مقاربات في كرامة الإنسان والمنظور الشرعي الإصلاحي لطقوس “عيد النوروز
فقه الفرح والابتهاج: مقاربات في كرامة الإنسان والمنظور الشرعي الإصلاحي لطقوس “عيد النوروز”
إن رؤية الشريعة الإسلامية حيال المناسبات والطقوس الوطنية تتسم دائماً بالبعد الإصلاحي والتقويمي؛ ويُمثّل عدم ردع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومواقفهم الصامتة والمهذبة الدليل الأبرز والأقوى على مشروعية طقوس “عيد النوروز”.الفرح والابتهاج حقٌ مكفول لكل “إنسان” بمقتضى فطرته وتكوينه ولا يقتصر حصره على المؤمنين وحدهم، والقول بإنتاج الفكر والعبادة في كنف المتنسك العبوس هو فهم غريب ومجافٍ لسيرة العترة الطاهرة.
إن رؤية الشريعة الإسلامية حيال المناسبات والطقوس الوطنية تتسم دائماً بالبعد الإصلاحي والتقويمي؛ ويُمثّل عدم ردع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومواقفهم الصامتة والمهذبة الدليل الأبرز والأقوى على مشروعية طقوس “عيد النوروز”. كما أن الفرح والابتهاج حقٌ مكفول لكل “إنسان” بمقتضى فطرته وتكوينه ولا يقتصر حصره على المؤمنين وحدهم.
ومما يؤسف له، وقوعنا في فخ الإفراط والتفريط في هذا المضمار؛ فحين نواجه مشكلة أو معضلة اجتماعية، وبدلاً من الحفاظ على هدوئنا وتأصيل القضايا وإجراء تفكير وتدبير علمي جماعي لعلاجها وحسمها، نسارع بوقوع الاضطراب والارتجال لاعتماد حلول مسكّنة عابرة تخفي معالم المشكلة مؤقتاً بغير علاج حقيقي لها؛ وحقيقةً نحن نعاني اليوم من آفة السطحية، والجهل والتصورات الخاطئة، والمخاوف غير المبررة في شؤون كثيرة.
وحول أبعاد “حق الفرح والابتهاج والطقوس الوطنية في الفقه”، أجرينا حواراً تخصصياً مع رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر وأستاذ درس خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي؛ مبيناً سماحته وجوب تحرير المعالم الروحية والفطرية للفرح وحقوق الإنسان قبل الخوض في تبيين حدوده الشرعية.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الفرح والنشاط كحاجة فطرية مشتركة للبشرية
شبكة اجتهاد: هل يُمثّل الفرح والابتهاج “حقاً” مكفولاً للإنسان، أم أنه مجرد حكم فقهي تكليفي؟ وهل يختص هذا الحق بالمؤمنين بمفردهم، أم هو حق عام لكل إنسان؟
الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، يُعد الفرح والابتهاج والنشاط واحداً من الاحتياجات الفطرية والطبيعية الأصيلة لكل إنسان. وفي حديث “جنود العقل والجهل” المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، جُعل الفرح والسرور والنشاط جنداً من جنود العقل، بينما عُد نقيضه وهو الكسل والخمول والفتور جنداً من جنود الجهل؛ كما جُعل الفرح جنداً للعقل والحزن والغم جنداً للجهل. ويرتكز بنيان هذا الحديث الشريف بالأساس على تبيين فطريات الإنسان وسجاياه التكوينية؛ وقد أبدع الإمام الخميني (ره) في كتابه “شرح حديث جنود العقل والجهل” بتبيين وتأصيل هذه اللفتة؛ موضحاً أن كافة الجنود والصفات الموصوفة بجنود العقل هي من الأمور الفطرية للإنسان؛ وصحيح أن الفطرة قد تتصف بالفطرة الأصلية أو الفطرة بالطبع (والتي يصطلح عليها الإمام بالفطرة المخمورة)، مما قد يوقع الإنسان أحياناً في تلمس شادمانية وسرور زائف يظنه فرحاً حقيقياً وهو في واقع أمره ليس سوى وهم وسراب؛ غير أن الفرح والسرور الحقيقي يظل في أصله حاجة فطرية وتكوينية للإنسان.
