The news is by your side.

الدرس الخامس عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الخامس عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – وجه تقديم الأمارة على الأصل – الأقوال – تبيين المفاهيم الأساسية – 1. التخصص 2. التخصيص 3. الورود 4. الحكومة – رأي الشيخ الأنصاري في الحكومة

12 ربيع الآخر 1447 هـ

وجه تقديم الأمارة على الأصل

يتمحور موضوع المقدمة التاسعة حول وجه وملاك تقديم الأمارة على الأصل الأصولي. وبطبيعة الحال، كنا قد طرحنا في مستهل البحث شبهة حول دعوى إطباق الكلمة على تقدم الأمارات على الأصول («لا نزاع في تقديم الأمارات على الأصول»)، وتخص بالذكر أصل الاستصحاب؛ حيث تساءلنا عن مدى تقدم الأمارات على الاستصحاب، وأخضعنا هذا المطلب للدراسة والتحقيق ثم أجبنا عنه بالتفصيل.

والآن، وبعد الفراغ من قبول أصل تقدم الأمارات على الأصول العملية، يقع الكلام في بيان وجه تقديم الأمارة على الأصل وملاكه.

الأقوال

ذهبت الأعلام في هذا الموطن إلى أقوال وآراء متعددة؛ حيث ذهب فريق إلى حكومة الأمارات على الأصول العملية، وذهب فريق ثانٍ إلى ورود الأمارات على الأصول، وذهب فريق ثالث إلى القول بالجمع العرفي بينهما. بينما انحصر ملاك التقديم عند فريق رابع في التخصيص. ويبرز في المقام قول خامس التزم به الإمام الخميني (قدس سره)؛ ومفاده التفصيل في المسألة؛ حيث يرى تقدم الأمارات على الأصول في كل مورد بملاك خاص يختلف باختلاف الموارد، وتكفل بذكر هذه الملاكات بالتفصيل مورداً تلو الآخر. فهذه هي مجمل الأقوال القائمة في المسألة.

تبيين المفاهيم الأساسية

ويجدر بنا قبل الخوض في تفاصيل هذه الأقوال والملاكات، عرض بيان موجز على وجه التذكير والتنبيه بهذه العناوين الأصولية: الحكومة، والورود، والتخصيص، والتخصص، والجمع العرفي أو بعبارة أخرى القرينية العرفية. وسنجري مراجعة خاطفة وموجزة لهذه العناوين، لتكون مدخلاً لدراسة تلك الأقوال ومحاكمتها بمشيئة الله تعالى.

1. التخصص

إن حقيقة التخصص غنية عن البيان؛ ويراد به خروج الفرد ذاتاً وتكويناً عن دائرة موضوع الحكم؛ أي إن خروج الفرد عن حيز الموضوع ثابت ذاتاً وتكويناً دون حاجة إلى مؤونة أو عناية تشريعية زائدة. ومثاله: خروج الجاهل عن عنوان “العالم”؛ فلو قال الشارع مثلاً: «أكرم العلماء»، خرج الجاهل تلقائياً وبنفسه عن شمول هذا الحكم لعدم صدق موضوع “العلماء” عليه ذاتاً؛ فهذا الخروج يُعدّ خروجاً ذاتياً وموضوعياً وتكوينياً حقيقياً.

2. التخصيص

ويراد بالتخصيص خروج الفرد عن دائرة الحكم والتشريع، مع فرض صدق عنوان موضوع الدليل العام عليه حقيقةً وصلاحيته للانطباق؛ غير أنه يُخرج من حيز الحكم ببركة دليل مخصص. ومثاله: «أكرم القوم إلا زيداً»؛ فلفظ “القوم” موضوع لوجوب الإكرام وزيد يندرج في دائرته حقيقةً؛ غير أن قولنا: «لا تكرم زيداً» يخرجه من دائرة هذا الحكم الموجه للعام (وهو القوم). فالنفي والتحريم هنا يخرج الفرد عن دائرة موضوع الدليل العام ببركة دليل آخر؛ وهذا الخروج خروج حقيقي، غير أنه خروج حكمي (أي في حيز الحكم والتشريع)، بخلاف التخصص الذي يمثل خروجاً موضوعياً تكوينياً. فكلا الخروجين حقيقي يقع في الواقع، غير أن أحدهما يتصف بالخروج الموضوعي والآخر بالخروج الحكمي.

