الدرس الثامن عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة
الدرس الثامن عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات على الأصول – دراسة القول الأول (التعارض والتخصيص) – الإشكال على القول الأول – دراسة الإشكال – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – خلاصة البحث
15 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
دار البحث حول ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية. وبيّنّا تعدد الآراء والمسالك القائمة في المقام؛ وكان القول الأول يذهب إلى التلازم والتعارض الحاصل بين الأمارات والأصول العملية، ومن ثم تقييد أدلة الأصول وتخصيصها بأدلة الأمارات. وعرضنا تفصيل هذا المسلك بناءً على تشريح صاحب “الرياض” (قدس سره)، وأردفنا بذكر الإشكال الأصولي الموجه لمدعاه.
ومفاد الإشكال أن حقيقة التعارض تفتقر بالضرورة لوحدة الموضوع الحاصلة بين الدليلين؛ فمتى ما اختلف موضوعاهما، انتفى التعارض بالتبع؛ لكون التعارض يؤول إلى التنافي والتكاذب الممتنع حصوله إلا مع صياغة الدليلين في حيز موضوع واحد بعينه. وحيث يثبت التغاير والتباين بين موضوعي الأمارة والأصل في المقام؛ نظراً لخلو موضوع دليل الأمارة من أخذ قيد الشك فيه بالكامل، بخلاف موضوع الأصل الذي شيد على ركيزة أخذ الشك قيداً أصيلاً فيه؛ يمتنع القول بالتعارض.
وقد دُفع هذا الإيراد بدعوى استقرار كل من الأمارة والأصل في ظرف الجهل بالحكم الواقعي؛ فالدلیل المتكفل بحجية الأمارة يسري في فرض الجهل بالحكم الواقعي، وكذا دليل الأصل العملي يتسع لفرض الجهل به؛ والشارع قد اعتبرهما وحكّم حجيتهما في هذا الظرف المشترك. وبذلك يتسع التعارض والتنافي والتكاذب بين الدليلين في حيز موضوع واحد بعينه وهو فرض الجهل بالحكم الواقعي؛ فيتجهان معاً نحو ذات الموضوع المشترك ليثبت التنافي بينهما.
وهذا ما وصلنا إليه بالأمس تثبيتاً للقول الأول ونظرية التعارض والتخصيص.
دراسة القول الأول
ونروم في الجلسة الفعيلة موازنة القول الأول وإخضاعه للمحاكمة العلمية للوقوف على مدى تحقق التعارض والتلازم في المقام من عدمه.
وقد انتهى تقريب القائل بالتعارض للتسليم باستقراره في البين؛ بالاستناد إلى كون أدلة الأمارة والأصل قاطبة قد حكّمت في فرض الجهل بالحكم الواقعي؛ فدلیل الأمارة يقرر حجية خبر الواحد مثلاً عند انتفاء علم المكلف بالحكم الواقعي الوجداني، ودليل الأصل يسير على ذات النسق بالتمام؛ ومن ثم يتحقق التعارض والتنافي بين الدليلين لتكاذبهما في موضوع واحد بعينه.
