The news is by your side.

مقاربة في تلازم الشريعة وبناء الذات ونقد القراءات التبسيطية

التوسل والشفاعة في المنظور الخمينّي: مقاربة في تلازم الشريعة وبناء الذات ونقد القراءات التبسيطية

  • إن التوسل والشفاعة في مدرسة أهل البيت (ع) هما وسيلتان للارتقء الروحي وبناء الذات، ويتألف التوسل الحقيقي من ثلاثة أركان متلازمة: المعرفة، والمحبة، والطاعة.نقد بليغ وتفصيلي للمفهوم التبسيطي للشفاعة الذي يحول مقام الأئمة الأطهار وسيد الشهداء (عليهم السلام) إلى غطاء للمعاصي والتهاون بأحكام الشريعة.

حريم إمام: من المسائل العبادية التي تحظى باهتمام بالغ لا سيما في شهر رمضان المبارك، مسألة “التوسل”؛ فما هو تعريفكم ومفهومكم الدقيق للتوسل في الشريعة؟

الأستاذ نورمفيدي: يمثّل شهر رمضان المبارك ربيعاً للقلوب وموسماً للعبودية والتبتل وتلاوة القرآن، بل هو بحق “شهر التوسل”. وإن من أسمى أوقات هذا الشهر العظيم هي ليلة القدر المباركة، ويتوجب أن يرتكز العمل العبادي الأبرز فيها على التوسل بالوجود المقدس لصاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف وأرواحنا لتراب مقدمه الفداء)؛ وعليه فلو قلنا إن التوسل بمعناه الحقيقي يمثل “قلب شهر رمضان”، لما كان ذلك قولاً مبالغاً فيه؛ غير أنه يتعين تبيين وتوضيح القراءة الصائبة والعميقة لمفهوم التوسل المستقاة من صريح الآيات، والروايات، ونظريات كبار المحققين والعلماء الأفاضل.

وتعريف التوسل لغة واضح ومعلوم؛ ويعني: الاستعانة بشيء أو بشخص للوصول إلى الغاية والمقصد المرجو. أما بالاصطلاح الشرعي، فيمكننا تعريفه بإيجاز في هذا المقام بأنه: “استعانة العبد بالوسائل والوسائط الشرعية التي حددها الشارع المقدس ونبه عليها الدين، لنيل القرب الإلهي وقضاء الحاجات وتسهيل شؤون الحياة”.

الضرورة الوجودية للتوسل وركائز السير في قوس الصعود

حريم إمام: هل تُعد مسألة التوسل من ضروريات الدين؟ وهل يسوغ لنا تصوير تدين صحيح ومتكامل يبلغ غايته القصوى من دون التزام بمسألة التوسل والاعتقاد بها؟

الأستاذ نورمفيدي: لا تُعد مسألة التوسل من ضروريات الدين بالاصطلاح الفقهي والعقدي الصارم، غير أنه يتعين وصفها بـ “الضرورة الوجودية والعملية”؛ بمعنى أنها تمثل معبراً حتمياً وضرورة حتمية، لا مجرد رخصة أو فرصة اختيارية عابرة؛ إذ لا سبيل أمام البشرية لنيل سعادة الدنيا والآخرة وكمالها المعنوي من دون التوسل. وبصفة عامة، ثمة تباين بين علماء الأمة في مسألة هل يحتاج العبد لوسيط وواسطة للارتباط بالخالق والتقرب إليه أم لا؟

ويذهب اتجاه فكري لعدم حاجة العبد للوساطة للارتباط بالله والتقرب إليه؛ مستندين في ذلك إلى بعض الآيات القرآنية التي لا يبعد دلالتها في النظرة الأولى؛ كقوله تبارك وتعالى: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ»؛ مبيناً أن الباري جل وعلا أقرب للإنسان من حبل الوريد، فما حاجتنا للوساطة مع هذا القرب الإلهي الفذ؟ غير أن هذا يمثل بعداً وجانباً واحداً من المنظومة المعرفية الإسلامية؛ وحين ندرس المعارف الدينية بوصفها كلاً متكاملاً ومتجانساً (منظومة متماسكة)، ندرك يقيناً أنه بالرغم من هذا القرب الإلهي الشامل واللطيف بالعباد، إلا أن ترقية العبد وتساميه المعنوي لنيل مقام القرب والوصال بالذات الإلهية يستحيل تحقيقه بغير واسطة وسبب شرعي.