3. الورود

ويراد بالورود خروج الفرد عن دائرة موضوع الدليل الآخر، ولكن ليس خروجاً ذاتياً وتكوينياً كما في التخصص، بل بالوساطة والعناية والتعبد الشرعي؛ فلو قرر دليل أصولي مثلاً أن المكلف في سعة وفسحة تجاه ما لا يعلمه، وصِيغ بلسان: «أنتم في سعة ما لا تعلمون»، ثم أردف الشارع بدلیل مستقل آخر يقرر فيه كون البينة علماً كقوله: «البينة علم»؛ لدخلت البينة في حيز العلم تعبداً، ولخرجت بالتالي عن دائرة موضوع الدليل الأول («ما لا تعلمون»). فهنا نرى الدليل الثاني وارداً على الدليل الأول ومزيلاً لموضوعه بالتعبد.

ومثاله الفقهي المعروف: حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان؛ فحين يستقل العقل بقبح معاقبة المكلف ما لم يصل إليه بيان وتكليف وافٍ؛ فلو شرع الشارع حجية خبر الواحد وجعله بياناً كافياً في شريعته، لخرج خبر الواحد عن دائرة موضوع حكم العقل بقبح العقاب تعبداً؛ نظراً لكونه بياناً ببركة الجعل التعبدي الشرعي، ومن ثم يمتنع جريان قبح العقاب بلا بيان في حقه؛ فيكون الدليل الشرعي المتكفل بحجية خبر الواحد وارداً على حكم العقل المذكور ومزيلاً لموضوعه بالكامل؛ لكونه مخرجاً للفرد عن دائرة موضوع الدليل الآخر بالعناية والتعبد.

وقد صاغ الأصوليون أقساماً وتفريعات للورود نضرب صفحاً عن الخوض فيها هاهنا، ونحيل تفاصيلها لمراجعتكم وتحقيقكم بمشيئة الله.

4. الحكومة

وتكتسب “الحكومة” مساحة أكبر للبحث والتحقيق مقارنة بسائر العناوين الأصولية المذكورة؛ نظراً لتباين الأنظار وتعدد الآراء فيها من جهة، ولاشتراكها وتماثلها مع مبدأ “الورود” في بعض الوجوه والخصائص من جهة أخرى. ومع وجود اشتراك وتماثل بين الورود والتخصص أيضاً، إلا أن وجوه التماثل بين الحكومة والورود تبدو أكثر عمقاً وأدق أثراً.

ويكمن التماثل بين التخصص والورود في كون الخروج فيهما خروجاً موضوعياً عن دائرة الدليل الآخر، غير أن هذا الخروج يتصف بالصفة الحقيقية التكوينية في التخصص، وينطوي على الصفة التعبدية الإنشائية في الورود؛ ويبرز الفارق بينهما في عدم احتياجنا لدليل آخر في التخصص لإخراج الفرد كالجاهل عن موضوع العالم؛ بخلاف الورود الذي يمتنع تحقق الخروج فيه إلا ببركة دليل ثانٍ مستقل يتكفل بإخراج الفرد عن دائرة الدليل الأول تعبداً. وهذا هو أدق الفروق القائمة بين التخصص والورود؛ فالأول يستغني بنفسه عن الدليل المخرج، بينما يفتقر الثاني بالضرورة إلى دليل مستقل صادر ليتحقق به الخروج التعبدي المذكور.

