The news is by your side.

الدرس الثالث عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الثالث عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – الإشكال في تقدم الأمارة على الاستصحاب – جواب الإمام الخميني

8 ربيع الآخر 1447 هـ

المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية

تختص المقدمة التاسعة بتقدم الأمارات على الأصول العملية. ويذهب عامة الأصوليين إلى انتفاء الشك في تقدم الأمارات على الأصول؛ إذ يطبق الجميع على تقدم الأمارة على الأصل العملي، غير أن الخلاف عريض في ملاك هذا التقدم ووجهه؛ ولذا كثرت الأقوال والوجوه المصورة في المقام. وبطبيعة الحال، وقبل الخوض في مباني تقديم الأمارات على الأصول وعرض الأقوال فيها، يسترعينا طرح شبهة في خصوص تقدم الأمارة على الاستصحاب؛ فليس تقديمه عليها خالياً من الإيراد والشبهة من الجهات كافة، بل تعترض الاستصحاب شبهة خاصة سنعرض لتبيينها.

الإشكال في تقدم الأمارة على الاستصحاب

يتلخص الإشكال في وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب في أنه لو حملنا قيد “اليقين” في نصوص «لا تنقض اليقين بالشک» على اليقين القطعي والوجداني الحقيقي، لتعذر علينا حينئذٍ نقض هذا اليقين بواسطة الأمارات؛ إذ مقتضى هذا احتمال في معنى نصوص «لا تنقض اليقين بالشک» أنه متى ما حصل للمكلف يقين وجداني يمتنع معه احتمال الخلاف، لزمه الامتناع عن نقض هذا اليقين بمجرد الشك. وبطبيعة الحال، لا تفيد الأمارات يقيناً بهذا المعنى الوجداني، ولا صلة لحجية الأمارة بحصول هذا اليقين في النفس؛ بل غاية ما يقال في وجه حجتها أنها نازلة منزلة الواقع والعلم، أو ببركة التعبد والإنشاء الشرعي.

وعليه، يقرر أصل الاستصحاب عدم جواز نقض اليقين بالشك؛ بينما لا تفيد الأمارة سوى الظن المشوب باحتمال الخلاف؛ ومن ثم، كيف يستقيم تقديم الأمارة على الأصل؟ فلو تيقن المكلف بطهارته صباحاً ثم شك لاحقاً في بقائها، وقامت البينة على النجاسة وعدم طهارة الثوب؛ فوفقاً لهذا الاحتمال (الذي يحمل اليقين في نصوص لا تنقض على اليقين الوجداني والقطع الحقيقي)، يمتنع علينا الأخذ بهذه البينة؛ بل يتعين ترتيب الأثر على اليقين السابق والحكم بطهارة الثوب وإهمال البينة بالكامل. وفي المقابل، تقتضي الأمارة (وهی البينة في هذا الفرض) ترتيب آثار النجاسة؛ ومن ثم يقع التعارض والتماثل بين دليل اعتبار الأمارة وأدلة «لا تنقض اليقين بالشک»؛ فلا يسعنا تقديم الأمارة على الاستصحاب في این المورد.

جواب الإمام الخميني

ويتمثل الجواب في أن المقصود باليقين في نصوص «لا تنقض اليقين بالشک» ليس خصوص اليقين الوجداني، بل يراد به معنى أوسع يساوق “الحجة”؛ صياغته: «لا تنقض الحجة بغير الحجة». وإذا حملنا اليقين على معنى الحجة، فلو اقتضى الاستصحاب الطهارة بوصفه حجة، وقامت البينة في المقابل على النجاسة بوصفها حجة أخرى؛ تقدمت الأمارة بالضرورة؛ لانتفاء انطباق عنوان «لا تنقض اليقين بالشک» أو «لا تنقض الحجة بغير الحجة» على هذا المورد؛ إذ بقيام الأمارة المعتبرة يستقر لدينا حجة حقيقية، ومن ثم يؤول الأمر إلى نقض حجة بحجة أخرى، وهو أمر خارج عن نطاق النهي الوارد في نصوص الاستصحاب. فنصوص الباب تنهى عن نقض الحجة بما ليس بحجة (وهو الشك)، ولا تمنع من نقض حجة بحجة أخرى مغايرة؛ فإذا تلازم العمل بالطهارة بموجب حجة سابقة ثم قامت حجة فعلية على خلافها، تقدمت الحجة الفعلية بالضرورة؛ وبذلك يسلم تقديم الأمارة على الأصول العملية (بما فيها الاستصحاب) من الإشكال.