الإشكال على القول الأول
ويتوجب الإشكال بدقة إلى هذه الركيزة بالذات؛ لنقرر تباين موضوع دليل الأمارة وموضوع دليل الأصل بالكامل وامتناع القول بوحدتهما؛ نظراً لأن عروض الجهل بالحكم الواقعي أو الشك فيه تارة يقع قيداً وجزءاً أصيلاً في صياغة موضوع الدليل، وتارة أخرى يقتصر على كونه مورداً وسياقاً خارجياً للدليل بالتبع. فحيث يخلو موضوع دليل الأمارة من أخذ الجهل والشك فيه قيداً أصيلاً (وإن كان سياقها الخارجي وموردها الجاري هو ظرف الشك والجهل بالواقع بالتبع)؛ نجد في المقابل أخذ الجهل والشك في الحكم الواقعي قيداً ركيناً وجزءاً ثابتاً في صياغة موضوع الأصل العملي بالضرورة؛ وثمة بون علمي ظاهر بين حقيقة قيد الموضوع وسياق المورد الخارجي بالتبع. وتوضيح ذلك:
يذهب القائل بالتعارض لتأكيد استقراره بالاستناد لوحدة الموضوع، وتوفر التنافي بين الدليلين في حيز موضوع واحد بوصفه الركن الأساس للتعارض والتكاذب. ونحن نجيب بمنع هذا التأسيس بالكامل؛ وذلك لأن الأصل العملي كاستصحاب مثلاً يقرر لسان دليله بعبارة: «إِذَا شَكَكْتَ وَكُنْتَ عَلَى يَقِينٍ فَابْنِ عَلَى يَقِينِكَ»؛ فمقتضى الدليل إهمال الشك وترتيب آثار اليقين السابق حال عروض الشك والتردد. وفي المقابل، يدل الدليل المتكفل باعتبار الأمارة كخبر الواحد على حجيتها واعتبارها؛ وحيث تلاحظون أخذ الشك قيداً أصيلاً وركناً في دليل الأصل؛ نجد خلو دليل اعتبار الأمارة من أخذ قيد الشك والجهل بالواقع بالكامل؛ فلم يرد في لسان دليل الأمارة صياغة من قبيل: إذا كنت جاهلاً بالحكم الواقعي فخبر الواحد حجة في حقك؛ بل اقتصر على تقرير: خبر الواحد حجة على نحو الإطلاق.
وهذا صريح في أخذ الجهل والشك في الحكم قيداً أصيلاً وجزءاً ثابتاً في موضوع الأصول العملية؛ فعبارة «إِذَا شَكَكْتَ» هي قيد موضوعي وركن أصيل في ترکیب الدلیل («إِذَا شَكَكْتَ وَكُنْتَ عَلَى يَقِينٍ فَابْنِ عَلَى يَقِينِكَ»). بينما يخلو الدليل المتكفل بحجية خبر الواحد واعتباره من ورود الجهل والشك قيداً أصيلاً في موضوعه بالكلية؛ حيث اقتصر على تقرير حجيته وإثبات حليته بعبارة: خبر الواحد حجة. وصحيح أن الأخذ بخبر الواحد والعمل بمقتضاه مشروط بالجهل بالحكم الواقعي حقيقةً؛ غير أن هذا الاشتراط يرجع لمورد الدليل وسياقه الخارجي، ولا يدخل قيداً أصيلاً في صياغة موضوع الدليل ذاتاً.
وبناءً على هذا التقريب، يثبت كون الجهل والشك في الحكم قيداً للموضوع في الأصول العملية بالضرورة، وينقلب ليصير قيداً للحكم والتشريع في الأمارات دون الموضوع بالتبع؛ وهذا هو الفارق العلمي الفاصل بين قيد الموضوع وسياق المورد الخارجي بالتبع.
وحيث يستقر الجهل بالحكم الواقعي ركناً في موضوع الأصول العملية، ويسري في الأمارات قيداً للحكم وسياقاً لموردها بالتبع؛ فلو كان قيداً للموضوع في الأمارات أيضاً، لاستقام مقال القائل بالتعارض وتسليمه بوحدة الموضوع وتوفر التكاذب والتنافي بين الدليلين لتوجههما معاً لتقييد الجهل بوصفه قيداً أصيلاً في الموضوعين؛ غير أن التغاير الفاصل بين كونه قيداً للموضوع في الأصول وقيداً للحكم في الأمارات يمنع من هذا التأسيس بالكامل.
وعليه، ينهدم الركن الأساس للتعارض القائم على وحدة الموضوع وتدافع الدليلين فيه بالكلية؛ لثبوت تباين موضوعيهما وعدم اتحاد جبهة انصباب الدليلين بالتبع؛ وبذلك ينتفي التعارض ويسقط. وهذا هو الإيراد الأصولي الموجه للقول بالتعارض والتماثل. ويتعين علينا دراسة مدى تمامية هذا الإيراد واستقراره من عدمها.