ويبرز الدليل الثاني على فطرية الفرح في الآية الكريمة: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»[1]؛ حيث صِيغ المنع من الضحك والإكثار من البكاء في الآية بوصفه عقاباً وجزاءً لمن تنكروا للحق وسلكوا مسالك الشرك والجاهلية واستكبروا؛ والجزاء والعقاب يهدف دائماً للتضييق والتربية والتنبيه، وهو بطبيعته يسير بالعبد خلاف رغبات فطرته وسجيته الطبيعية كالحبس والغرامة؛ وعليه فإن جعل منع الضحك وحرمان الفرح مجازاةً وعقاباً في الآية الشريفة يبرهن بوضوح على أن الفرح حاجة فطرية وطبيعية أصيلة للإنسان.
والدليل الثالث يكمن في أن الوعود والبركات الإلهية الموصوفة والواردة في القرآن الكريم والروايات الشريفة لوصف الجنة ونعيمها المقيم للعباد، تتمحور بأجمعها حول أمور تُورث البهجة، والفرح، والسرور، والابتهاج في نفوسهم؛ مما يثبت أن الفرح حاجة فطرية أصيلة.
وإذا ما تأملنا في نظام هذا الوجود الذي يُمثّل “النظام الأتم والأحسن”، سنجد أن مكونات الطبيعة والكون كافة قد صِيغت وركبت بطريقة تورث البهجة والفرح وتجدد النشاط في نفوس العباد؛ فطلوع الشمس وغروبها، وتلألؤ النجوم، وتعاقب الفصول الأربعة وغيرها من الظواهر، تصب بأجمعها لتلبية هذه الحاجة الفطرية للإنسان. وبما أننا نقر بكون الفرح والنشاط حاجة فطرية وطبيعية تقتضيها وتتطلبها الفطرة الإنسانية، فإنه يمثل يقيناً “حقاً” مكفولاً للإنسان؛ وحين نقر بكونه حقاً إنسانياً طبيعياً، فلا فرق فيه ولا تمييز بين مؤمن وغير مؤمن؛ فهل تنحصر بقية الاحتياجات الفطرية والطبائع التكوينية للمؤمنين بمفردهم دون الآخرين؟ كلا، بل إن ركائز وبنية الشخصية الإنسانية وصياغتها الأنطولوجية تشتمل على هذه الحاجة دون فوارق بين البشر؛ وبما أن الأحكام الشرعية تتطابق وتنسجم مع هذه البنية والاحتياجات التكوينية للإنسان، فقد حظيت بالرعاية والاهتمام البليغ في التشريع الإسلامي.
وبطبيعة الحال، يتعين الالتفات إلى أن للفرح والنشاط حدوداً وضوابط شرعية؛ ويجب ألا تؤدي الممارسات والطقوس المفرحة إلى انتهاك كرامة الإنسان ووقاره وصيانة حرمته.
حدود ومسار تطبيق قاعدة لا ضرر فقهياً
شبكة اجتهاد: إذا التزمنا بكون الفرح والبهجة حقاً إنسانياً، فهذا يعني ثبوت المقتضي؛ وإذا ما شككنا في موضع ما في وجود مانع أو رادع له، فهل يسوغ لنا نفي وإزاحة هذا المانع بالتمسك والاستناد إلى “قاعدة لا ضرر”؟
الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، واتباعاً لمنهج ومبنى الإمام الخميني (ره) الأصولي، تُعد “قاعدة لا ضرر” حكماً سلطانياً وحكومياً صادراً من مقام الولاية لتسيير شؤون الحكم، ولا صلة لها بالورود والاستدلال في مثل هذه الأبواب والعرصات الفردية والأخلاقية؛ وبصورة عامة، لا يسوغ الادعاء فقهياً بأن غياب فلك أو حفل ترفيهي معين يمثل ضرراً بليغاً يبيح لنا استخدام قاعدة لا ضرر لإزاحة حظر استخدامه؛ ولكن بالمقابل، لو أُقصيت بهجة الحياة ونشاطها بالكامل عن المحيط الاجتماعي وساد الحزن والخمول والكساد، فإن هذا يورث ضرراً بليغاً وحرجاً فادحاً يقيناً، ويسبب الركود والكسل ويقف عائقاً حقيقياً يحول دون تقدم وعمران البلاد، وهو ما يقرره أطباء الصحة النفسية والأخصائيون التخصصيون بوضوح.