ويمكننا إثبات هذا المطلب بإيجاز استناداً إلى أربع مقدمات علمية:

  • المقدمة الأولى: ما هو المعنى الحقيقي والواقعي لـ “التقرب إلى الله”؟ إن جوهر التقرب الإلهي يكمن في تجسيد وتجلي الصفات والأخلاق الإلهية في وجود الإنسان وروحه وسلوكه؛ لكون القرب من الباري جل وعلا يستحيل تصويره كقرب زماني أو جغرافي مادي؛ بل يعني أن يتصف العبد بأسماء الله وصفاته الحسنى ويكتسي بصبغة إلهية مباركة؛ فبما أن الله تبارك وتعالى عادل، وغفار، وستار، ورحيم؛ فيتعين على العبد الاتصاف بهذه الفضائل والمكارم بمقتضى وجوده الإمكاني المحدود؛ وصحيح أن وجودنا المحدود تضيق صفاته وتقتصر على مراتب دونية، غير أن الوجود المبارك للنبي الأكرم (ص) بوصفه أقرب المقربين وأشرف المخلوقات قد بلغ ذروة وقمة هذا التكامل والاتصاف بالأسماء الإلهية؛ ولهذا يوصف هو والأئمة الهداة (عليهم السلام) بـ “الإنسان الكامل” لبلوغهم قمة الكمالات المتاحة للوجود الإمكاني؛ وكلما تجلت هذه الصفات في العبد ارتقى في مدارج الكمال.

  • المقدمة الثانية: إن نظام التكوين وبنيان هذا العالم قد صِيغ وتأسس استناداً إلى “نظام العلية والسببية” (نظام العلة والمعلول)؛ فلا يتحقق حدث ولا تترتب غاية في الوجود بغير سبب وعلة ممهدة لها.

  • المقدمة الثالثة: إن هذه العلل والأسباب تنقسم إلى شقين أساسيين: علل مادية طبيعية، وعلل معنوية ملكوتية. ومثلما تحكم العلل المادية شؤون الطبيعة، تسود العلل المعنوية شؤون السمو الروحي للعباد؛ فعلى سبيل المثال، ثمة ممارسات وسلوكيات تتدخل بقوة وتؤثر في سعة رزق الإنسان وبركته؛ كصلة الرحم، والصدقة، وحسن المعاملة؛ وإن تأثير صلة الرحم في زيادة الرزق يمثل “علة معنوية” تفرز أثراً مادياً وروحياً حقيقياً في حياة العبد.

  • المقدمة الرابعة: إن نيل القرب والوصال الإلهي هو الغاية الأسمى والمنتهى الأقصى لخلق الإنسان ووجوده؛ فالإنسان قد هبط في قوس النزول من عالم الملكوت ليلج عالم الناسوت المادي، ويتحتم عليه في قوس الصعود التسامي والترقي المعنوي وتجاوز أدران الطبيعة لنيل مقام القرب الإلهي بتمام وجدانه؛ وهو الغاية العظمى لخلق هذا الكون برمتها.

وبالضم والتوليف بين هذه المقدمات الأربع، نخلص يقيناً إلى أن: “نيل مقام القرب الإلهي وبلوغ كمال الإنسانية وتجلي الصفات الإلهية في ذات العبد، هو حدث يستحيل تحقيقه بغير علة وسبب ممهد له”؛ كسائر شؤون وقوانين هذا الوجود؛ وبناءً عليه فإن ارتقاء الإنسان وهدايته ليكون ربانياً ومقرباً يتطلب توفر علل وأسباب معنوية حددتها الآيات والروايات الشريفة بوصفها وسائط ووسائل للتقرب؛ فلا سبيل للعبور في هذا السير والسلوك المعنوي الطويل بغير وسيلة وسبب شرعي كفله الخالق سبحانه وعرّفه لعباده صراحة.


