The news is by your side.

الدرس الثاني عشر، المقدمات، المقدمة الثامنة

الدرس الثاني عشر
المقدمات – المقدمة الثامنة: الفرق بين الأمارات والأصول العملية – الحق في المسألة

7 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دار البحث في المقدمة الثامنة حول الفارق بين الأمارات والأصول العملية. وعرضنا إجمالاً ثلاثة مبانٍ ومسالك مشهورة في تبيين هذا التمايز، وأخضعناها لدراسة مقتضبة وموجزة. والمقصود بالمباني الثلاثة هي تلك المسالك المشهورة بين الأصوليين؛ وإلا فإن وجوه التمايز المصورة تفوق هذا العدد؛ كاشتمال المسلك الأول نفسه على آراء ونظريات فرعية متعددة تدور حول مضمون المجعول في باب الأمارة.

فيأخذ الشيخ الأنصاري أن المجعول في باب الأمارة هو تنزيلها منزلة الواقع والعلم. ويرى آخرون أن مفاد الأمارة ومدلولها هو “جعل المؤدى”. ويذهب المحقق الآخوند إلى أن المجعول في باب الأمارات هو الحجية؛ والحجية عنده ترجع إلى صفتي المنجزية والمعذرية. بينما يرى المحقق النائيني أن الكاشفية هي المجعول الشرعي للأمارة. وعلى الرغم من تباين هذه الوجوه، إلا أنها تلتقي في جوهر واحد؛ وهو قيام الشارع بالإنشاء والجعل ببركة الأمارة؛ سواء أكان جعلاً للحجية، أم للمؤدى، أم للكاشفية. وتُعدّ هذه الآراء قاطبة من فروع وتفرعات المسلك الأول المذكور.

وعقب عرض المسالك الثلاثة المشهورة، بيّنّا ما يرد عليها من إيرادات وإشكالات حالت دون ارتضائها وقبولها؛ فمنها ما لم يثبت له تمايز حقيقي وماهوي في البين بل اقتصر على كونه تبديلاً لفظياً محضاً، ومنها ما وقع مورداً للنقض الفقهي والأصولي مما أوجب ردّه وعدم قبوله.

الحق في المسألة

والحق لدينا في تبيين الفارق بين الأمارة والأصل يقوم على التفصيل الآتي:

1. الأمارات

إن جوهر الحق في باب الأمارات هو خلوها بالكامل من مضمون الجعل والإنشاء الشرعي؛ فلا نرتضي قيام الشارع بإنشاء جعل خاص في باب الأمارات بالمرة. وإنکار الجعل في باب الأمارات هو مسلك التزم به المحقق البروجردي (قدس سره)؛ كما ذهب الإمام الخميني (قدس سره) أيضاً إلى إنكار أي جعل في باب الأمارة؛ فلا نرى في ساحة الشريعة مجعولاً خاصاً يتكفل الشارع بإنشائه ببركة الأمارة.

والواقع القائم في باب الأمارات هو عمل العقلاء بمقتضاها رغم إفادتها الظن في أنفسها واشتمالها على احتمال الخطأ؛ وذلك لاعتبارهم إياها طريقاً وسبيلاً موصلاً للواقع، ولانتفاء بديل وطريق آخر لديهم. فلو اشترط العقلاء تحصيل القطع واليقين الوجدانين في شؤون حياتهم ومعاشهم كافة، لآل الأمر بالضرورة إلى اختلال نظام المعيشة والحياة لديهم. ولذلك، وعلى الرغم من إفادة الأمارة للظن المشوب بااحتمال الخطأ، إلا أن العقلاء يأخذون بها لكونها طريقاً كاشفاً عن الواقع بنظرهم. وبناءً على هذا التقريب، نحن لا ننكر صفة الطريقية للأمارات، ولكننا لا نذهب مذهب المحقق النائيني القائل بجعل الشارع للطريقية؛ بل نرى الأمارة طريقاً في نفسها إلى الواقع، دون أن يتكفل الشارع بتتميم كاشفيتها؛ فلا تتميم للكشف في البين، ولا تنزيل للأمارة منزلة العلم واليقين، بل ينتفي الجعل بالكامل؛ وغاية ما في الأمر إمضاء الشارع لهذا المسلك والطريق العقلائي.