غير أن القول بأن زوال وحرمان أمر ضروري يورث ضرراً يبيح لنا تحليله وإباحة كافة طرقه وممارساته بغير ضوابط، هو منهج لا أرتضيه وأرفضه بالكامل فقهياً؛ لكون مصادرنا الفقهية وقواعدنا الاستدلالية تذخر بالحلول والمخارج المتقنة والشرعية لعلاج هذه الشؤون بغير حاجة لسلوك هذا المنزلق الوعر والخلط المعرفي.
نقد صورة “المؤمن العبوس” وحقيقة الفرح الوجداني في السيرة النبوية
شبكة اجتهاد: لماذا يُنظر للفرح والبهجة في بعض الأوساط والذهنيات الثقافية الدينية بوصفه شأناً رخيصاً، وتافهاً، ومرجوحاً بالظاهر؟ وهل يملك هذا المنظور والتقييم السلبي أي ركيزة أو جذور دينية أصيلة؟
الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، إن هذا المنظور يمثل انحرافاً فكرياً واضحاً وقراءة خاطئة مشوهة لمعارف الدين الغراء؛ ويتحتم علينا أولاً تحرير “حقيقة وجوهر الفرح والبهجة” لنقف على أسباب اتخاذ هذا الموقف المتشنج لدى البعض والذي يزعم واهماً وجوب اتصاف العبد الصالح والمتنسك الملتزم بـ “العبوس وبشاعة الوجه والغلظة”! فحقيقة الفرح والبهجة تكمن في واقع أمرها في استشعار الرضا، والأمن، والسكينة، والاستقرار النفسي والروحي للعبد؛ والبهجة تعني الطمأنينة واستشعار الرضا المصحوب بمنتهى اللذة والابتهاج؛ وهي حالة قلبية باطنية، وصحيح أن مظهرها الخارجي قد يتجلى في سلوكيات وممارسات ملموسة، غير أن أصلها روحي.
أما كيف يتحقق استشعار الرضا والبهجة؟ فإن موقف الشريعة الغراء حيال هذا المطلب في غاية الوضوح والأصالة؛ فما أكثر الأحاديث والروايات التي حثت وبقوة على وجوب تبسم المؤمن وبشاشة وجهه في لقائه بالآخرين؛ صيانةً لنقل ونشر طاقة الفرح والبهجة والود في قلوب العباد وتأليفها؛ ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) مبيناً منزلة إدخال السرور على المؤمن: «مَنْ سَرَّ مُؤْمِناً فَقَدْ سَرَّنِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ رَسُولَ اللهِ (ص)، وَمَنْ سَرَّ رَسُولَ اللهِ فَقَدْ سَرَّ اللهَ تَعَالَى»، وهو دليل بليغ وحاسم يبرهن على الأهمية البالغة التي يوليها الباري جل وعلا لإدخال السرور والفرح والبهجة على نفوس العباد وصيانتها.
ولقد كان أمير المؤمنين (ع)، وشخص الرسول الأكرم (ص)، وسائر الأئمة الأطهار (عليهم السلام) يتعاملون مع أصحابهم بمنتهى اللين وبشاشة الوجه والتبسم ويمزحون معهم بالمعروف؛ فكانت سيرة المعصومين والمتشرعة على الدوام حافلة بالبهجة والفرح، ولا ريب في كون السرور وبشاشة الوجه علامة من علامات الإيمان الصادق؛ ومصداق ذلك ما صاغه الحديث الشريف: «الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ». وأما الحزن والغم المروي والممدوح في كلمات أهل البيت (ع)، فهو يقتصر على حزن العبد المعرفي والروحي وقلقه الخائف من التقصير في أداء التكاليف وحجم مسؤوليته بين يدي الله وما إذا كان قد أحرز رضا الباري جل وعلا أم قصر في ذلك؛ وهو حزن يشبه قلق التلميذ الحريص الدؤوب لإرضاء معلمه ووالديه؛ وعليه فإن هذا النوع من الحزن المعرفي لا يتنافى بتاتاً مع الفرح والسرور وبشاشة الوجه والنشاط مع الآخرين. وورد في الروايات أن المسلم يوزع أوقاته على الدوام في ثلاثة شؤون لا رابع لها: تأمین معاشه وقوته، العبادة والتعبد لله، والتمتع باللذات والتفاريح والترويح الحلال عن النفس.
