The news is by your side.

الدرس الحادي عشر، المقدمات، المقدمة الثامنة

الدرس الحادي عشر
المقدمات – المقدمة الثامنة: الفرق بين الأمارات والأصول العملية – دراسة المبنى الأول والثاني والثالث

6 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دار البحث حول الفرق بين الأمارات والأصول العملية. وبيّنّا أن هناك ثلاثة مبانٍ وثلاثة مسالك وطرق مشهورة في تبيين هذا الفارق، وعرضناها بالتفصيل في الجلسة السابقة. وكان المسلك والطريق الأول -المستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني- يرجع الفارق فيه إلى ناحية المجعول؛ فالأمارة ينطوي مجعولها على الطريقية والكاشفية والعلمية، بينما ينحصر مجعول الأصل العملي في لزوم الجري العملي أو تنزيل الأصل منزلة العلم في الجري العملي فحسب.

وقرر المسلك الثاني أن موضوع الأمارة يخلو من أخذ الشك فيه، بخلاف موضوع الأصل العملي الذي أُخذ الشك قيداً فيه.

بينما ذهب المسلك الثالث إلى أن لسان الدليل في الأمارة لا يدور فيه الحكم مدار الشك، بخلاف الأصل العملي الذي يدور فيه الحكم في لسان الدليل مدار الشك.

ويكمن الفارق بين المسلكين الثاني والثالث في أن أخذ الشك في موضوع الأصل بناءً على المسلك الثاني يتعلق بمقام الإنشاء، بينما يرجع أخذ الشك في موضوع الأصل بناءً على المسلك الثالث إلى مقامي الإثبات والدلالة. وهذا هو مجمل تلك المسالك الثلاثة المصورة في الفارق بين الأمارات والأصول العملية.

كما أشرنا سابقاً إلى أنه على الرغم من اتفاق الشيخ والمحقق النائيني في جوهر المسلك الأول، إلا أن بينهما تفاوتاً وتمايزاً في التفريع؛ وقد بيّنا ذلك التمايز وعرضنا إشكال المحقق الخوئي على الإضافة والتفصيل الذي صاغه المحقق النائيني زائداً على ما أفاده الشيخ الأنصاري.

دراسة المبنى الأول

وبغض النظر عن هذا التفاوت وعن مدى صحة دعوى المحقق النائيني في تبيين هذا التمايز، فإننا نروم الوقوف على مدى تمامية المسلك الأول في حد ذاته؛ وسواء أكانت حجية اللوازم العادية والعقلية والشرعية بالوساطة للأمارات دون الأصول مترتبة على هذا الفارق أم لا؛ فإن العمدة تكمن في معرفة مدى صلاحية هذه الضابطة المقررة للفارق بين الأمارة والأصل في المسلك الأول للقبول والاعتبار.

والحق في المقام أن هذا التقريب يُعدّ تاماً وصحيحاً من جهة واحدة؛ فبناءً على المسلك المشهور القائل بوجود “الحكم الظاهري” وكون مفاد الأصل العملي هو حكم ظاهري، يستقيم هذا الكلام بأن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية، بينما ينحصر المجعول في باب الأصول في حكم ظاهري يقتضي إيجاب الجري العملي (أياً كان مسماه). ولكن:

أولاً: بناءً على المسلك المختار لدينا، فإن “الحكم الظاهري” ينتفي وجوده بالكامل؛ إذ قد بيّنا إنكارنا للحكم الظاهري سابقاً وأوضحنا عدم صحة تقسيم الحكم إلى واقعي وظاهري. ومتى ما أنكرنا وجود الحكم الظاهري، تعذر القول بأن مفاد الأصل العملي والمجعول في بابه هو إيجاب الجري العملي بتشريع ظاهري مستقل. ونعم، يحدد الأصل العملي للمكلف وظيفة عملية ليسير عليها تفادياً للحيرة والاضطراب ولئلا يبقى متخلياً عن التكليف والامتثال.