إذن، يأخذ العقلاء بالأمارات -كخبر الواحد- في شؤون حياتهم؛ لامتناع تحصيل اليقين في الأحوال كافة من جهة، ولأن حصر الأخذ باليقين يوجب اختلال نظام معاشهم من جهة أخرى؛ مضافاً إلى كون هذه الأمارات طرقاً تلوح بالواقع، ورغم ورود احتمال الخلاف فيها، إلا أن المحذور والمفسدة المترتبة على إهمال الأمارات وتجنبها تفوق بكثير معضلة العمل بها؛ ولهذا يستقر مسلكهم على الأخذ بها، وهو ما أمضاه الشارع؛ وإمضاء الشارع لها يعني اعتباره إياها حجة في شريعته.

السؤال: هل الإمضاء يعني عدم الردع؟

الأستاذ: نعم، فالإمضاء يتحقق تارة بعدم الردع وتارة بالتأييد الصريح؛ وهو بالمعنى الأصولي ليس جعلاً. ونعم، ينقسم جعل الشارع إلى قسمين: تأسيسي وإمضائي؛ غير أن الذي يذهب إليه الأعلام هو جعل الشارع للأمارة جعلاً تأسيسياً، ونحن نرى أن الشارع قد أمضى الطريق عينه؛ فلو سميتم هذا الإمضاء جعلاً تجوزاً، فليكن؛ ولكنه ليس مجعولاً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة؛ ولذا صرح المحقق البروجردي والإمام الخميني بانتفاء الجعل في الباب بالمرة.

ويذهب الإمام الخميني أساساً إلى أن جعل الكاشفية ليس من شأن الشارع؛ لكونه تدخلاً وتصرفاً في الأمور التكوينية. فالشيء المتسم بالطريقية إلى الواقع في نفسه يمتنع أن يتوجه إليه جعل الشارع ليقرر كونه طريقاً أو يجعله طريقاً، فهذا ليس من شأن التشريع والشارع؛ بل إن حده معلوم في نفسه، وقد قَبِله الشارع حجةً واكتفى به رغماً عن عدم تمامية كاشفيته وطریقيته.