إذن، الفرح والترويح عن النفس يمثل ركناً أساسياً وجزءاً من نمط الحياة الإسلامية؛ ولكن إقدام البعض -بسبب الجهل وسوء الفهم لسيرة أهل البيت (ع) والوقوع في هاوية السطحية والتفسير السطحي لبعض الآيات مثل قوله تعالى «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا»- على الزعم بوجوب البكاء المستمر والمنع من الضحك، هو طرح ينطوي على جهالة وتسطيح فادح للنصوص. ويضاف إلى ذلك، معضلة واقعية تكمن في أن شريحة واسعة من البرامج والطقوس المروجة للفرح والنشاط في المجتمعات المادية قد شابتها وامتزجت ببعض الممارسات والسلوكيات المحرمة والمنهیه عنها شرعاً؛ مما أوجد ذهنية وتحفظاً لدى المتدينين يربط رباطاً خاطئاً ومغلوطاً بين الفرح والبهجة وبين الغفلة، والابتذال، والوقوع في دنس الحرام والمعاصي، فآثروا جفاء الفرح والابتعاد عنه تخلصاً من الانحراف.
والشق الآخر يكمن في أن للفرح مراتب ومنازل متباينة تبعاً لاستعدادات النفوس ورقيها المعرفي؛ فالفيلسوف ابن سينا في دراسته للقيم الجمالية واللذات يصنفها إلى مراتب شتى: لذة حسية، ولذة خيالية، ولذة وهمية، ولذة عقلية؛ ويرى ابن سينا أن ذروة اللذة وأعلاها رتبة هي اللذة العقلية والروحية؛ ومصداق ذلك ما نقله المحقق نصير الدين الطوسي (قدس سره) في وجدانه العلمي حين كان يحل معضلة علمية شائكة فيقول بابتهاج: “أين الملوك وأبناء الملوك من لذتي هذه وكيف يتسنى لهم إدراكها؟!”.
وهذا يرجع بالأساس لتفاوت الطاقات والقدرات الذاتية للعباد؛ فكل إنسان يملك سعة تمكنه من صياغة لذته وفرحه الخاص المعنوي والعقلي؛ ولكن الخطأ الفادح يكمن في محاولتنا تعميم هذه المرتبة العليا من اللذة العقلية الخاصة على عامة شرائح المجتمع بالقسر وبسطها عليهم كبرنامج إلزامي؛ فالإمام أمير المؤمنين (ع) بالرغم من بلوغه ذروة اللذة العقلية والملكوتية الفذة التي لا تحيط بها عقولنا، كان يتعامل مع عامة الناس والبسطاء بما يناسب مستواهم ويشاركهم تفاريحهم وبشاشة وجوههم ويصنع البهجة في قلوبهم بالمعروف؛ وكذلك كان يفعل رسول الرحمة (ص) وهو أشرف الممكنات.
وعلينا الإدراك بأن واجبات ومسؤوليات الدولة، والحكومة، والمؤسسات التبليغية والعلماء يجب ألا ترتكز برامجها على مطالبة عامة الجماهير ببلوغ القمم والمثالية والافتراضات الكبرى قسراً؛ لأن فرض الرؤية المتشددة والمثالية على المجتمع بغير مراعاة الطاقات والقدرات، سيفضي يقيناً لتداعيات عكسية وخيمة جداً وينتهي بالناس إلى النفور من الدين ورميه بالجفاء والقشور؛ مما يوجب صياغة الأهداف برؤية حكيمة ومراعاة مستويات المجتمع وقدراته والعمل لتزكيتها خطوة بخطوة باللين والمحبة والرفق بعيداً عن الشعارات الصاخبة؛ والواقع يؤكد وقوعنا قديماً في بعض هذه الأخطاء والخطوات المرتجلة بسبب التشنج والغلظة والتوهم بأن التبسم وبشاشة الوجه يفسح المجال للتساهل واللاأبالية المعرفية والدينية، وهو وهم خاطئ وعقيم جداً.