السؤال: لا يشترط في باب التعارض وحدة الموضوع بالمعنى المذكور بالضرورة… بل يتصادم الدليلان ويتعارضان في مادة الاجتماع؟
الأستاذ: وفي مادة الاجتماع يتوجه التدافع والتعارض لذات الموضوع المشترك يقيناً. وعليك الإحجام عن نفي هذه البديهيات والمسلمات الأصولية الحاضرة؛ فوحدة الموضوع وجبهة انصباب الدليلين متحققة بشتى الصور والوجوه؛ فتارة تقع الوحدة في حيز المفهوم والعنوان الكلی فيصدمان فيه مباشرة، وتارة أخرى تقع الوحدة في المصداق الخارجي كما هو الحال في مادة الاجتماع للعامين من وجه بالاصطلاح… فهل يقع كلامك في وجه إنكار الكبرى الكلية أم صغراها؟ وإنك لتتوجه بالإنكار والخدشة في الكبرى الكلية للمسألة أيضاً.
فمادام التعارض والتكاذب والتنافي يدور مدار نفي أحد الدليلين للحكم الذي يثبته الآخر، فلو فرضنا توجه أحد الدليلين لنفي حكم عن موضوع، وتوجه الآخر لإثبات ذات الحكم لموضوع مغاير بالكامل، لامتنع التدافع والتعارض بينهما بالكلية بالضرورة؛ لعدم انصبابهما على موضوع واحد يوجب التكاذب. ونعم، للتعارض والوحدة المصورة وجوه وصور شتى؛ فقد يتحد الدليلان في العنوان والمفهوم، وقد يلتقيان في المصداق والوجود الخارجي بالتبع؛ ويتعين علينا كشف الحيثية والجهة المشتركة الجامعة للدليلين ليتسنى لنا تبيين التعارض وملاكه بالتبع.
السؤال: إن مورد الأمارة ومورد الأصل العملي يجمعهما الشك والتردد بالدقة؛ بمعنى شمول الأصل العملي لهذا الفرض وسريان الأمارة فيه أيضاً؛ فيقع التصادم والتعارض بينهما بالتبع، ولا وجه للخدشة بدعوى انتفاء التعارض لعدم وحدة الموضوع؛ لكون الإشكال الحقيقي على مقالة صاحب الرياض يبتني على استقرار النسبة بينهما بالعموم والخصوص المطلق المقتضي لتقديم الخاص وتخصيص العام به دون التعارض؟
الأستاذ: يمثل هذا التقريب عينه مسلكاً يؤول بالنتيجة إلى انتفاء التخصيص بالوجه المذكور؛ وهو ما يصطدم بمقالة صاحب الرياض بالتبع؛ فصاحب الرياض يقرر بالرغم من كون النسبة بين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه، إلا أنه يتعين معاملتهما معاملة العام والخاص المطلق وتخصيص دليل الأصل بالأمارة… وهما ليسا مفترقين في البين… فمتى ما سلمنا بالتعارض والتنافي في مادة الاجتماع… فهذا هو البحث؛ فإذا ثبت كونهما عامين من وجه، فبأي مسوغ علمي نقرر التخصيص دون التعارض والتساقط؟ وسنعرض لمعالجة هذا الإشكال وتفصيله في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.
دراسة الإشكال
لقد دفع المستشكل مقالة صاحب الرياض وقرر خلو موضوع دليل الأمارة من أخذ قيد الشك والجهل فيه، وإنما عُرض الشك والجهل سياقاً لموردها الخارجي بالتبع؛ بخلاف موضوع دليل الأصل الذي شيد على ركيزة الشك بوصفه قيداً موضوعياً بالضرورة.