السؤال: فلماذا تصرف الشارع في حدود الأمارة إذن؟

الأستاذ: كلا، ليس هذا من قبيل التصرف الحقيقي؛ فلو ذهبنا إلى حجية خبر الواحد في الموضوعات، لورَد هذا الإشكال متسائلاً عن وجه اعتبار البينة وسبب جعلها شرعاً؛ وهنا يتأتى الإشكال المذكور. والجواب عنه: أن الشارع قد اعتبر شهادة الشاهدين العادلين في بعض الموارد الخاصة بالنظر للأهمية البالغة التي تکتسیها تلك الموارد… أليس هذا تصرفاً؟ إن تدخل الشارع في الموضوعات يقع تارة بنحو الاختراع، وتارة بنحو التقييد، وتارة يبقى الموضوع على حاله. أليس البيع موضوعاً عقلائياً في نفسه؟ وقد صرح الشارع بحليته قائلاً: «… وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ …» (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)؛ غير أنه أردف قائلاً: «… وَحَرَّمَ الرِّبَا» (وَحَرَّمَ الرِّبَا)؛ محرماً البيع الربوي ومقيداً له. فهل يُعدّ هذا تصرفاً في أمر خارجي تكويني؟… إن الإمضاء قد يتعلق بعين الشيء الخارجي والعرفي كما هو، وقد يقترن بوضع قيد إلى جانبه. فلو فرضنا تحريم البيع الربوي، فهل يعني هذا قيام الشارع بخلق واختراع شيء جديد في البين؟… إن الحكم التكليفي المجعول مغاير للموضوع الخارجي بالكامل. وتحريم شق من البيع يفترق تماماً عن دعوى جعل البيع وتشريعه ذاتاً؛ والبحث هنا متمحور حول نفس الموضوع… فهل يتكفل الشارع بجعل الطريقية للأمارة ولخبر الواحد؟… إن الاعتبار هنا يؤول إلى الإمضاء; وهو إمضاء للسبيل والمسلك الدارج بين العرف… والمسألة تدور حول ما إذا كان هذا التحليل الفقهي لسلوك العقلاء تجاه الأمارات الظنية المؤدي لإمضاء الشارع لها يحمل معنى الجعل أم لا؟ وهل ينافي هذا قولنا بانتفاء الجعل شرعاً؟… كلا، لا منافاة في البين. وأي أمارات تعنون؟ لقد بيّنت لكم أن الشارع قد يتدخل في بعض الموارد بنحو خاص مراعاةً للأهمية البالغة للموضوع؛ كأن يشترط حضور شاهدين عدلين مثلاً؛ وهذا لا يعني أبداً جعل صفة الطريقية للأمارة ذاتاً… ووضع القيد إلى جانب الموضوع لا يخدش في أصل المدعى وقاعدته بالمرة؛ فنحن ننفي بالكامل جعل الشارع لصفة الطريقية للأمارة بنحو عام. ولو قلنا بانتفاء اعتبار الظن المستفاد من القياس، فهل يُعدّ هذا المنع جعلاً؟… وهل المنع والردع يُصنف جعلاً شرعياً؟ وهل تسمون الإمضاء جعلاً؟… فعليه، ينقسم هذا التصرف والتدخل إلى صورتين: تارة يقضي بالمنع والردع عن الطريق كلياً، وتارة يقترن بوضع قيد وشهد لضبطه؛ ولا منافاة بين هذين الأمرين وبين إنكار الجعل بالمرة. فمع علم الشارع بانتفاء اعتبار بعض الأمارات لم يمضها، ومع علمه بوجوب ضبط بعضها الآخر رتب عليها قيوداً وشروطاً رعايةً للأغراض والمصالح الكامنة، وهذا لا يحمل معنى جعل الطريقية للأمارة أصلاً. وإن القول بأن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية يُعدّ مقالاً باطلاً؛ وقد دقق الإمام الخميني النظر في هذا الموضع بدقة بالغة؛ حيث يرى أن جعل الكاشفية أو جعل المؤدى يؤول إلى التصرف في الأمور التكوينية الحقيقية، وهو ما ينأى عنه شأن الشارع والتشريع؛ ومن ثم يذهب جازماً إلى انتفاء وجود مجعول خاص في باب الأمارات، وأن الأمر ينحصر في حدود الإمضاء الشرعي للسيرة والبناء العقلائي الدارج.

وتأسيساً على هذا المبدأ، ردّ الإمام الخميني بالكامل فكرة قيام الأمارات مقام القطع واليقين في شتى الموارد. وحيث يبحث الأصوليون مسألة قيام الأمارة مقام القطع؛ ويذهبون إلى قيامها مقامه في القطع الطريقي المحض مطلقاً مع التفصيل في القطع الموضوعي؛ يرى الإمام انتفاء هذه النظرية بالكامل وعدم قابليتها للقبول في شتى أنواع القطع وأقسامه؛ وتتفرع هذه النظرية عنده عن مبدأ إنكار الجعل وانتفاء المجعول شرعاً في باب الأمارات بالمرة.

وأما التساؤل المطروح بالأمس حول انتفاء صفة الطريقية عنها بناءً على هذا المسلك؛ فنقول: إنها متسمة بالطريقية يقيناً، غير أن هذه الطريقية ذاتية عقلائية وليست مجعولة بجعل شرعي مستجد. فالذي ينكره الإمام ويمنع منه هو جعل الطريقية، أو جعل الكاشفية، أو تتميم الكشف؛ وإلا فإن طريقية الأمارات وإيصالها للواقع رغماً عن نقص كاشفيتها وإفادتها الظن فحسب هو أمر وجداني عقلائي لا يقبل الإنكار والجدال.

السؤال: …

الأستاذ: هذه هي القاعدة المستقرة في باب الأمارات. وأما قيام الشارع في بعض المواضع والموارد بتأسيس أمارة خاصة، فلا ينافي أبداً إنكار الجعل العام لصفة الطريقية؛ فنحن نذهب لانتفاء المجعول الشرعي في باب الأمارات بصورة عامة.