تلازم الفقه والفنون ومظاهر الفرح في الأمة
شبكة اجتهاد: يُشاع أحياناً وجود تضاد وصراع ماهوي بين الفقه وبين الفرح والابتهاج؛ ويستند مروجو هذه الشبهة إلى حظر الفقه لبعض شعب الفن كالرسم، والموسيقى، وصناعة التماثيل بوصف الفن واحداً من مخرجات الفرح؛ فكيف تفندون هذه الشبهة؟
الأستاذ نورمفيدي: إن هذا الادعاء باطل وعارٍ عن الصحة يقيناً؛ فالشريعة الإسلامية والفقه لا يتعارضان أبداً مع السكينة الروحية، والسعادة، والابتهاج، واستشعار الرضا، ولا يمكن للفقه التنافي مع هذه السجايا التكوينية؛ لكونها أموراً وجدانية وفطرية. ولكن السجال الفقهي يتمحور حول “ماهية وخصائص الأدوات والوسائل الموظفة لنيل هذا الاستشعار”؛ فالفقه يرفض ويحظر يقيناً بعض الوسائل الرخيصة كشرب المسكرات والخمور؛ فبالرغم من كونها تمنح متناولها لذة وخيالات فرح مؤقتة وسريعة الزوال، إلا أنها تماثل الغذاء الفاسد الذي يورث المرض والتلف لروح الإنسان وعقله وباطنه.
ولكن القضية تكمن في أننا حين نبيّن ونفرز المحدوديات والمحظورات الشرعية بوضوح، نهمل بالمقابل تبيين وتوجيه وتسهيل “الوسائل والسبل المشروعة والمفتوحة” لنيل الفرح والسرور في مجتمعاتنا، بل قد نبادر عملياً لغلقها وحظرها بجفاء وتشدد. وأذكر نموذجاً حياً تشهده مجتمعاتنا الحالية؛ وهو التوسع والتمدد العشوائي الملاحظ طوال عقود في زيادة وتوسيع أيام ومناسبات العزاء والندب طوال أشهر العام، وهو تمدد عشوائي يخالف مواقف وتوجيهات مراجعنا الأعاظم وفقهائنا الكبار الذين حذروا من مغبة تسييل حدود مناسبات العزاء صيانة لحرمة الشعائر وجلالتها؛ ورغم ذلك نرى بأسف اتساع رقعة العزاء لتلتهم أوقاتاً شاسعة من أشهر العام بغير رادع أو تحجيم حقيقي يحافظ على حيوية ونشاط ومناسبات الفرح في المجتمع.
إننا بأمس الحاجة لإجراء مراجعة شاملة وإصلاح حقيقي لأدوات ووسائل الفرح والسرور في مجتمعاتنا؛ فعلى سبيل المثال، لو تأسس عرض مسرحي أو مسابقة ترفيهية لإضحاك الناس وبث السرور والبهجة في نفوسهم، فهل نعده مصداقاً للعب واللهو المذموم؟ يذهب طائفة من الفقهاء للاستشكال في هذه الممارسات ووصفها بكونها من مصاديق اللهو المذموم؛ بينما يجري التوظيف الواعي لهذه البرامج الاستعراضية والكوميدية والمسابقات في شتى دول العالم المتقدم لصياغة التنمية الفكرية والثقافية الإيجابية للشعوب؛ لكون الرسالة التثقيفية والتربوية لكي تؤتي ثمارها لدى عامة الناس يتحتم صياغتها بلغة الفرح، والضحك، والمسابقات الحماسية الجاذبة للقلوب.
وبصفة عامة، يبدو أن طائفة من الفتاوى والمواقف التاريخية التي قضت بحظر أو كراهية بعض شعب الفن والأنشطة قديماً، كانت معللة بالأساس بوجود “موضوعات وعلل معينة” تلاشت وزالت كلياً من واقع العالم المعاصر؛ مما يفرض فقهياً إعادة قراءة تلك الأدلة وإجراء مراجعة تخصصية لأحكامها الشرعية بما يلائم الواقع.