وعلى أية حال، يبدو شأن العناوين الثلاثة واضحاً جلياً، مع ضرورة الاعتناء والالتفات لبعض وجوه التماثل والتشابه المانعة من اللبس والخلط في بعض الموارد.

بينما يحتاج البحث في “الحكومة” لتفصيل وبيان أوسع لأمرين:

أولاً: تباين المباني وتعدد الأنظار الأصولية في تبيين كنه الحكومة؛ فالشيخ الأنصاري قد صاغ للحكومة تعريفين متباينين في موضعين من “الرسائل”، وأورد المحقق الآخوند الخراساني إشكالاً على الشيخ وقرر تعريفاً مغايراً للحكومة، وصاغ المحقق النائيني تقريباً آخر للحكومة؛ وهذا الاختلاف العريض في حقيقة الحكومة يوجب اتساع رقعة البحث وتفصيله.

ثانياً: التماثل الكبير والتشابه القائم بين الحكومة والتخصيص من جهة، وبين الحكومة والورود من جهة أخرى؛ فكلاهما يفتقر لتوفر دليلين في البين. وحيث ينطوي شق من أقسام الحكومة على إخراج الفرد عن دائرة موضوع الدليل الآخر، فقد يقع اللبس بين الحكومة والورود في بعض الموارد، كما قد يقع اللبس بين الحكومة والتخصيص في موارد أخرى.

وتبرز هنا مسألة علمية مهمة تدور حول ما إذا كانت دلالة الدليل الحاكم تقتصر دائماً على إخراج فرد الدليل الحاكم عن حكم الدليل المحكوم، أم تمتد لتخرجه عن موضوع الدليل المحكوم أيضاً؟ وهذا الموضع يماثل الورود بالكامل. وسيتضح لنا لاحقاً أن المحقق النائيني يرى تصرف الدليل الحاكم في عقد الوضع للدليل المحكوم، وكذا تصرفه في عقد الحمل له، من أقسام الحكومة وتفريعاتها المقبولة.

وهذا مبحث مستقل يبحث في مدى اقتطاع الدليل الحاكم للفرد عن حكم الدليل المحكوم فحسب، أم يمتتد ليدخله أو يخرجه عن موضوع الدليل المحكوم (نظراً لكون الحكومة تنقسم إلى حكومة توسعه وحكومة تضييق)؛ فيتعدى التصرف ليشمل موضوع الدليل المحكوم أيضاً؟

وبهذين العاملين المذكورين يتسع نطاق البحث في الحكومة تفصيلاً. ونحن سنكتفي هنا بعرض تقريب موجز وخلاصة تفي بمعنى الحكومة وتمايزها عن سائر العناوين، لنتخذ منها سبيلاً لدراسة ملاك تقديم الأمارات على الأصول بمشيئة الله تعالى.

رأي الشيخ الأنصاري في الحكومة

1. قرر الشيخ الأنصاري في أواخر بحث الاستصحاب معنى الحكومة بقوله ما حاصله: أن يشتمل الدليل الثاني على حكم بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الأول لولا وجود هذا الدليل الحاكم، أو يشتمل على وجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه الدليل الأول في نفسه.

ومفاد هذا بيان أن الدليل الحاكم هو الذي يتكفل بإخراج الفرد عما يقتضيه الدليل الآخر ومقتضاه؛ حيث يأمر برفع اليد عن مقتضى الدليل الأول ببركة دلالته، أو يقضي بدخول الفرد في حيز الحكم وترتيب الأثر عليه في مورد يخلو من اقتضائه في نفسه؛ وهذا التقرير هو عين مبدأ دخول الفرد أو خروجه، وتوسعة الحكم أو تضييقه؛ فهو إما أن يدرج الفرد في موضوع الدليل أو يقطعه عنه.