الإشكال الأول
ويتوجب علينا دراسة مدى صحة هذا المطلب واستقراره؛ وهل تنطوي أدلة الأمارات وأدلة الأصول قاطبة على هذا التوجيه بالاطراد والعموم؟ والحق أن سبر الأدلة وتتبع نصوص الباب يثبت الخدشة والنقض لهذا الادعاء من الطرفين على السواء. فلو فرضنا دليلاً لأمارة ما كآية السؤال: «… فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ …» (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ لبان لنا بالضرورة ورود الجهل والشك قيداً ركيناً وجزءاً أصيلاً في موضوع الدليل صراحة؛ بعبارة: «إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ». فالقيد قد ذُكر هنا في صياغة الدليل بوصفه جزءاً ثابتاً في تركيب الموضوع؛ أي إذا انتفى علمكم بالواقع. فلدينا في باب الأمارات أدلة تشتمل على هذا القيد صراحة، ولدينا أدلة أخرى تخلو منه؛ فالقسمان حاضران في الباب يقيناً.
وفي المقابل، نرى في أدلة الأصول العملية أيضاً خلو موضوع الدليل تارة من ورود قيد الشك فيه أصلاً؛ ومثاله الفقهي أدلة أصالة البراءة أو أصالة الحلية من قبيل: «كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ» أو «كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْيٌ»؛ فالحكم بالحلية والإطلاق ثابت ومستقر حتى عروض العلم بالتحريم أو ورود النهي وجداناً؛ وتخلو طائفة من أدلة البراءة من هذا القيد بالكامل. وعليه، يتضح فساد هذا الادعاء المزعوم وبطلانه بالنقض الوارد على أدلة الأصول والأمارات معاً بالدقة والوجدان.
الإشكال الثاني
ويرتكز مدعى المستشكل في جوهره على التسليم بمبدأ “الحكم الظاهري” وقبوله؛ لكونه يبتني أساساً على تصوير حالتين وقسمين للموضوع الشرعي: أولهما: ثبوت موضوع الحكم الواقعي خالياً من أي قيد وجزء زائد؛ وثانيهما: ثبوت موضوع الحكم الظاهری مقيداً بقيد الشك والجهل بالحكم الواقعي بالضرورة. غير أن مسلكنا المختار يقتضي إنكار الحكم الظاهري بالكامل؛ فالمولى تبارك وتعالى لا يتصدى لتشريع جعلين وحكمين متباينين لذات الموضوع الواحد بالتقسيم المذكور. وهذا التأسيس هو عين ركيزة إنكار الحكم الظاهري بالكلية؛ فالشارع يرتب موضوعاً واحداً ويشرع له حكماً واحداً مستقراً، ثم يقرر بأن من عجز عن نيل هذا الحكم والوصول إليه فليرتب هذه الوظيفة العملية في مقامه؛ دون أن يُعدّ هذا التوجيه حكماً شرعياً ثانياً مجعولاً يحمل عنوان الحكم الظاهري بإزاء الحكم الواقعي، أو يُقيد موضوعه بقيد الشك والجهل شرعاً. ولذلك ننفي بالكامل صيرورة الشك والجهل قيداً وموضوعاً مستقلاً بإزاء الحكم الواقعي.
السؤال: …
الأستاذ: وهذا لا يُعدّ حكماً ظاهرياً بالمعنى المذكور.
فليس لدينا حكم شرعي ثانٍ يحمل اصطلاح الحكم الظاهري بالمرة. ولذلك يغدو القول بأن الجهل والشك يُصنف قيداً للموضوع وجزءاً منه في الأصول العملية، وينقلب ليصير قيداً للحكم وسياقاً لمورده في الأمارات دون الموضوع، مقالاً باطلاً ممتنع الاستقرار؛ لثبوت وحدة الموضوع المستقر حكماً وتشريعاً، وانتفاء مدخلية الجهل والعلم والشك واليقين في صياغة الموضوعين وتشريعهما بجعلين مستقلين بالكلية.