التعاطي التهذيبي للشريعة مع الطقوس الوطنية لـ “عيد النوروز”
شبكة اجتهاد: فيما يتعلق بالطقوس والمناسبات التاريخية القديمة كـ “عيد النوروز”، هل يسوغ لنا فقهياً وشرعياً نفي مشروعيتها ومحاربتها؟
الأستاذ نورمفيدي: بصفة عامة، واستناداً للتقارير التاريخية، والآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة؛ يتصف تعامل الإسلام وموقفه حيال السنن، والآداب، والطقوس القومية والوطنية للشعوب بـ “الموقف الإصلاحي والتقويمي والتهذيبي الخالص”؛ فلا هو ينتهج مسار الرفض المطلق والنفي الكلي لها، ولا يقبلها قبولاً أعمى بغير تمحيص. وثمة ثلاثة مفاهيم متلازمة في مجتمعاتنا: “القومية”، و”الهوية الوطنية”، و”الأمة الإسلامية”. وكل مفهوم يتسع ليشمل الآخر ويرتبط به برباط عادل؛ والإسلام يقر ويحترم ويضمن بقاء هذه المفاهيم والروابط التكوينية؛ فالقومية والوطنية لا تتعارضان بتاتاً مع الالتزام بأهداف الأمة الإسلامية الكبرى.
وإن هذا الموقف يُمثّل لفتة بالغة الحكمة والدقة في الشريعة الإسلامية؛ لكونها صانت القوميات والتمايزات الثقافية للشعوب ولم تبادر لهدمها؛ بينما بادر بعض المتشددين الجهلة قديماً برفع شعارات “الأمة” لمحاربة ونفي كافة الهويات الوطنية والقومية للشعوب بجهالة وغلو، وهو منهج خاطئ وعقيم جداً ومثل واحداً من أهم عوامل نفوذ الأعداء ومهاجمتهم للإسلام بدعوى سعيه لمحو هوياتهم وتاريخهم الوطني الشامخ.
وصحيح أن الإسلام يؤكد على واجب الدفاع والتضامن الإسلامي المشترك بين أتباع الملة كافة (كيد واحدة في مواجهة الغزو والعدوان الأجنبي)، إلا أنه يحترم السنن والأعراف والآداب الوطنية للشعوب ما لم تشتمل على محظور أو رذيلة شرعية منكرة. بل إن بعض السنان الجاهلية التي كانت شائعة قديماً -إبان فجر البعثة النبوية الشريفة- لم ينه الشارع عنها بل صانها وأمضاها لكونها تشتمل على قيم إنسانية ونبيلة حث عليها الدين؛ مما يؤكد أن منهج الإسلام تعاطي تهذيبي إصلاحي خالص؛ فينهي ويحرم الطقوس والممارسات التي تتعارض مع التوحيد والأخلاق، ويبيح ويقر تلك التي تمثل مباحات ونشاطات اجتماعية نافعة، ويؤكد ويحث على تلك التي تشتمل على الفضائل ومكارم الأخلاق.
وفيما يتعلق بـ “عيد النوروز” والطقوس الوطنية التاريخية لإيران، لم تقتصر الشريعة ومواقف المعصومين (عليهم السلام) على عدم النهي والمنع عنها فحسب، بل جرى إقرارها وإمضاؤها في الجملة. فالنوروز طقس تاريخي أصيل وعريق شاع وتوارثه الإيرانيون منذ ما قبل انتصار الإسلام؛ ونظراً للارتباط التاريخي والروحي الوثيق للإيرانيين ببيت الأئمة المعصومين (ع)، فمن المستبعد جداً والجاهل بالواقع الادعاء بأن هذا الطقس لم يُعرض ويُسأل عنه أئمة الهدى (ع)، أو أنهم لم يعاينوا ممارسة الإيرانيين لطقوسه عياناً؛ وعليه فإن ثبوت وقوعه تحت مرأى وعلم وإشراف المعصومين وعدم صدور أي ردع أو نهي أو منع شرعي عنهم (عليهم السلام) حيال طقوسه المباحة والإنسانية (من صلة الأرحام، والتزاور، والنظافة، وتبادل الهدايا والود والرحمة)، يُمثّل يقيناً «الدليل الأقوى والأبسط على مشروعيته وإمضائه شرعاً» في ميزان الفقه الشيعي الأصيل.