السؤال: …

الأستاذ: لقد بحثنا مسألة الحكم الظاهري ودلائل إنكاره في موضعها بالتفصيل. ولهذا السبب فإننا نضرب صفحاً بالكامل عن التعرض لتلك المباحث المطروحة عادة في مطلع الأصول العملية حول الحكم الواقعي والظاهري وجوه الجمع بينهما. فالکثير من الأصوليين يخوضون في وجوه الجمع بين الحكمين الواقعي والظاهري، ولكننا لتناولنا هذا المطلب في السنوات السابقة ولصدوره مطبوعاً تحت عنوان “الحكم الظاهري: قبول أو إنكار”، آثرنا الإعراض عن إعادته هنا. وقد أثبتنا هناك انتفاء وجود جعلين وحكمين لدى الشارع يحمل أحدهما وصف الواقعي والآخر وصف الظاهري.

ثانياً: إن القول بأن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية والعلمية يُعدّ محلاً للنظر والخدشة بناءً على مسلكنا المختار أيضاً.

فقد ذهب المحقق النائيني إلى أننا نمتلك مجعولاً خاصاً في باب الأمارات؛ ومفاده جعل الشارع صفة الطريقية والكاشفية لها. وهذا التأسيس غير مرتضى على طبق مبنانا؛ فالشارع لم يثبت له جعل في الباب بالمرة. وإنما جرى بناء العقلاء على الأخذ بالأمارات والعمل بمقتضاها -رغم إفادتها الظن فحسب- نظراً لكون تحصيل اليقين والقطع الوجداني في شؤون الحياة كافة أمراً عسيراً بل ممتنعاً بالكامل؛ فلو اشترط البشر قيام القطع واليقين في تفاصيل حياتهم ومعاملاتهم اليومية لتعطلت حركة الحياة برمتها. فلو قال قائل إنني منذ استيقاظي صباحاً يتعين أن تكون الأمور بأسرها قطعية ويقينية في حقي، لتوقف عن أول خطوة يخطوها حتى يحصل له اليقين، ولما تسنى له قضاء أي من شؤونه الأخرى. وهذا ما يؤول بالضرورة إلى هرج ومرج وعسر وحرج ومضايق لا تُحتمل؛ ولذلك يعتمد العقلاء في تمشية أمور حياتهم على طرق لا تفيد اليقين، تفادياً لتلك المعضلات والمفاسد المذكورة. فالجهة الأساسية إذن لا صلة لها بجعل الطريقية والكاشفية للأمارة؛ بل إن العقلاء لا يأخذون بالأمارات من باب تنزيلها منزلة العلم، ولا يعملون بها لاعتبار الشارع إياها طريقاً وكاشفاً عن الواقع؛ فهذه الجهات قاطبة لا تقع محلاً لالتفاتهم ونظرهم. وبناءً على هذا، فإن القول بأن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية يغدو غير مرتضى، ومن ثم فإن الفارق الأول والمسلك الأول بين الأصول والأمارات لا يخلو من الخدشة والإشكال.

السؤال: …

الأستاذ: لقد بيّنت كلا المطلبين في موضعهما؛ وذهب الإمام الخميني (قدس سره) إلى ارتضاء كلا المبنبين أيضاً. وعلى الرغم من ذهاب البعض إلى أن الإمام لا ينكر الحكم الظاهري، إلا أنني أثبتُّ في ذلك المصنف وعرضت من القرائن والشواهد ما يؤكد ذهاب الإمام الخميني إلى إنكار الحكم الظاهری أيضاً. وأما في باب الأمارات، فيصرح الإمام -لا سيما في بعض الظنون الخاصة كخبر الواحد- بأن أخذ العقلاء بغير اليقين لا ينشأ أبداً عن تنزيلهم إياه منزلة اليقين… كلا، بل يمتنع لديهم تنزيله منزلة الطرق العلمية واليقينية؛ إذ ما هو الملاك الذي يسوغ تنزيل الظن منزلة اليقين أو الطرق العلمية؟ فالأمر لا يدور في فلك أمر الشارع وتعبيده بتنزيل الظن منزلة اليقين بالمرة.