خلاصة البحث
يتلخص مفاد القول الأول ونتيجة دراستنا لهذه الإشكالات والنقود في أن نظرية التعارض والتماثل تقرر قيام التعارض والتكاذب بين الأمارات والأصول العملية؛ نظراً لاعتبار الأصول العملية بأدلتها وحجيتها على نحو الإطلاق، سواء أقام دليل أمارة على خلافها في المورد أم لم يقم؛ وكذا حجية الأمارات المطلقة بالنظر للأصل المعارض؛ ويقضي حل هذا التعارض الأصولي بتخصيص أدلة الأصول العملية بأدلة الأمارات؛ فنعلق حجية الأصل بمورد انتفاء الأمارة المعارضة فحسب؛ ومن ثم يؤول هذا القول في واقعه وجوهره إلى التخصيص وتخريج التقدم به بالتبع؛ فالأمارات مخصصات للأصول العملية وأدلتها بالضرورة.
وقد أشكلنا على هذا القول بانتفاء اتحاد الموضوع المانع من تحقق التعارض والتكاذب بین الدلیلین بالكلية؛ نظراً لخلو موضوع دليل الأمارة من قيد الشك بالكامل، بخلاف موضوع الأصل الذي شيد على ركيزة أخذ قيد الشك ركناً فيه.
ودُفع الإشكال بالقول بمدخلية الجهل بالحكم الواقعي في كلا البابين بالاطراد؛ فكلاهما يثبت ويستقر في ظرف الجهل بالواقع، ومن ثم يتحد موضوعهما بالتبع ليثبت التعارض والتكاذب بينهما.
ثم أُورد النقض على هذا الدفاع بوجوب التفرقة والتمييز بين قيد الموضوع وسياق المورد الخارجي بالتبع؛ فالجهل بالواقع قيد ركين وجزء من الموضوع في الأصول، بينما يقتصر في الأمارات على كونه قيداً للحكم وسياقاً لمورد جريانها بالتبع؛ وبذلك يرتفع التعارض ويسقط لتباين الموضوعين بالدقة.
وقد ناقشنا هذا التفصيل والرد بوجهين: أولهما: قابليته للنقض بدخول قيد الجهل في أدلة الأمارات وخروجه من أدلة الأصول تارة. وثانيهما: ابتناؤه على القول بالحكم الظاهري وجعليه المستقلين وهو ما نذهب لإنكاره وإبطاله بالكامل.
وعليه، يثبت بقاء التعارض مستقراً وخروج هذا الإشكال عن القدرة على دفعه وإسقاطه بالتبعية؛ لامتناع التفرقة والتفصيل بين الموضوعين بالوجه المذكور هاهنا.
فالنتيجة المستقرة حتى الآن تقضي بقابلية تصوير التعارض والتكاذب بين الدليلين، وتخريج وجه التقدم بمسلك التخصيص وتقييد أدلة الأصول بالأمارات بالضرورة.
السؤال: ألا نرى هاهنا اتحاداً مصداقياً للأدلة في الوجود الخارجي بالدقة؟ وسواء أكان الشك قيداً للموضوع أم سياقاً للمورد، فإن النتيجة الخارجية تقتضي اندراج المورد تحت حكم الأصل وحكم الأمارة معاً، فيتعارضان؟
الأستاذ: يمثل هذا التقريب عينه مسلكاً يؤول بالنتيجة إلى انتفاء التخصيص بالوجه المذكور; وهو ما يصطدم بمقالة صاحب الرياض بالتبع؛ فصاحب الرياض يقرر بالرغم من كون النسبة بين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه، إلا أنه يتعين معاملتهما معاملة العام والخاص المطلق وتخصيص دليل الأصل بالأمارة… وهما ليسا مفترقين في البين… فمتى ما سلمنا بالتعارض والتنافي في مادة الاجتماع… فهذا هو البحث؛ فإذا ثبت كونهما عامين من وجه، فبأي مسوغ علمي نقرر التخصيص دون التعارض والتساقط؟ وسنعرض لمعالجة هذا الإشكال وتفصيله في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.