها مضمونة لمن التزم بصلاة أول الوقت: «مَا مِنْ عَبْدٍ اهْتَمَّ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَمَوَاضِعِ الشَّمْسِ إِلَّا ضَمِنْتُ لَهُ الرَّوْحَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَانْقِطَاعَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ». فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يضمن للعبد الملتزم بصلاة أول الوقت والمراقب لحركة الشمس تبركاً ثلاثة أمور عظيمة:
2. الراحة عند الموت
الراحة والروح عند الموت؛ فساعة الموت والنزع هي من أشد اللحظات وطأة على الإنسان وعسراً؛ والراحة والسهولة في تلك اللحظة الحرجة مضمونة للمصلي في أول الوقت ببركة ضمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
3. انقطاع الهموم والغموم
انقطاع الهموم والغموم والأحزان وتلاشيها من حياة العبد ببركة هذا الالتزام.
4. النجاة من النار
النجاة من النار؛ حيث يضمن له الخلاص من عذاب جهنم وعقابها.
وهناك آثار بركات مادية ومعنوية أخرى، ومقامات كمال روحي عظيمة ترتبط بصلاة اول الوقت.
وحيث نبحث في كمالات الروح ومعاني السلوك، يروى في سيرة العارف الجليل الشيخ الشاه آبادي (قدس سره) تأكيده الشديد لملازميه بالقول ما حاصله: التزموا بصلاة اول الوقت وداوموا عليها، فإن لم تبلغوا ببركتها مقامات رفيعة ولم تنكشف لكم حجب الملكوت وتلوح لكم الحقائق، فابصقوا في وجهي والعنوني. وهذا صريح في كون صلاة اول الوقت تفتح للعبد کوى واسعة تلوح منها حقائق العوالم الأخرى وتفيض منها عوالم الغيب بالبركات.
فكما بيّنّا، إن الصلاة في نفسها بواب العظمة والإجلال، وأما صلاة اول الوقت فهي شأن شامخ ونور ساطع يفوق الوصف والبيان.