السؤال: هناك مبنى يذهب للتنزيل وآخر يذهب للطريقية، والطريقية لا تفتقر بالضرورة إلى التنزيل منزلة العلم، بل لكون الكشف التام ممتنعاً…

الأستاذ: … والمقصود هو متمّم كاشفية الأمارة؛ أي تنزيل الكشف الناقص للأمارة منزلة الكشف التام لليقين. فحينما يأمر بجعل الأمارة طريقاً علمياً، فما معنى ذلك؟ معناه جعل هذا الكشف الناقص وهذا الظن منزلاً منزلة العلم واليقين والكشف التام بالتعمل والتشريع. بيد أن الواقع يجافي هذا التقريب بالكامل؛ إذ يرتكز مبنى المحقق النائيني أساساً على أن الشارع يتمم كاشفية الأمارة؛ نظراً لكون الكشف الحاصل بخبر الواحد كشفاً ناقصاً لاشتماله على احتمال الخلاف واقعاً، بخلاف الكشف الحاصل باليقين الوجداني الذي يتسم بصفة التمام لانتفاء احتمال الخلاف لديه بالمرة (وإن كان جهلاً مركباً)؛ فالواقع مشهود لديه كاشفيته تامة. وحيث تفتقر الأمارات المفيدة للظن إلى الكشف التام، يتدخل الشارع ليجبر هذا النقص ويتمم الكشف؛ آمراً بتنزيل هذا الطريق منزلة اليقين الوجداني. وهذا يعني صراحةً قيام التعبد والإنشاء التشريعي في البين. وهذا الموضع هو عين محل النزاع والخلاف بيننا؛ حيث نرى انتفاء هذا التأسيس بالكامل…

السؤال: لقد بيّنتم أنه لانتفاء طريق آخر للكشف تسقط الطريقية أيضاً؟

الأستاذ: كلا، بل لو انتفت الطرق الأخرى، فهل يسوغ لنا العمل بالقياس والظن المستفاد منه مثلاً؟… ليس الأمر كذلك بالمرة… بل نأخذ بالأمارة لكونها سيرة عقلائية ممضاة من الشارع لعدم وروده الردع والمنع عنها؛ وإلا فلو منع الشارع عنها لأعرضنا عنها بطبيعة الحال.

دراسة المبنى الثاني

وأما الطريق والمسلك الثاني القائم على أن التمايز بين الأمارة والأصل ينشأ عن أخذ قيد الشك في موضوع الأصل دون موضوع الأمارة؛ فالإشكال الأساس الوارد عليه هو امتناعه وغير معقوليته؛ وذلك لأن خلو موضوع الأمارة من أخذ الشك قيداً يقتضي بالضرورة إطلاق حجتها لعموم حال العلم والقطع الوجداني. فإذا لم يُؤخذ الشك في موضوع الأمارة، لزم من ذلك حجتها واعتبارها للمكلف حتى حال حصول اليقين والقطع الوجداني لديه، فيتعين عليه ترتيب الأثر على الأمارة حينئذٍ؛ في حين أنه متى ما حضر اليقين والقطع الوجداني انتفى بالضرورة دور الأمارة وامتنع الرجوع إليها. فهل تلمّستم موضع الإشكال وجوهر الخدشة؟

إن قولنا بعدم أخذ الشك في موضوع الأمارة يقتضي تعميمه لفرض القطع والظن على السواء؛ وحال حصول الظن لا إشكال في حجية الأمارة المعتبرة، ولكن التعميم يمتد ليشمل فرض حصول القطع واليقين أيضاً؛ لأن نفي أخذ الشك في الموضوع يتلاءم مع فرض القطع والظن معاً؛ ومن ثم يلزم اعتبار الأمارة وحجيتها حتى مع وجود القطع واليقين بالواقع، وهذا لازم باطل بالضرورة وفساده ظاهر؛ لأنه مع حضور القطع واليقين يمتنع جريان الأصول والأمارات قاطبة.