والأمثلة الفقهية في هذا الباب كثيرة ومتداولة؛ فلو قال الشارع مثلاً: «لا شك لكثير الشك»، لصار هذا الدليل حاکماً على دليل: «إذا شكکت بين الثلاث والأربع فابنِ على الأكثر»؛ وكأن الدليل الحاكم يروم الإخبار بأن كثير الشك ليس بشاك موضوعاً؛ فيخرج هذا الفرد تعبداً عن دائرة موضوع الدليل الآخر (الذي كان يقتضي بطبيعته اندراج كثير الشك في موضوعه وشمول الحكم له لولا ورود هذا الدليل المخرج). فدليل «لا شك لكثير الشك» يخرج هذا الفرد عن موضوع دليل الشك في الصلاة؛ وتارة أخرى يدخل الدليل الحاكم فرداً مستجداً في دائرة العنوان، وهو ما يُعرف بالحكومة؛ وتنقسم إلى حكومة تضييق وحكومة توسعة.

2. وقام الشيخ الأنصاري بتكميل هذا التقريب وتبيينه بزاوية أخرى في موضع آخر من “فرائد الأصول”، وتحديداً في مبحث التعادل والتراجيح، حيث عرض ضابطة الحكومة (وليس تعريفها) بقوله: «إن ضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال دليل الآخر، متعرضاً ورافعاً للحكم الثابت بدليل آخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيناً لمقدار مدلوله، مسوقاً لبيان حاله، متفرعاً عليه». وتستخلص من هذا التبيين خصائص أربع للحكومة:

أولاً: افتراض وجود دليلين في البين بالضرورة؛ وهي خصيصة ثابتة وردت في خاتمة بحث الاستصحاب أيضاً.

ثانياً: نظارة الدليل الثاني (الحاكم) للدليل الأول (المحكوم) وتوجهه إليه؛ ومعنى النظارة والتفسير هو تصدي الدليل الثاني لبيان وتفسير الدليل الأول وتوضيح مقدار مدلوله.

ثالثاً: كَوْن هذه النظارة بمدلوله اللفظي؛ أي إن الدليل الحاكم يتصف دائماً بالصفة اللفظية؛ وبناءً على هذا القيد، يمتنع أن يكون الدليل غير اللفظي -كالعقل أو الإجماع- حاکماً على الدليل الآخر. وبطبيعة الحال، يُعدّ هذا المطلب محل خلاف وبحث بين الأصوليين حول إمكان جريان حكومة الدليل غير اللفظي على غيره من الأدلة.

رابعاً: الخصيصة الرابعة المتفرعة عن الخصائص السابقة، وتتمثل في لغوية الدليل الحاكم وانتفاء معناه لولا وجود الدليل المحكوم؛ لكونه ناظراً إليه ومفسراً له بالتبع؛ فلو قال الشارع ابتداءً وبصورة مستقلة: «لا شك لكثير الشك» دون وجود دليل يقرر حكم الشك كقوله: «إذا شككت فابنِ على الأكثر»، لصار هذا البيان لغواً وخالياً من المعنى المحصل. فالأمارة والدليل الثاني يستمد معناه بالتبع والدوران مدار وجود الدليل الأول؛ ويمتنع فهمه دون استحضار الدليل المحكوم وملاحظته.

وكما لاحظتم، لا نجد تدافعاً وتعارضاً بين هذين التبيينين والتعريفين اللذين صاغهما الشيخ الأنصاري للحكومة؛ بل يُعدّ أحدهما تكميلاً للآخر وتوضيحاً لأبعاد هذا المطلب الأصولي المهم.

بحث الجلسة المقبلة

أورد المحقق الآخوند الخراساني إشكالاً على الشيخ الأنصاري في مبحث الحكومة، كما عرض المحقق النائيني تقريباً وتفصيلاً مستجداً فيها؛ وسنتعرض بمشيئة الله تعالى لدراسة هذه الآراء وتفصيلها، لنلج من خلالها إلى بحث ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية ومحاكمته.

وهذا ما سنتابعه في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.