وقد يتساءل البعض: ما هو الموجب لحمل قيد اليقين في نصوص «لا تنقض اليقين بالشک» على این المعنى البعيد عن اليقين الوجداني؟ ورغماً عن ظهور لفظ اليقين في اليقين الوجداني الحقيقي، فبأي دليل وقرينة تسوغون حمله على معنى الحجة والدليل؟

والحق أن هناك شواهد وقرائن في نصوص الباب تعزز هذا الحمل؛ ومنها الصحيحة الأولى لزرارة؛ حيث حكم الإمام (عليه السلام) فيها بحرمة نقض اليقين بالطهارة بالشک فيها، ومورد الرواية يخص الوضوء. والآن نتساءل: هل يورث الإتيان بالوضوء يقيناً وجدانياً تاماً وشاملاً في نفس المكلف بطهارته؟ يقرر الإمام الخميني (قدس سره) أن حصول العلم الجزمي بأن الوضوء الصادر من المكلف قد وقع جامعاً لعامة الشروط والشرائط المعتبرة فيه هو في غاية الندرة والقلة؛ فلولا جريان قاعدة الفراغ وأمثالها من القواعد الفاتحة للسبيل، لآل الأمر بالمكلفين إلى معضلات شديدة. غير أننا ببركة هذه القواعد نحكم بحصول اليقين بالطهارة؛ وهو يقين اعتباري شرعي وليس وجدانياً حقيقياً.

فبالرغم من انتفاء اليقين الوجداني بالمعنى الحقيقي في مورد الوضوء، إلا أن الإمام (عليه السلام) قد حكم بجريان استصحاب الطهارة؛ ومقتضى هذا الحكم أن المراد باليقين في الروايات ليس تلك الحالة النفسانية المقابلة للشك والظن والوهم، بل المراد به الحجة والدليل الشرعي المعتبر.

السؤال: اليقين هو اليقين بالمعنى المنطقي والفلسفي، ونحن لا نطلق لفظ اليقين على الظن في المنطق والفلسفة؟

الأستاذ: إن حقيقة المطلب تقتضي البحث في كنه المراد باليقين في الروايات؛ فنحن نتوجه بالإيراد على عين الاحتمال الذي ولد هذا الإشكال الأصولي. فمَن ذا الذي يثبت أن المراد باليقين في أخبار “لا تنقض” هو اليقين الوجداني المحض الذي وصفه الإمام الخميني بأنه في غاية القلة والندرة؟ إن هذا المعنى ليس هو المتبادر والمنظور في كلام الإمام (عليه السلام) بالمرة، بل المتبادر بدواً هو اليقين العرفي الدارج. فحينما ينهى الإمام السائل في موارد متعددة عن نقض يقينه بالشك، فإنه يخاطبه مع علمه بأحواله وظروفه، ومع علمه بأن اليقين الوجداني الحقيقي (الذي هو في غاية الندرة) خارج عن حدود سؤال السائل بالمرة. ولتلتفتوا بدقة؛ فهل يسوغ للإمام (عليه السلام) أن يقول: «لا تنقض اليقين»، وهو يروم اليقين الوجداني الحقيقي، مع كون هذا الفرض نادراً لا يلتفت إليه عامة المكلفين؟ إن حمل اللفظ على هذا المعنى النادر يؤول بالنهي إلى اللغوية؛ ومن ثم يتعين حمل اليقين على معناه العرفي الدارج الميسر لعامة المكلفين، وهو ما يرفع اللغوية عن كلام الإمام (عليه السلام)؛ فاليقين يحمل على ظاهره ومعناه العرفي الدارج. ويقرر الإمام الخميني أيضاً أن اليقين الذي يمتلكه المكلفون (والمعلوم حصوله من طرق وأسباب عرفية ميسرة) هو المراد بالنهي عن النقض بالشك في الروايات.