قدرة العقل والوحي في تشخيص الوسائط والعلل المعنوية

حريم إمام: هل يقوى العقل بمفرده على إدراك وفهم ضرورة حاجة الإنسان للتوسل لنيل سعادته وهدايته؟

الأستاذ نورمفيدي: يقوى العقل بمفرده على إدراك “أصل حاجة البشر للسبب والواسطة”؛ فعلى سبيل المثال، يدرك العقل بداهة أن نيل مرتبة العلم والتعليم يتطلب سبباً وواسطة علمية، وصياغة الثروة تتطلب أسباباً وعللاً مادية وتخطيطاً؛ وكذلك نيل رتبة القرب الإلهي تقتضي وجود سبب وواسطة يقيناً. ولكن العقل يعجز بمفرده عن تشخيص ومعرفة كنه هذه الوسائط والعلل المعنوية وكيفية السير صونها؛ وصحيح أن العقل يقر أصل الحاجة للسبب، غير أن تعيين وتشخيص ماهية هذه الوسائل والعلل المعنوية وتفصيل معالمها هو شأن يتكفل به الوحي الإلهي؛ ومن هنا نهرع لنصوص القرآن الكريم والروايات الشريفة المأثورة للاستهداء بها ومعرفة وسائط التقرب وتفعيلها.

الوسائط الثمانية في مصادر الشريعة ونقد المنهج الانتقائي

حريم إمام: ما هي هذه المصادر النقلية (الشرعية)؟ وكم نوعاً من الوسائط والوسائل ذُكرت فيها؟

الأستاذ نورمفيدي: يقول الباري جل وعلا في كتابه العزيز:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

فالأمر الإلهي يتوجه لأهل الإيمان بوجوب التحلي بالتقوى وابتغاء الوسيلة المقربة إليه سبحانه؛ وصحيح أن هذه الآية لم تذكر هذه الوسائل والوسائط بالتفصيل وتسميتها صراحة في موضع واحد، غير أن تفحص المصادر المعتبرة من الآيات والأحاديث يكشف عن وجود ثمانية أنواع من الوسائط والوسائل المقربة، وهي كالتالي:

  1. الإيمان بالله ورسوله: يمثل الإيمان الركيزة والوساطة الأولى للتقرب؛ ويؤكد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هذا المبدأ بالقول: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ».

  2. المعرفة والوعي الهادي: وفي شأنها يقول أمير المؤمنين (ع): «فَإِنَّ بِالْعِلْمِ تَهْتَدِي إِلَى رَبِّكَ»؛ وتكتسب هوية ومتعلق هذه المعرفة أهمية بالغة؛ فالمراد بالمعرفة هنا ليس مجرد شحن الذاكرة بالمصطلحات الفلسفية والألفاظ، بل المعرفة العميقة بحقيقة الرب سبحانه، ومعرفة النفس الإنسانية وآفاق الوجود وتفاصيلها المذكورة في مظانها.

  3. التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى: وهو ما نتعبد به ونقرأه بانتظام في الأدعية الشريفة كدعاء السمات، ودعاء السحر المبارك لليالي شهر رمضان، ودعاء الجوشن الكبير. ونقرأ مثلاً في دعاء السمات المروي عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَى مَغَالِقِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ لِلْفَتْحِ بِالرَّحْمَةِ انْفَتَحَتْ…».

  4. القرآن الكريم: يمثل القرآن الكريم كتاب الهداية والوسيلة العظمى التي يوصل التدبر فيها والعمل بأحكامها العبد لصروح القرب؛ ولهذا نضع المصاحف الشريفة على رؤوسنا في ليالي القدر المباركة مستشفعين بها تباركت وتعالت بالقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكِتَابِكَ الْمُنْزَلِ وَمَا فِيهِ وَفِيهِ اسْمُكَ الْأَكْبَرُ وَأَسْمَاؤُكَ الْحُسْنَى وَمَا يُخَافُ وَيُرْجَى أَنْ تَجْعَلَنِي مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ».

  5. العمل الصالح: وتتعدد مصاديق العمل الصالح المقرب للعبد؛ وكما فصل أمير المؤمنين (ع) في خطبته الشريفة واصفاً وسائل التقرب بالقول: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذُرْوَةُ الإِسْلاَمِ، وَكَلِمَةُ الإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ فِي الأَجَلِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ»؛ مستعرضاً (ع) تفاصيل الأعمال الصالحة والمسؤوليات الاجتماعية والعبادية المقربة من الباري جل وعلا.

  6. التوسل بالنبي الأكرم (ص) إبان حياته الشريفة.

  7. التوسل بالنبي الأكرم (ص) بعد وفاته ورحيله.

  8. التوسل بأهل البيت والأئمة الأطهار (عليهم السلام).