2. الأصول العملية

فهل يتوفر جعل وإنشاء شرعي في باب الأصول العملية؟ يمثل الأصل العملي في الحقيقة وظيفة عملية للمكلف يتكفل العقل أو الشرع بتحديدها ورسم معالمها له. وحيث يتوزع الأمر بين الأصول العملية العقلية والشرعية، يقوم الشارع أو العقل بإرشاد المكلف وتوجيهه نحو مسلك عملي خاص في شتى مواضع الشك والتردد؛ كأن يحكم باشتغال ذمته بالتكليف في موضع، أو ببرائتها منه في موضع آخر، أو بتخييره بین الفعل والترك عند دوران الأمر بین المحذورين؛ والغاية من هذا التوجيه والإرشاد هي إنقاذ المكلف من تيه الحيرة والتردد وإخراجه من الاضطراب؛ وعليه، فإن الأصل العملي يتكفل برسم وتبيين الوظيفة العملية للمكلف فحسب. ومن ثم فإن هذه الأصول لا تبتني على تتبع السيرة والبناء العقلائي، وإن شابهت السيرة في بعض فروعها؛ كأصل الاستصحاب الذي يرتكز على الأخذ بالحالة السابقة حيث يمكن إسناده للبناء العقلائي أيضاً؛ غير أن الركيزة الأساسية للأصل هي إرشاد الشارع أو العقل للمكلف وتوجيهه نحو سلوك ووظيفة عملية محددة. وهذا المسلك خالٍ من الجعل الإنشائي المستقل، كما يخلو من الحكم الشرعي بالمعنى الحقيقي للكلمة.

وبذلك يتضح وجه الفارق الحقيقي بين الأمارة والأصل؛ فالأمارة يرتكز أخذ العقلاء والمكلفين والمتدينين بها على اتسامها بصفة الطريقية والكاشفية عن الواقع وإيصالها إليه؛ بخلاف الأصل العملي الذي يخلو مجراه من حضور الظن والطريقية بالكامل. ونعم، قد يستثنى أصل الاستصحاب من هذه الجهة؛ ولهذا جرى العرف الأصولي قديماً على إدراجه ضمن الأدلة العقلية الكاشفة عن الحكم. بل إن الإمام الخميني (قدس سره) نفسه قد ذهب في الدورة الأولى لدروسه الأصولية إلى إدراج الاستصحاب في زمرة الأمارات، لينتهي في الدورة الثانية لدروسه إلى التراجع وإدراجه ضمن الأصول العملية؛ نظراً لقابلية الاستصحاب لإفادة الظن بالبقاء من جهة، وهو ما يجعله واقفاً على تخوم الحدود الفاصلة بين الأمارة والأصل؛ ولذلك قيل في وصفه: «عرش الأصول وفرش الأدلة»؛ لكونه أرقى رتبة من الأصول وأدون منزلة من الأمارات الكاشفة. ولهذا السبب جرت التبدلات في نظر الإمام وتوجيهه للأصل بين الدورتين.

وبغض النظر عن خصوصية الاستصحاب، فإن سائر الأصول العملية الأخرى تخلو من إفادة الظن بالمرة؛ فهل يورث احتمال التكليف ظناً بعدمه عند الشك، أو يورث ظناً بالواقع في موارد الاحتياط والتخيير؟ كلا، بالضرورة.

ولذلك يلوح لنا أن الفارق الحقيقي والجوهر التمايزي بين الأمارات والأصول العملية ينبغي أن يُصاغ على هذا النحو المذكور؛ نائين بالبحث عن مضمون المجعول في كل منهما، وعن أخذ الشك قيداً في الموضوع من عدمه، وعن ورود لغة الشك وصیاغته في لسان الدلیل؛ فهذه الجوانب قاطبة لا تكشف عن كنه التمايز الحقيقي القائم بين الأمارة والأصل ذاتاً.