السؤال: إن الأمارة تفيد ظناً يعادل سبعين بالمائة تقريباً، وهذا لا يرتقي لمرتبة الاطمئنان، ومن ثم يبقى الإشكال مستقراً في المقام؟

الأستاذ: نعم، لو حملنا عبارة «لا تنقض اليقين بالشک» على اليقين العرفي المحض، لاستقر الإشكال والخدشة في البين. ولكن بالنظر إلى استقرار بناء العقلاء على الأخذ بالطرق الموصلة للواقع وإمضاء الشارع لها، يسعنا إخراج المورد المتيقن من حيز الشك بالتبعية؛ كأن نقول: صحيح أن الأمارة لا تفيد يقيناً عرفياً، ولكن بالنظر إلى جريان عمل العقلاء بمقتضاها وإمضاء الشارع لهذا المسلك، تخرج الأمارة يقيناً عن مصادیق الشك والتردد المنهي عن نقض اليقين به.

السؤال: يستقيم هذا التقريب في خصوص صدر رواية «لا تنقض اليقين بالشک»، غير أنه يصطدم بذيلها الوارد بعبارة: «بل تنقضه بيقين آخر»؟

الأستاذ: نعم، يمثل هذا الذيل موضعاً للشبهة والخدشة؛ إذ يزعزع هذا التقريب بالكامل؛ لكون الأمارة لا تساوق اليقين الآخر المذكور؛ ومن ثم يعود الإشكال مستقراً من هذه الجهة… ولا يسعنا التخلص من این الإشكال عبر این المسلك… فهو ممتنع؛ نظراً لإنكارنا لأصل مبدأ التنزيل وتتميم الكشف… فإما أن نرتضي التنزيل بالكامل وإما أن نرفضه بالكامل؛ ويمتنع الالتزام بالتنزيل في مورد دون آخر… وعليه، يوجه الإيراد والخدشة إلى الشواهد والقرائن التي استند إليها الإمام الخميني؛ حيث استشهد بروايات الاستصحاب الثلاث (صحاح زرارة الثلاث: الأولى والثانية والثالثة)، زاعماً امتناع حصول اليقين الوجداني فيها لكونه في غاية القلة والندرة، وهو ما يوجب حمل اليقين على الحجة والدليل.

والحق أن الروايات لا تسعف هذا المدعى؛ ولا تصلح أن تكون شاهداً ومؤيداً لهذا الحمل؛ وفي المقابل، فإن حمل لفظ “اليقين” على خلاف ظاهره ليفيد معنى “الحجة”، وحمل لفظ “الشك” على خلاف ظاهره ليفيد معنى “لا حجة”، هو تصرف ظاهر المخالفة للتبادر اللغوي والعرفي؛ فدعوى تجريد اليقين والشك عن معانيهما النفسانية وحملهما على الحجة واللا حجة خلاف الظاهر بالكامل، ولا نجد في الروايات ما يعزز هذا الحمل ويدعمه بالمرة.

السؤال: نحن على يقين بصحة الوضوء، وصحيح أننا لا نتيقن بالواقع تكويناً، ولكن لدينا أمارة معتبرة تقتضي صحة الوضوء، والرواية ناظرة إلى الظاهر لا إلى الواقع تكويناً؟

الأستاذ: وهل تمتلكون يقيناً وجدانياً بالصحة؟… كلا… فلماذا إذن؟ ألكونها حجة؟… إذن، يؤول كلامكم هذا بالتبعية إلى إرجاع اليقين والشك إلى معنى الحجة واللا حجة… وحمل اليقين على الحجة والشك على اللا حجة خلاف الظاهر بالكامل… والرجوع إليه يعود بنا إلى اليقين العرفي عينه. فإما أن نلتزم بالقول بالحكم الظاهري، وإما أن نحمل اللفظ على معنى الحجة؛ وكلا التقريبين يصطدم بالمبنى المختار لدينا؛ إذ يكمن سر ولادة هذه الشبهة والإشكال في هذا الموضع في الالتزام بتلك المبانی المشهورة القائلة بالحكم الظاهری، أو اليقين التعبدي وتتميم الكشف، وجعل المؤدى؛ وهو ما يوقع البحث في هذه المعاضد. غير أن الإمام الخميني يعرض صياغة أخرى لرفع هذا الإشكال بعبارته: «وَيَحْتَمِلُ الْقَوِيَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ فِي أَخْبَارِ الِاسْتِصْحَابِ هِيَ الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ».