حريم إمام: ما هي الجوانب والموارد المرفوضة والمنكرة من قِبل منكري مسألة التوسل؟

تكمن المشكلة الحقيقية في انزلاق البعض نحو التعاطي المجزأ والانتقائي مع هذه الوسائط؛ فتراهم يتشبثون ببعضها ويهملون البعض الآخر بالكامل؛ فعلى سبيل المثال، يركز فصيل على محورية القرآن والعمل الصالح والإيمان بالله بمفردهم رافضاً بقية الوسائط، وبالمقابل ينزلق فصيل آخر نحو التمسك الحصري بأهل البيت (ع) والادعاء بتوسلهم لقضاء الحوائج مع تضييع وإهمال الصلاة والعمل الصالح والقرآن؛ وكلا التعاطيين والمنهجين خاطئ ومرفوض تماماً ويتنافى مع كنه الشريعة؛ ومما يؤسف له أننا نرى اليوم شرائح واسعة من المسلمين متورطة في كلا الانحرافين والآفتين. فالتوسل يعني اتخاذ الوسيلة الموصلة؛ والمنفعة والبركة الحقيقية للإيمان والعمل الصالح والقرآن في ترقية العبد وهدايته هي حقيقة واضحة وجلية؛ ولكن المبحث الأكثر جدلاً وخلافاً والذي واجه الإنكار الجائر من جهة وواجه الفهم والتفسير الخاطئ من قِبل بعض منتسبي مذهب أهل البيت (ع) من جهة أخرى، هو مسألة “التوسل بأهل البيت (عليهم السلام)”.

ونحن نؤكد جازمين بوجوب وحتمية التوسل بأهل البيت (ع)؛ بمعنى أن التوسل بهم -كالتوسل بالقرآن والعمل الصالح لبلوع مقام القرب والوصال- هو أمر حتمي ولا بديل عنه، ولا يقتصر غايته ومفهومه على مجرد قضاء الحاجات المعيشية الدنيوية البسیطة؛ مما يفرض علينا التثبت التام وفهم حقيقة وجوهر التوسل بالمعصومين ومعرفة مرتبته الشامخة لنقف على ضرورته الوجودية بوضوح وعلمية.

ويتألف ويتجسد التوسل الحقيقي بأهل البيت (عليهم السلام) في ثلاثة أركان ومقومات أساسية متكاملة: معرفة أهل البيت (ع) والوعي بمقامهم الشامخ، محبة أهل البيت (ع) والولاء لنهجهم، وطاعة أهل البيت (ع) وامتثال توجيهاتهم. ولا يتحقق التوسل بتمامه وجوهره العالي بغير هذه الركائز الثلاث المتلازمة: المعرفة، والمحبة، والطاعة.

نقد الفهم المنحرف للشفاعة والتوسل بوصفها كفارة وإباحة للعمل

حريم إمام: يفسر البعض مسألة التوسل والشفاعة بوصفها كفارة لذنوبهم ومعاصيهم؛ فما هي قراءتكم لهذا الفهم والتفسير الشائع؟

الأستاذ نورمفيدي: صاغ الإمام الخميني (ره) في كتابه القيم “شرح دعاء السحر” عبارة ملكوتية بليغة جداً في وصف مقام النبي الأكرم (ص)؛ حيث يذكر: «إن هذا البنيان والهيكل الوجودي المسمى بمحمد بن عبد الله (ص)، قد هبط وتنزّل من عالم العلم الإلهي لتخليص الأسارى والمسجونين في سجن الطبيعة المظلم والارتقاء بهم». فالغاية العظمى لوجود العترة الطاهرة تكمن في تخليص العباد من قيود المادة وسوقهم نحو ملكوت السموات؛ غير أن قراءتنا وتفسيرنا لرسالتهم قد شابه الكثير من التسطيح والتشويه للأسف. وكما نبه المفكر الشهيد مطهري بمرارة؛ فإن بعض الشيعة للأسف يقعون في ذات الفهم المنحرف الذي وقع فيه المسيحيون بوصفهم للمسيح بـ «الفادي»؛ فيتوهمون بجهالة أن الإمام الحسين (ع) قد هبط وبذل دمه الشريف وقُتل ليكون قتله كفارة لذنوب ومعاصي شيعته لينجوا من العذاب الإلهي مهما اقترفوا من الانتهاكات والمعاصي؛ وهو خلل معرفي فادح وجور عظيم بحق مقاصد نهضة الحسين (ع).