السؤال: ألا يُعدّ وجوب الاحتياط المستفاد من الأصول العملية حكماً شرعياً مجعولاً؟

الأستاذ: … إن وجوب الاحتياط هو متعلق شكنا الذي وجهنا الشارع للعمل بمقتضاه أياً كان كنهه… وتوجيه المكلف نحو الاحتياط والعمل بموجبه بغية إخراجه من تيه الحيرة… لا يُصنف حكماً مجعولاً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فلم ينشأ جعل وتشريع في البين، بل انحصر الأمر في رسم حدود الوظيفة العملية للمكلف في مقام الامتثال… وأی جعل تعنون؟… فنحن قد ذهبنا لانتفاء جعل الحكم حتى في باب الأمارات، وامتناع قيام الإنشاء والجعل فيها… ونفينا الجعل هناك بالكامل. فكيف يسوغ لنا القول بوجود الجعل في باب الأصول والالتزام به؟… فهل أصالة الحل إلا عين البراءة؟ لا فرق بينهما بالمرة، فهما أصل واحد، غير أن أصالة الحل الجارية في الشبهات التحريمية لا تمثل حكماً شرعياً مجعولاً؛ كلا، بل تقتصر على تبيين وظيفة المصلي والمكلف حال الحيرة والتردد. وتأملوا؛ إذ يتعين عليكم العودة لأصل المبحث المبنائي لتتبينوا هل يجري جعل الحكم وتشريعه في باب الأصول العملية، أم يمتنع قيام الحكم الظاهري فيها بالمرة؟ وهل نرتضي وجود حكم ظاهري مجعول، أم ننفيه بالكامل ونراه خارجاً عن حقيقة الحكم والتشريع؟ فإذا كان الشارع يوجه المكلف للعمل بمسلك خاص مؤقتاً تفادياً للحيرة والبلبلة وحتى يتضح له وجه الحكم الواقعي، فليس هذا حكماً تشريعياً مجعولاً؛ بل هو بمثابة إيكال مهمة وتفويض وظيفة عملية للمكلف لئلا يبقى رهاً بلا توجيه. والشارع لا ينشئ جعلاً وحكماً في هذا مقام بالمرة…

السؤال: إن الحكم الحكومي حكم فقهي معتبر وإن اتسم بالصفة المؤقتة؟

الأستاذ: يتعين عليكم العودة والرجوع لدراسة مبحث “الحكم الظاهري”؛ للوقوف على تمامية القول بوجود الحكم الظاهري من عدمه. فجل الأصوليين الذاهبين لكونه حكماً يلتزمون بصفة الظاهرية له. وإذا رجعتم إلى ذلك المصنف، وقفتم على وجه إنكارنا لهذا المسلك وتبيين امتناعه بالكامل؛ ومتى ما ثبت لدينا انتفاء أصل الحكم الظاهري واستحالته، اتضح وجه كلامنا وجلائه. ويتعين عليكم المراجعة والتدقيق ليتبين لكم الأمر بتمامه.

هذا تمام الكلام في المقدمة الثامنة.

بحث الجلسة المقبلة

لقد تناولنا بالبحث والدراسة في المقدمة الثامنة الفارق والتمايز القائم بين الأمارة والأصل. وسنعرض بمشيئة الله تعالى في المقدمة التاسعة المقبلة لمبحث “تقدم الأمارات على الأصول العملية”؛ وهو من المباحث الأصولية بالغة الأهمية. وحيث تلاحظون تشتت هذا المبحث المهم وتفرقه في مواضع شتى من علم الأصول؛ إذ تارة يبحث الأصوليون تقديم الأمارة على الأصل في مباحث الأمارات، وتارة يعرضون له في هذا الموضع؛ تكتسب هذه المقدمات الممهدة أهمية كبرى لجمع شتات البحث وضبطه؛ للوقوف على سر تقديم الأمارة على الأصل؛ وما هو وجه هذا التقديم ودليله؟ وهل يستقر هذا التقديم على نحو الإطلاق والعموم، أم يختص ببعض الأصول العملية دون بعض؟

وهذه هي المسائل والأبحاث التي سنتابع دراستها وتحقيقها في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.