السؤال: …

الأستاذ: يقرر المسلك أن موضوع الأصل قد أُخذ الشك فيه قيداً، بخلاف موضوع الأمارة الذي خلا من قيد الشك. وحال الأصل يخلو من الإشكال، ولكن الكلام يدور حول الأمارة التي عُرّفت بانتفاء أخذ الشك في موضوعها؛ ومقتضى هذا التعريف شمولها وحجيتها لكل مورد خلا موضوعه من أخذ الشك، وهو ما يستوعب فرض حصول اليقين والقطع الوجداني بالضرورة، والمسألة لا ترتبط بالمفهوم؛ بل هذا لازم قهري وبديهي عقلي، وليس دلالة مفهومية. فالضابطة تقرر اعتبار وحجية كل دليل لم يُؤخذ الشك في موضوعه، وهذا يشمل فرض اليقين والقطع أيضاً، ومن ثم يلزم حجية الأمارة مع وجود القطع واليقين بالواقع، وهذا ظاهر الفساد؛ لامتناع نوبة الأصول والأمارات مع وجود اليقين الوجداني.

السؤال: …

الأستاذ: أين يكمن هذا القيد؟ هل في عبارة “ما لم يؤخذ فيه الشك”؟… وبأي دليل خارجي نثبته؟… نحن نطرح ضابطاً لتبيين حقيقة الأمارة بأنه: «مَا لَمْ يُؤْخَذْ فِي مَوْضُوعِهِ الشَّكُّ»، وهذا الضابط يستوعب ذلك الفرد بالضرورة…

السؤال: إنكم في مقام بيان الفارق والمميز، لا في مقام صياغة التعريف الجامع المانع؟

الأستاذ: نحن في مقام تبيين وجه التمايز والفارق الحقيقي بينهما؛ ولكن عندما نصوغ الفارق بعبارة: “ما أُخذ الشك في موضوعه” و”ما لم يُؤخذ الشك في موضوعه”، فإن الخدشة المذكورة ترد عليه بالضرورة.

دراسة المبنى الثالث

ومفاد المسلك الثالث أنه إذا ورد عنوان الشك وصُرح به في مقام الإثبات والدلالة في لسان دلیل الحكم المرتب عليه، فهذا أصل عملي، وإلا فهو أمارة. وهذا المسلك يتطابق جوهرياً مع المسلك الثاني، مع فارق وحيد يتمثل في رجوع الثاني لمقام الإنشاء والجعْل، ورجوع الثالث لمقام الإثبات والدلالة ولسان الدليل.

والحق أن هذا التقريب يمثل مسلكاً وعلامةً للكشف والتشخيص والتعرف على موضع الأصل والأمارة، ولكنه لا يثبت فارقاً حقيقياً وماهوياً بينهما؛ فهو يرشدنا لكيفية تمييز الأصل من الأمارة صياغةً، دون أن يكشف عن كنه التمايز الحقيقي القائم بينهما ذاتاً.

أضف إلى ذلك قابليته للنقض والإيراد؛ إذ نرى في بعض الموارد خلو لسان الدليل من الإشارة للشك في كلا البابين؛ ومثاله آية النفر، وآية النبأ: «… إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا …» (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)؛ فلغة الدليل لم تشتمل على أخذ الشك قيداً، وعليه تكون أمارة بمقتضى هذا الضابط؛ ولكن لو أردنا التماس حجية الأمارة والعمل بها بالاستناد إلى آية السؤال: «… فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ …» (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ فإن عنوان الشك والجهل قد ورد في لسان الدليل صراحة بعبارة: «إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»؛ ومن ثم يتعين صيرورته أصلاً عملياً بمقتضى الضابط المذكور.

السؤال: …

الأستاذ: بلى، الأمر كذلك؛ فالجهل وعدم العلم يساوق الشك بالمعنى الأعم… والشك المقصود في المقام لا ينحصر في تساوي الطرفين بالمعنى المنطقي؛ بل يمتد ليشمل عدم العلم والجهل المستوعب للشك والظن غير المعتبر والوهم على السواء. وعليه، يلزم من كلامكم هذا تالٍ فاسد ومستهجن؛ وهو صيرورة الدليل أصلاً عملياً إذا استندنا لآية السؤال، وصيرورته أمارة إذا استندنا لآية النبأ؛ فيكون الشيء الواحد أصلاً وأمارة باختلاف الدليل المستند إليه، وهذا باطل بالضرورة، ومؤكد لعدم تمامية هذه الضابطة المقررة.