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) مبيناً منزلة أئمة الهدى ومقام طاعتهم: «ذِرْوَةُ الْأَمْرِ وَسَنَامُهُ وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ الْأَشْيَاءِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ»؛ فطاعة الإمام بعد معرفته هي ذروة سنام الدين ومفتاحه الحقيقي ومصدر رضا الخالق جل وعلا.

إن منزلة أهل البيت (ع) بوصفهم وسائط التكوين وأسباب العروج المعنوي والروحي قد واجهت الجهل والتشويه والتبسيط الشديد في مجتمعاتنا؛ ليتوهم متوهم أن مجرد إدعاء الولاية والمحبة اللفظية كفيل بمنحه رخصة شرعية لارتكاب ما يشاء من المحرمات.

يروي محمد بن مارد قائلاً:

«قلت للإمام الصادق (عليه السلام): لقد أبلغنا البعض بحديث منسوب لكم ومفاده: (إذا عرفتم الأئمة فاعملوا ما شئتم)، فهل قلتم هذا الكلام حقاً؟ فأجابني الإمام الصادق (ع): نعم، لقد قلت ذلك. فقلت مستفسراً بذهول: حتى وإن زنى؟! وحتى وإن سرق؟! وحتى وإن شرب الخمر؟! فارتعد الإمام الصادق غضباً وقال بصوت حزين: إنا لله وإنا إليه راجعون… إنما قلت: (إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ)؛ فشتان بين هذا الفهم الإلهي وبين ذلك التفسير الجاهل والمشوه!».

وصحيح أننا نملك أحاديث شريفة وروايات تصف حب أمير المؤمنين (ع) بالقول: «حُبُّ عَلِيٍّ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، وَبُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ»؛ غير أن المجتهد المتضلع والملم بجميع أحكام الشريعة يجمع بين هذه النصوص والروايات الأخرى صياغةً لقراءته الفقهية؛ فنحن نملك رواية شريفة أخرى يوجه فيها الإمام الرضا (عليه السلام) خطابه الشريف قائلاً: «أَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّا لَا نُغْنِي عَنِ اللهِ شَيْئاً»؛ فالولاية لا تجزي عن طاعة الله؛ ويقول الإمام الباقر (ع) لجابر الجعفي بلهجة حازمة: «يَا جَابِرُ، وَاللهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَمَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ»؛ فليس للقرابة العائلية أو الولاية بغير طاعة الله براءة من نيران غضبه؛ فاجتماع هذه النصوص يثمر يقيناً الفهم الصائب والحقيقي للولاية والتوسل المرتكز على أركانه الثلاثة المتلازمة: المعرفة، والمحبة، والطاعة والائتساء؛ وبغيرها تضيع حقيقة التوسل بالكامل.

فالتوسل يعني اتخاذ الوسيلة والسبب الموصل والرافع لروح العبد للأعلى؛ أما قصر التوسل بالمعصومين على لغة الطلب لقضاء حوائج الحياة اليومية البسيطة والعيش بغير طاعة والتزام شرعي، فهو يمثل المرتبة الأدنى والقصور المعرفي في فهم التوسل.

نقد الإمام الخميني لـ “البؤس فوق العادة” في تبسيط معنى الشفاعة

حريم إمام: ما هي المقاربة والرؤية الفكرية والفقهية للإمام الخميني الراحل حيال مسألتي التوسل والشفاعة بمقام أهل البيت (عليهم السلام)؟

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، يُعد الإمام الخميني الراحل (قده) رائد المصلحين والمجددين الذين نهضوا بمسؤولية تصحيح قراءات المجتمع الإسلامي والشيعي حيال مقام ومنزلة أهل البيت (ع) وإرجاع المفاهيم والمعارف العقدية الشامخة لمكانتها وسكتها الصحيحة. وفي المنظومة المعرفية المتماسكة للإمام الخميني، صِيغت معالم التوسل، والشفاعة، والإمامة بأعلى درجات الدقة والعمق الفكري الحاسم الذي يبدد تمام الشبهات ويتناغم بدقة مع سائر المعارف الفقهية والعقلية؛ لكونه فكراً منسجماً ومتكاملاً. ومما يؤسف له، أننا نرى اليوم بعض الخطباء والوعاظ على المنابر والفضائيات الرسمية يطرحون مضامين وتفسيرات مشوهة ومبتورة لبعض الروايات بغير تقييم دلالي أو سندي رصين، مما يثير الفتنة والتشكيك في أذهان جيل الشباب ويضر برصانة العقيدة؛ ومن هنا تبرز الأهمية الفائقة لصيانة تبليغ المعارف الدينية وحصرها في عقول النخب وصناع الفكر الملتزمين بالمنظومة المتكاملة والمتجانسة للشريعة.