وهذا الاحتمال القوي الذي يراه الإمام يفتقر بدوره إلى بيان الركيزة والقرينة التي يستند إليها؛ إلا أن يقال بحضور تلك المعضلات المانعة من حمل اليقين على التعبدي غير الوجداني، والمانعة من الالتزام بالحكم الظاهري، مع وجود هذه الشبهة المقتضية للتعارض والتماثل بین الدلیلین؛ فيكون هذا الاحتمال مخرجاً صناعياً للبحث.

السؤال: …

الأستاذ: كلا، فالأصل في اليقين السابق لا يمتد ليشمل هذا الفرض. ونعم، يستقيم هذا بأصالة الطهارة… ولكن البحث الحقيقي يدور حول مدى صلاحية الاستصحاب لإثبات مؤدى استصحاب آخر في طوله؛ كأن نثبت الطهارة بالاستصحاب أولاً، ثم نشك لاحقاً في بقاء هذه الطهارة المستصحبة، فهل يسوغ لنا استصحابها ثانية؟… والحق أن لفظ اليقين يحمل على معناه المتبادر الحقيقي؛ ومن ثم يمتنع شموله لغير اليقين الوجداني والواقعي بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهذا مبحث سنعالج تفاصيله في كتاب الاستصحاب بمشيئة الله تعالى.

ويمثل هذا الإشكال عقبة بالغة الأهمية في وجه دعوى تقدم الأمارات على الاستصحاب؛ فبالنظر إلى المعضلات المذكورة، نتردد بين الالتزام بامتناع تقدم الأمارة على الاستصحاب ووقوع التعارض والتماثل بينهما بالكامل، وبين ارتكاب خلاف الظاهر اللغوي دون قرينة واضحة تدعمه؛ والالتزام بالتقدم رغماً عن هذه الخدشات يفتقر إلى ركيزة صناعية متينة. وعليه، فإن دعوى إطباق الكلمة على التقدم بناءً على المباني المشهورة تسير بلا عائق؛ غیر أنها تصطدم بهذه العقبات بناءً على مبنانا المختار. ويتعين علينا التماس مخرج صناعي متين لحل هذا الإشكال، وهو ما أدعوكم للتأمل فيه ودراسته بدقة.

بحث الجلسة المقبلة

سنعرض في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى لبحث “ملاك تقديم الأمارة على الأصل” أو “وجه تقدم الأمارة على الأصل”؛ فما هو السر والعلة الكامنة وراء تقدم الأمارة على الأصل الأصولي؟ وتتعدد الأقوال والآراء في تبيين هذا الملاك؛ حيث يذهب فريق إلى تخريج التقدم بمسلك “الحكومة”، ويرى فريق ثانٍ تخريجه بمسلك “الورود”، ويذهب فريق ثالث إلى مسلك “التخصيص”، بينما يرى فريق رابع تبيينه بمسلك “الجمع العرفي”. ويبرز في المقام رأي خامس يقوم على التفصيل في المسألة؛ ومفاده امتناع تخريج تقدم الأمارات على الأصول قاطبة بملاك واحد مطرد، بل يختلف الملاك باختلاف الموارد والأصول العملية؛ فقد يثبت التقدم بملاك الحكومة في مورد، وبملاك الورود في مورد آخر؛ وهو رأي الإمام الخميني (قدس سره) وتوجيهه للمسألة. ويتعين علينا شرح هذه الأقوال وتبيينها بالتفصيل؛ وسنمهد لذلك بإشارة موجزة لمداليل هذه الاصطلاحات الأصولية وتمايز الآثار المترتبة عليها؛ كالحكومة، والورود، والتخصيص، والتخصص، والجمع العرفي؛ لنقف على حقيقة معانيها وفوارقها العلمية.

وهذا ما سنتابعه في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.