وسأعرض في هذا المقام جانباً من كلمات وبيانات الإمام الخميني النورانية؛ حيث يصف التشويه والتسطيح الشائع لمفهوم الشفاعة بـ “المصيبة والبدبختی الفائقة للحد” قائلاً:

«بلى، إن ثمة بؤساً ومصيبة فائقة للحد نرسف في وطأتها؛ ومفادها أننا نسارع لصياغة سنن وقوانين الباري جل وعلا وتفسيرها بناءً على عقولنا وتصوراتنا القاصرة التي خلت من التربية الشرعية القويمة لتشبه عقول الأطفال المشردين بغير معيل، أو تربت وتغذت بقراءات ناقصة لقاصرين جهلة؛ متوهمين بجهالة أن شؤون ومسؤوليات الآخرة والحساب هي من قبيل الاعتبارات والترتيبات القانونية الدنيوية البسيطة، وأن الخالق جل جلاله يتعامل مع العباد بناءً على هذه الترتيبات فيعاقب من يشاء أو يغفر لمن يشاء بغير أسباب حقيقية لمجرد أن شفيعاً أو مجاهداً تقدم ورجاه العفو عنه والصفح عن جرائمه؛ فصغنا وصورنا قضية الشفاعة العظمى بهذا التسطيح والتبسيط الرخيص؛ وبادر بعض الخطباء على المنابر لاختراع تفاصيل تبرر أهواءهم لإثارة جلبة المجالس فحسب، متمسكين بروايات وقصص مجهولة السند والدلالة ومفسرين إياها تفريغاً لمعنى الشفاعة الحقيقية؛ ليجعلوا من سيد الشهداء (عليه السلام) شفيعاً تلوذ به الجماهير ليمحو معاصيها وظلمها بغير توبة وعمل صالح، ويتغاضى الباري جل وعلا عن ذنوبهم بغير حساب».

ويضيف الإمام الراحل في السياق نفسه منبهاً:

«إننا نمتلك يقيناً شتى وسائل الغرور والتبرير الواهي، وقد بهرج الشيطان الرجيم هذه الشبهات والمخاوف وألبسها لباس التقديس والدين ليلبس بها على أهل التقديس والعبادة؛ في حين أن الشفاعة الحقيقية المذكورة صراحة في الكتاب والسنة الشريفة والمجمع عليها بين المسلمين كافة، تنحصر يقيناً في فئة وشريحة محدودة جداً تكاد تُعد في حكم العدم لقلتها؛ وليست بتلك الشمولية والاتساع والسهولة التي توهمناها بجهالة ظانين أن مرتكب المظالم والكبائر والمعاصي يملك نيل الشفاعة ومحو جرائمه بيسر وسهولة بغير توبة وطاعة وعمل صالح».

إن هذا التنبيه البليغ للإمام الخميني يكشف عن تشخيص عميق لأزمة حقيقية تواجه الوعي الديني للمجتمع، ووصفها بـ “البؤوس فوق العادة”. واليوم، يتوجب على الأجهزة التبليغية والوزارات ومسؤولي الإعلام والفضائيات الالتزام الصارم والدقة البالغة في اختيار الخطباء والعلماء الأفاضل لإلقاء المباحث المعرفية، وحظر بث الأكاذيب والتفسيرات السطحية الرخيصة التي تضر بالبنية الأخلاقية والتربوية للمجتمع وتسهم في تزييف وتجهيل عقول الجماهير؛ لكيلا تتحول وسائل الإعلام -التي يجب أن تكون صروحاً لتربية الإنسان وصياغة وعيه- إلى مدارس تنشئ بشراً بصفات وسلوكيات لا يقبلها أهل البيت ولا يرتضيها أئمة الهدى (عليهم السلام).